khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
يُقدَّم كاميرون هدسون في الخطاب السياسي الأمريكي بوصفه أحد “خبراء السودان والقرن الإفريقي”، وهو توصيف لا يخلو من قدر من الدقة من حيث المسار المهني، لكنه في الوقت نفسه يُستخدم غالبًا كاختزال مريح يُغفل الأسئلة الأعمق المتعلقة بالدور والوظيفة. فقد شغل هدسون مواقع داخل مؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة، من بينها مواقع مرتبطة بمجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، حيث تعامل مباشرة مع ملفات السودان وجنوب السودان في مراحل بالغة الحساسية. لاحقًا، انتقل إلى فضاء مراكز التفكير والعمل البحثي، وبرز اسمه في مؤسسات مثل المجلس الأطلسي، قبل أن يتموضع تدريجيًا كمستشار مستقل في شؤون النزاعات والتحولات السياسية. هذه السيرة تمنحه معرفة تقنية واسعة، وشبكة علاقات نافذة، وقدرة على الوصول إلى دوائر القرار والإعلام. لكنها، في الوقت نفسه، تضعه ضمن فئة خاصة من الفاعلين؛ أولئك الذين يغادرون المؤسسة الرسمية دون أن يغادروا منطقها، ويستمرون في التفكير بعقل الدولة العظمى حتى وهم “يتحدثون بصفة شخصية”.
بدأ اهتمام هدسون بالسودان في سياقٍ أمريكي تقليدي، تحكمه اعتبارات الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وإدارة الانفصال بين الشمال والجنوب. ومع ثورة ديسمبر 2019، بدا وكأن خطابه يقترب ولو جزئيًا، من تطلعات التحول المدني، إذ، حذّر من عسكرة السياسة، ونبّه إلى مخاطر إعادة إنتاج الدولة الأمنية. غير أن هذا القرب لم يكن يومًا انحيازًا صريحًا للثورة السودانية، بقدر ما كان قراءة وظيفية لمرحلة انتقالية يُراد لها ألا تنفلت عن السيطرة. ومع انقلاب أكتوبر ٢٠٢١، ثم اندلاع حرب أبريل ٢٠٢٣، بدأ التحول الأوضح في مقاربته؛ من تفكيك جذور الأزمة، إلى التركيز على “إدارة” تداعياتها، ومن مساءلة المنظومة العسكرية، إلى التعامل معها بوصفها واقعًا لا بد من العمل داخله.
حضور هدسون الإعلامي كثيف ومنتظم. مقالات رأي في الصحافة الدولية، مقابلات تلفزيونية، مشاركات في منتديات سياسية مغلقة ومفتوحة، ومداخلات تُستدعى فيها “الخبرة” لتبرير الخيارات الصعبة. في هذا الحضور تتجلى لغة تحليلية ملساء، تخاطب صناع القرار أكثر مما تخاطب الضحايا، وتُقدّم الاستقرار بوصفه القيمة العليا، حتى حين يكون ثمنه تعليق العدالة أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى. هذا النوع من الخطاب لا يُخطئ بالضرورة من حيث المنهج، لكنه يصبح إشكاليًا حين يتحول صاحبه من محلل يصف الواقع، إلى فاعل سردي يساهم في إعادة صياغته، وتحديد من هو “الطرف الممكن”، ومن هو “الطرف غير القابل للاستثمار السياسي”.
فالجدل الذي أثاره ظهور هدسون في منابر أممية، متحدثًا بصفته الشخصية، لا يتعلق فقط بمضمون ما قاله، بل، وهو الأهم، بكيف ولماذا سُمح له بالقول. فهو لا يشغل موقعًا رسميًا في الإدارة الأمريكية، ولا يمثل منظمة مجتمع مدني معتمدة، ولا يُدرج ضمن الخبراء المستقلين المعينين من آليات الأمم المتحدة. ومع ذلك، فُتحت له منابر يُحرم منها ممثلو المجتمع المدني السوداني، والناجون من الانتهاكات، وأصحاب الملفات الموثقة. ما أُثير حول انتقائية معلوماته، وصمته عن ملفات بعينها، وقراءته الرمزية لأحداث كارثية، مثل تحويل مشاهد الدمار والحرائق إلى رموز “للصمود” لا يمكن فصله عن السياق الذي ظهر فيه؛ سياق تسعى فيه حكومة بورتسودان إلى تحسين صورتها الدولية في ظل تصاعد الانتقادات الحقوقية والسياسية. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا يجيب عنه الخطاب التحليلي وحده؛ من يقرر من يتحدث باسم السودان في الفضاء الدولي؟ وهل تُطبَّق معايير العدالة والتمثيل بالتساوي، أم وفق اعتبارات القوة والنفوذ؟
لم يعد التحوّل في مواقف كاميرون هدسون مسألة اختلاف في التقدير أو تطوّر طبيعي في التحليل، بل أصبح ظاهرة سياسية تستدعي التوقف والتدقيق. فالتغيّر لم يأتِ فقط على مستوى اللغة، بل شمل زاوية النظر، وانتقاء الوقائع، وحدود الصمت، وطبيعة المنصات التي يُطلّ منها، والأدوار التي يؤديها، والفضاءات التي يُمنح فيها حق الكلام. السؤال هنا لا يبدأ من “لصالح من يعمل؟”، بل من كيف ولماذا تغيّر موقعه الوظيفي في المشهد؟ وهو سؤال مشروع حين نلاحظ انتقاله من موقع المحلل الذي كان يُحسب، ولو جزئيًا، على تفكيك سردية العسكر، إلى موقع أقرب إلى التطبيع السردي مع سلطة بورتسودان، بل والدفاع غير المباشر عنها عبر إعادة ترتيب الأولويات؛ من مساءلة المسؤولية إلى إدارة الواقع، ومن العدالة إلى الاستقرار، ومن تفكيك المنظومة إلى التعايش معها.
في هذا السياق، تبرز تساؤلات حول التقاطعات الإقليمية في خطابه، لا سيما مع دول تلعب أدوارًا نشطة، ومتناقضة أحيانًا في الملف السوداني. هنا لا يُطرح اسم دولة بعينها بوصفه اتهامًا، بل باعتباره سياقًا سياسيًا معروفًا، حيث تتحرك بعض العواصم عبر قنوات غير رسمية، مستعينة بمحللين ومستشارين وأصوات “مستقلة” ظاهريًا، لترويج سرديات محددة دون تحمّل كلفة الموقف الرسمي. ولا توجد، حتى هذه اللحظة، وثائق علنية تثبت تعاقدًا مباشرًا أو عملًا رسميًا لصالح دولة معينة. وهذا أمر يجب قوله بوضوح احترامًا للمعايير المهنية. لكن في المقابل، فإن غياب الوثيقة لا يُلغي حق السؤال، خصوصًا حين تتراكم المؤشرات التالية؛ التحول الخطابي الممنهج، حيث لم يعد خطاب هدسون يضع الجيش في مركز المساءلة، بل في مركز “الضرورة الواقعية”، فتُخفَّف المسؤولية، ويُعاد تأطير الانتهاكات بوصفها “نتائج حرب”، لا سياسات وقرارات. والانتقائية الصامتة، حيث تغيب عن خطابه ملفات أساسية تتعلق بدور التيارات الإسلامية، ومسؤولية القيادة العسكرية عن الانهيار الإنساني، وانتهاكات موثقة في ولايات بعينها، وهو صمت لا يبدو عارضًا بل نمطًا متكررًا. ثم مسألة المنصات والفضاءات، إذ إن حصوله على منابر أممية حساسة بصفته الشخصية، في وقت يُقصى فيه ممثلو المجتمع المدني السوداني، يثير سؤال سلطة توزيع الصوت داخل نظام دولي يدّعي الحياد. وأخيرًا الرمزية السياسية، حين يُحتفى بصور قادة عسكريين في لحظات كارثية، وتُقرأ بوصفها رموزًا للصمود، بما يحوّل المأساة الإنسانية إلى سردية بطولية مصطنعة.
ويمكن القول، بعد فحص مسار كاميرون هدسون الكتابي والسياسي، إنه لم يكن يومًا داعمًا للثورة السودانية بوصفها فعلًا تحرريًا جذريًا يستهدف تفكيك بنية الدولة العسكرية، الإسلامية، لكنه دعم بوضوح وعلى نحو متكرر فكرة الانتقال المدني حين رآها منسجمة مع مقاربات واشنطن للاستقرار والإدارة المرحلية. فقد رفض انقلاب أكتوبر ٢٠٢١ صراحة، واعتبره قطعًا لمسار التحول الديمقراطي، وانتقد عسكرة السياسة بوصفها معيقًا لأي انتقال قابل للحياة، كما أشار في أكثر من مناسبة إلى الدور التخريبي للإسلاميين في تقويض الحكم المدني وإطالة أمد الصراع. غير أن هذا الموقف ظل مشروطًا ومنقوصًا؛ إذ لم يذهب إلى تبنّي جوهر الرؤية الثورية السودانية القائمة على العدالة أولًا، والمحاسبة، والتفكيك الجذري للمنظومة العسكرية-الأمنية-الإسلامية. فمع اندلاع الحرب، انتقل خطابه من رفض العسكرة إلى التعايش معها “كضرورة واقعية”، ومن إدانة الإسلاميين إلى الصمت الانتقائي عن تحالفاتهم داخل سلطة الأمر الواقع. وعليه، فإن هدسون يدعم الانتقال المدني كنموذج إداري قابل للإدارة الدولية، لا كمشروع تحرري ثوري، ويقف نظريًا ضد عسكرة الحياة وضد نفوذ الإخوان، لكنه عمليًا يتراجع عن هذه المواقف كلما تعارضت مع أولوية “الاستقرار” كما تُعرّفه دوائر صنع القرار الغربية. هذا الفارق الجوهري هو ما يجعل دعمه للمدنية دعمًا مشروطًا، لا التزامًا مبدئيًا، ويجعل علاقته بالثورة علاقة قراءة من الخارج، لا انحيازًا من الداخل.
في مثل هذا المشهد، يصبح السؤال عن تضارب المصالح سؤالًا مشروعًا، لا اتهامًا، ويصبح طلب الإفصاح واجبًا أخلاقيًا، لا هجومًا شخصيًا. فالمحلل الذي يتحرك بين العواصم، ويجلس مع أطراف النزاع، ويُمنح منابر مؤثرة، لا يمكنه الاحتماء بعبارة “رأي شخصي”، لأن أثر هذا الرأي يتجاوز الشخص ويصيب المجال العام مباشرة. إن جوهر الإشكال لا يكمن في شخص كاميرون هدسون، بل في النموذج الذي يمثله؛ نموذج “الفاعل الخارجي” الذي يعمل في المنطقة الرمادية بين التحليل والسياسة، بين الرأي والتأثير، بين الاستقلال المعلن والوظيفة غير المعلنة. وهذا النموذج، مهما كانت نواياه، يصبح خطرًا حين يُستخدم لإعادة إنتاج شرعية سلطة متهمة، أو لتبييض واقع دموي، أو لإسكات أصوات الضحايا عبر الضجيج التحليلي.
وعليه، فإن السؤال لا يجب أن يكون؛ هل يعمل لصالح هذه الدولة أو تلك؟ بل؛ لماذا لا يقدّم إفصاحًا واضحًا عن طبيعة أدواره، وحدود استقلاله، ومصادر دعمه، وشبكات تأثيره؟ في غياب هذا الإفصاح، يظل الشك قائمًا، لا بوصفه إدانة، بل بوصفه حقًا عامًا في المساءلة. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى محللين أكثر، بل إلى وضوح أخلاقي أكثر، وإلى خطاب لا يُدار من وراء الستار، ولا يُعاد تدويره وفق مصالح إقليمية، مهما كانت مغلّفة بلغة الخبرة. والتاريخ، كما التجربة، يعلّماننا أن الحقيقة لا تُقاس ببلاغة المتحدث، بل بمن يخدم خطابه في نهاية المطاف.
كثيرًا ما يُقدَّم كاميرون هدسون في محركات البحث والسير التعريفية بعدة أوصاف مهنية متزامنة؛ مسؤول حكومي سابق، باحث في مركز تفكير، مستشار مخاطر سياسية، شريك في شركة استشارات، خبير مستقل، ومتحدث في منتديات دولية. غير أن هذا التعدد، الذي يبدو للوهلة الأولى دليل خبرة واتساع، هو في الحقيقة جوهر الإشكال لا مبرر الثقة. فهذه الأوصاف لا تعمل بوصفها تعريفات ثابتة، بل كأقنعة وظيفية تُستدعى بحسب المنصة والجمهور؛ حين يخاطب الكونغرس يُستحضر كمطلع من داخل الدولة، وحين يظهر في الإعلام يُقدَّم كمحلل مستقل، وحين يشارك في منتديات إقليمية يُسوَّق كمستشار مخاطر، وحين يدخل المنابر الأممية يُترك توصيفه عائمًا بلا مساءلة. هذه السيولة المهنية لا تمنحه استقلالًا أخلاقيًا، بل تتيح له الإفلات من المحاسبة؛ فإن انتُقد قيل “مجرد محلل”، وإن سُئل عن التموضع قيل “لا يمثل جهة رسمية”، وإن طُلب منه الإفصاح قيل “يتحدث بصفته الشخصية”. في السياق السوداني، حيث تُدار الحرب بالخطاب بقدر ما تُدار بالسلاح، يصبح هذا التعدد المهني علامة إنذار لا وسام خبرة، لأنه يضع صاحبه في المنطقة الرمادية بين التحليل والسياسة، حيث يُمارَس التأثير بلا مسؤولية، ويُعاد إنتاج السرديات بلا التزام، وتُمنح الأصوات لا على أساس العدالة، بل على أساس المنفعة.
يبقى السؤال الجوهري الذي لا يمكن للقوى المدنية السودانية الهروب منه؛ هل يمكن الوثوق في مواقف كاميرون هدسون؟
والإجابة الصادقة، هي؛ لا يمكن الوثوق به بوصفه حليفًا سياسيًا أو أخلاقيًا، وإن أمكن الاستماع إليه بوصفه مؤشرًا على مزاج دوائر بعينها في الغرب. فهدسون لم يقف يومًا مع القوى المدنية في لحظة الخطر الوجودي، ولم يتبنَّ مشروعها بوصفه معركة تحرر وكرامة وعدالة، بل تعامل معها كملف قابل للإدارة، وكأداة ضمن معادلات الاستقرار والمصالح. وحين تعارضت هذه المعادلات مع جوهر مطالبها، لم يتردد في إعادة التموضع، ولا في تليين اللغة، ولا في التعايش مع
سلطةالسلاح بوصفها” الواقع الممكن”.
أما السؤال الأكثر قسوة؛ هل باع نفسه
للشيطان؟ فالإجابة هنا لا تحتاج إلى لغة أخلاقية مطلقة، بل إلى توصيف سياسي أدق؛ لم يبع نفسه للشيطان بمعناه الرومانسي، لكنه اختار بوعي أن يعمل داخل منطقه. اختار الاستقرار على حساب العدالة، والتسويات على حساب الحقيقة، وإدارة الخراب بدل تفكيك أسبابه. وهذا الاختيار، في السياق السوداني، ليس حيادًا، بل انحياز مكتمل الأثر، مهما تغلّف بلغة التحليل والخبرة.
وعليه، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في شخص كاميرون هدسون بقدر ما يكمن في الموقع الذي اختار أن يقف فيه. فالمسألة ليست خيانةً ولا ولاءً، بل اختيار وظيفي واعٍ؛ أن تكون جزءًا من منظومة إدارة الأزمات لا من معركة تغييرها، وأن تفضّل منطق الاستقرار القابل للتسويق على منطق العدالة المكلفة. وفي السياق السوداني، هذا الاختيار ليس محايدًا، لأنه ينحاز تلقائيًا إلى ميزان القوة القائم، مهما تغلّف بلغة التحليل والخبرة. من هنا، تستطيع القوى المدنية أن تقرأ هدسون، وأن تستفيد من خطابه بوصفه مرآة لتفكير دوائر بعينها في الغرب، لكنها لا تستطيع أن تستودعه ثقتها، ولا أن تتعامل معه كرافعة او خافضة سياسية أو أخلاقية لمشروعها. فالثقة لا تُبنى على الذكاء التحليلي، بل على الثبات حين تتعارض المبادئ مع المصالح، وعلى الوضوح حين يصبح الصمت خيارًا مريحًا.
إن أخطر ما تواجهه الثورات ليس عداء الخارج، بل التباسه؛ ليس الخصومة الصريحة، بل الدعم المشروط الذي ينتهي عند أول اختبار حقيقي. ولهذا، فإن الرهان على أصوات خارجية، مهما بدت خبيرة أو متعاطفة، يظل رهانًا هشًا ما لم يستند إلى مشروع وطني مستقل، قادر على فرض لغته، وتحديد أولوياته، والدفاع عن قضاياه دون وسطاء. فالثورات لا تُهزم لأنها بلا أصدقاء، بل تُهزم حين تُخطئ في اختيار من تُصغي إليهم، وحين تخلط بين من يشرح الواقع… ومن يملك الشجاعة لتغييره.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم