كاليدونيا الجديدة: عندما تُبنى الوحدة بالتعدد لا بالقوة
فرنسا تُقدّم درسًا للعالم… ولسودان مزقته الانقسامات
بقلم: م: جعفر منصور حمد المجذوب
منذ الثورة الفرنسية عام 1789، ظلت فرنسا تتغنى بشعاراتها الثلاثة: الحرية، المساواة، الأخوّة. لكن التطبيق العملي لتلك المبادئ لم يكن دائمًا مثاليًا، خاصة في مستعمراتها. واليوم، وبعد قرنين، تعود فرنسا لتُقدّم نموذجًا جديدًا من الثورة — ثورة بلا دم، عبر تسوية تاريخية في أحد أبعد أقاليمها: كاليدونيا الجديدة.
هذا النموذج، الذي يعتمد على الاعتراف بالهوية والخصوصية ضمن السيادة، يقدّم درسًا عميقًا للعالم، ولبلدان مثل بلدنا السودان، بلدان فشلت في إدارة تنوعها فضاعت وحدتها.
أولاً: كاليدونيا الجديدة – من الاستعمار إلى التسوية
كاليدونيا الجديدة، أرخبيل يقع في جنوب المحيط الهادئ، كان تحت الاستعمار الفرنسي منذ عام 1853. وكغيرها من المستعمرات، تعرض سكانها الأصليون، المعروفون باسم “الكاناك”، للتهميش والتذويب الثقافي، وظلوا لعقود يطالبون بالاستقلال.
وفي أعقاب احتجاجات وأعمال عنف في الثمانينات، وقعت فرنسا مع قادة الحركات المحلية اتفاقيات (مثل اتفاق نوميا 1998)، أتاحت حكمًا ذاتيًا متدرجًا، مع إجراء ثلاث استفتاءات على الاستقلال (2018، 2020، 2021). ورغم بقاء الإقليم ضمن الجمهورية، فإن الخلاف لم يُحسم نهائيًا.
فرنسا اليوم لا تحاول فرض الانتماء القسري، بل طرحت مقترحًا متقدمًا: “الجنسيتين داخل الجمهورية”، بحيث يحتفظ السكان بهويتهم الكاليدونية ويشاركون في المواطنة الفرنسية. إنها صيغة للاعتراف دون الانفصال، ولمشاركة السيادة دون الإذعان.
ثانيًا: المفارقة – من ثورة 1789 إلى مرونة 2025
فرنسا التي كانت مركزًا لفكر الجمهورية الموحدة، والمركزية السياسية الصارمة، بدأت اليوم تعيد تعريف نفسها. لم تعد ترى أن المواطنة تعني التطابق الكامل، بل تحتمل التباين.
هذا التحول هو ثورة من نوع آخر: ثورة ناعمة، مبنية على الاعتراف بالخصوصيات الثقافية والإثنية، لا على صهر الجميع في قالب واحد.
وقد طورت فرنسا مؤخرًا في تعاملها مع مستعمراتها التى ضمتها اليها ما يُعرف بـ”اللامركزية المتفاوتة”، أي أن كل إقليم يمكن أن تكون له علاقة مختلفة بالدولة، بحسب تاريخه وظروفه وهويته. وهو ما نراه في جزر مثل كورسيكا، بولينيزيا، واليوم فى كاليدونيا الجديدة.
ثالثًا: السودان… عندما عجزنا عن إدارة التعدد
مقارنة هذه التجربة مع السودان تثير شجونًا كثيرة.
في السودان، رغم أننا دوله واحده وليست أقاليم ضمت بالاستعمار، عجزت الدولة الوطنية منذ الاستقلال عن احتواء الجنوب، ولم تُقدّم سوى التهميش والهيمنة الثقافية والدينية.
بدل الاعتراف بالهوية الجنوبية، فُرضت العروبة والإسلام السياسي كهوية قومية شاملة.
قادت الحروب والصراعات في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان في 2011، بعد أكثر من مليوني قتيل، وموجات نزوح ولجوء بإعداد كبيرة.
بعد الانفصال، لم يتغير النهج. فقد تكررت نفس السياسات في دارفور، جبال النوبة، والنيل الأزرق، وكأن الدولة لم تتعلم درسا من كارثة الانفصال الأولى.
اليوم، يعيش السودان في لحظة خطرة — ليس فقط بسبب الحرب بين الجيش والدعم السريع، بل بسبب تفكك العقد الوطني، وتنامي دعوات أو افكار الانفصال أو الحكم الذاتي في أكثر من إقليم إضافة إلى شيطنة وتسليح المواطنين فى عدة أقاليم باسم معركة الكرامة.
رابعًا: ما الذي يمكن أن نتعلمه؟
من تجربة فرنسا، يمكن للسودان — ودول شبيهة به — أن تستخلص عدة دروس:
- الهوية لا تُفرض، بل تُبنى بالحوار والاعتراف.
- الوحدة لا تعني محو الاختلاف، بل احترامه وإدارته ضمن عقد سياسي مشترك.
- التعدد الثقافي والإثني والديني ليس خطرًا على الدولة، بل هو مصدر غنى، إذا أُدير بعقلانية.
- القوة لا تحسم انتماء الشعوب، بل العدالة والكرامة.
- الاستفتاءات وحدها لا تكفي، ما لم يُؤمّن شعور عام بالثقة في الدولة.
خامسًا: هل يمكن استنساخ التجربة الفرنسية؟
بالطبع، لا توجد وصفة جاهزة لحل كل المشكلات ولكل الدول ولكن المبادئ العامة قابلة للتطبيق:
ما المانع من منح الأقاليم السودانية سلطات حقيقية لإدارة نفسها؟
ما الضرر في الاعتراف بالثقافات غير العربية كلغات وهوية وطنية وكذلك الأديان ؟
ما الخطأ في كتابة دستور يُبنى على المشاركة وليس الهيمنة؟
في زمن التحولات الكبرى، إما أن تقوم الدول بإصلاحات عميقة، أو تتمزق تحت وطأة عنادها القديم أو لصالح ايديلوجيات معينة
خاتمة:
فرنسا — التي كانت تُتهم بالاستعمار — تعود اليوم لتعلّم العالم كيف تُدار الخلافات دون عنف.
أما نحن من ترمى كل مشاكلنا وحروبنا على شماعة أننا من ضحايا الاستعمار وما بعده، قد صنعنا الاستعمار الداخلي، بقمع الآخر وشيطنته.
إن تجربة كاليدونيا الجديدة نقطة ضوء في عالم مظلم. والسودان، إن أراد الخروج من دوامة الانفصال والحرب، فليبدأ من هذا الدرس مع استقراء تاريخنا السياسي والبعد عن ادلجة الأفكار لصالح فئات معينة
لا وحدة بلا عدالة.
ولا استقرار بلا اعتراف بالاختلاف.
gaafar.hamad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم