كتاب الأدب الشعبي عند النوبة لدكتور عبد الباقي حسن فيرين (آمون)

د. قاسم نسيم
gasim1969@gmail.com

هذا فتحٌ جديد في المعترك الثقافي النوبي، يؤسس للأدب النوبي وأغراضه، وهو غير مسبوقٍ على مستوى أيِّ قبيلة من قبائل جبال النوبة فضلًا عن عموم مجموع قبائل النوبة، يرد على كثير من القائلين أن القوم هَمَلًا دون إدراك ولا وعي، ولا أدب ولا قلم، ولا ناظم ينظمهم، ولا خلق يعصمهم، نعم هذه المقولات تضج بها مقالات الأقدمين، يحطمها القادمون يجلون عن هذا التراث الغبش، ويرفعون عنه الركام، فإذا هو يلمع ويتلألأ كظنه أول أمره، هم نفرٌ من أبرِّ رموز جيلنا، يقودهم هذا اليوم فيرين، وعجبت لمؤلفه كيف أحاط بلغات طائفة واسعة من طوائف النوبة، وعزمته في السعي يجمع منهم ويترجم، حتى تأتت له كل هذه المعارف فصار يفصح بكيت لسان ولسان، ونحن تتململ فينا الكلمة من مفردات لسان أماتنا، وما تكاد تستقر، بل إنما هو مدد أُمدَّ به، وكان الكاتب قد أوقعني في العام 2016 على مسوَّدته، فاعتبرتها حينها حدثًا نوبيًا نؤرخ به، فشرفني بإكتابي مقدمته، وظللت أتربص انفراجه للناس، وأنا أبشر بمطلعه كلما جلست مع مهتمين، حتى انبهل والحرب قد شردت بنا كلَّ سبيل، هو في الكنانة عذق العروبة، وأنا في كمبالا دغل إفريقيا، قد حيل بيننا اجتماع التدشين وحضوره، ونشوة الحدث وحبوره، فأخذت على نفسي استعواض انفلات التدشين، بالكتابة عن الكتاب، لكنني تأخرت تأخرًا بائنًا، كأنَّ إراداتٍ كارهات ترصدت بأبواب الأقدار تغلقها، وبسوانحه تقذفها، فكنت لا أقوم من بلوى إلا لأقع في بلوى جديدة، حتى وسمتني تلك البلايا فهي على وسم، لكن عزمتي لم تبلُ، ويراعتي ما ينضب مدادها، مُدَّخرًا في أمعائها، حتى جاء اليوم ويوغندا توقف دوران حياتها استجابة لحدث الانتخابات الرئاسية، فانتهز هذين اليومين المعطلين، فأنجز ما عجزت عن إنجازه قرابة العام، وهذا من غرائب القدر؛ فقد كان همسٌ في قلبي يهمس حين أمسكت بالكتاب أول مرة يقول مصطكًا: إن مثل هذا الكتاب لا ينبغي أن يترافق مع تقحمي له هم آخر، فاستفرغ له الأيام، وهذا ما حدث فدخلت خلوته خِلوًا من أي شيء، وكنت قبلًا كلما هممت دخول كوخي رُميت بالأدواء.
أهدى فيرين كتابه للراحل يوسف كوة مكي، بعد أن كال عليه آيات المديح، وخلع فيه أسمى صفات المجد، ثم تلى فيرين إهداءاته لمحمد مفتاح الفيتوري، بعد أن نصب له قباب شياخة الشعر، وهو بها قمين، وتلى في إهداءاته شعوب النوبة سلالة الكوشيين ثم طفق يهدي ويهدي
وقد زعم في مقدمته أن عمله هذا مُقدمة له وللآتين من بعده، لوصف ودراسة أصناف الفن الإفريقي وتبويبه، يبغي يباهي بآداب النوبة المستكنة المدرعة تحت شفرة لغاتها، وأن عمله هذا التفاتة عجلى تومي إلى فخامة أصحابها، ثم ارتمى على الأرض يتلوى من لأواء ومغص الترجمة، يا أبتاه ما أتعسه!هذا الفتى! كنت شفقتُ عليه، ثم ينهض يحضُّ الكُتَّاب من جيله ألا ينوا عن هذا العمل فيضيع تاريخهم الشفاهي، ثم يهدر ينعي على أوائل المتعلمين من العنصر الإفريقي السوداني – دون إشفاق- عدم تدوين ثقافتهم وتاريخهم الشفاهي حتى اندثر أكثره، فكل شيءٍ كان لهم متاحًا، فها هم هؤلاء تمطرهم لعنات آبائهم، واحتقارات أبنائهم، فقد فصلوا الأجيال، وانهزموا أمام الثقافات فأنجبوا أشباحًا يتنطقها لسان يجافي بشرتهم، فما عادوا لآبائهم، ولا أشبهوا لسانهم، ولعل ما شُغل منهم شغل بالسياسة، حيث المنصب والمقام والشهرة، لكن كان حصادهم فيها هشيمًا، وما يجد المغامرون الجدد مما أبقاه أجدادهم من إرث إلا أقلَّه، فقد انطمر أكثره، ويصف فيرين من تصدوا للمعركة الثقافية يصف معاناتهم وانشقاقاتهم المنهجية، وما ذلك إلا محصلة لأزمة الهوية، والتوازن والتصالح مع الذات.
يقرُّ الكاتب في مقدمته منهجه الذي أقره وهو المنهج الوصفي التحليلي التاريخي، وذكر أنَّه سيتخذ نصوصًا نوبيةً من المجموعات النوبية العشرة، فيترجمها إلى العربية، ثم يضاهي بين أصلها الإفريقي والمترجم العربي، ثم يستخلص الدلالات والتفاسير والقيم الثقافية، ثم عاد يستصعب الأمر لافتقار المجتمع النوبي إلى المراجع الفكرية والأدبية.
وقد أحصى عشرين غرضًا سماها في آدابه المترجمة، لأربعة عشر لسانًا تمثل سبع عشرة قبيلة مختلفة، منها النيمانج، التيرا، الترجك، تيمين الشواية فندا كادقلي كتلا كمدا كرنقو الكواليب القوري ميري المورو والي …والكتاب يقع في خمسة فصول، وعشرين غرضًا، وعندي أن بعض أغراضه يمكن أن تضم إلى بعضها الآخر.
تحت عنوان الجقرافية السياسية للمجموعات اللعوية لنوبة الجبال في السودان، يفصل في الموقع الجغرافي عن المنطقة، المساحة والسكان، وتعدادهم على اختلاف الأوقات، وزعم أنهم تعرضوا لنزف سكاني حاد خلال آخر ثلاثمائة سنة، وزعم أنه رغم اختلاف أسرهم اللغوية لكن ثمة مشتركات بارزة تجمعهم، وقوله هذا ذو أهمية، من رجل تقلب في لعات الجبال، وأثبت مسائل عديدة مستجدة، أوردها في كتابه هذا في خضم نثره لأغراضه. فتلك المشتركات التي أومأ إليها ربما قادت إلى إعاد تصنيف أسرهم اللغوية؟
ثم انجرف ناحية الخرطة اللغوية التي وضعها بروف كمال جاه الله، في كتابه الوضع اللغوي في جبال النوبة، دراسة في التحول اللغوي الاجتماعي(مدينة الدلنج أنموذجًا) جامعة إفريقيا العالمية، ونقد الخارطة نقدًا شديدًا، ورماها بمخالفة الواقع والتخليط.
في كتابته للنصوص النوبية اصطنع الكاتب أبجدية جديدة لكتابة لغاته النوبية مستعينًا بما عرف بالحرف القرآني وهو الحرف العربي الذي اصطنعته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ESSCO) لكتابة اللغات الإفريقية وفقًا لمقرراتها، يوظفه للأصوات المنعدمة في العربية ، وزعم أن أغلب تلك الرموز مما اصطلح عليه في كتابة لغة النيمانج ثم طفق يشرح ويبسط تلك الرموز، بعد أن بذل الوسع في الاحتجاج بأهمية الكتابة بها، ثم وضع جدولًا باسم مفتاح الكتابة الصوتية، وضع فيه الحرف القرآني وفقًا للإيسسكو، ثم الوضع اللاتيني الراهن، ثم الرمز الإفريقي العالمي، ثم طريقة النطق، ثم أمثلة لطريقة النطق، وبصرف النظر عن نجاعة الطريقة من غيره، فإن ما قام به عمل ثقيل تنتدب له الجماعة من الخبراء، وهو إنجاز لمن قام به يكفيه إن بقي عاطلًا بعده، فضلا عمن وضعه إنما وضعه تمهيدًا لعمل آخر، هو جمع وتبويب الأدب النوبي، ثم أن أول خطوة لتقارب اللغات وتوحيدها هو توحيد حرفها، فالعربية كانت لغات في الجاهلية بها ظواهر لغوية تعتري الكلمات كالكشكشة عند أسد وربيعة وهي تحويل كاف المخاطبة إلى شين مثل كتابش بدل كتابك والطمطمانية(حمير) وهي إبدال لام التعريف ميمًا مثل أمهواء بدل الهواء وهي موجودة في السودان فنقول (أمبارح) ونقصد البارحة، والتلتلة عند قضاعة ومضر كسر المضارع مثل تِعلم وكأني سمعتها عند عرب رفاعة بي حسين في باديتهم بالنيل الأزرق في مناطق بوط ورورو وودأبوك ومغجة، واختلافات معجمية كاختلاف اسم الشيء الواحد، وهذه من أعظم الاختلافات كأسد وليث وغضنفر وقسورة، والحجازيون يقولون الجوع وتميم تقول السغب والحجاز تقول بُر والعراق تقول حنطة، واختلاف دلالة اللفظ فتميم تعني بالسدفة الظلمة وعند قيس الضوء أي على النقيض، فلما توحدت اللغة باختيار الحرف الشمالي بعد مجئ الإسلام حيث كتب به القرآن حسبت متردفات، ولعله ببدعته الحميدة هذه يضع حجر الأساس في سبيل توحيد لغاتهم ومقاربتها.
سمى فصله الأول الأدب الشعبي وأغراضه عند النوبة، ووضع تحته خمسة عناوين هي محتويات فصله، أولها ضروب التراث المادي واللامادي عند النوبة، وأتى بعدة مفردات تحت هذا العنوان، منها المسرح ثم الخطابة وأدب المنابر والشجاعة والبطولة والنجدة، ثم مارشات السير المنسوبة للنوبة (مندي الميراوي كرري…) وهنا أنا أرى نهجًا جديدًا في تقسيمه لأغراضه كما هو بيِّن، ربما نحاه لظهور أغراض كانت غائبة فيما نعرف من آداب، لأن هذه البدهية لا تفوته. ولما قلبنا الصفحة الأولى وجدنا العنوان التالي (مدخل إلى علم التراث الشعبي)، فيعرفه توطئةً ثم لما يستفرغه نجد العنوان التالي (الأدب الشعبي عند النوبة)، هنا يقرر أن الأدب الشعبي عند سائر قبائل النوبة ذو سمات إفريقية بارزة ما زال يعتمد على الحفظ، ويعدد أنماطه، لكنه يقول إن أهمها الغناء، وذكر أن مجتمعات النوبة لا تعرف شعرًا منفصلًا عن الغناء، وهذه حقيقة لا يعلمها أكثر الناس، ثم استدرك بقوله إلا مؤخرًا، ولعل ذلك يقينًا من التأثر بآداب العربية وشعرها، وقسمه إلى ثلاثة أوجه، الوجه الأول يؤدى بلا إيقاع إلا الإيقاع الداخلي، والوجه الثاني هو الذي يؤدى بإيقاعات فقط، والوجه الثالث ويضم الإيقاع واللحن والغناء معًا.
تحت عنوان (ضروب التراث المادي واللا مادي) وقف على أنواع شتى من فنونهم، فمَّا عده من المادي أنماط ستفاجئُك،لأنك لست واجدًا مثيلها في بيئتك، فمن ذلك ممارسة الفن فوق الأجساد من وشم وتلوين نشهد لهم فيه بالاقتدار، فقد شهدناهم الفرد منهم يلون وجهه بفنية عالية، وتلك الكاتبة الألمانية ليني ريفنسال التي وثقت لنوبة كاو ناروا والمساكين الطوال وصورها التي صورتها الآن تملأ الميديا كانت صورًا في غاية الروعة والجمال، كشفت عن شعب فنان بالفطرة، وهم يظهرون يلونون أجسادهم بالمقر والألوان الطبيعية، أو الجير الأبيض، وهناك خلع القواطع السفلية، وثقب الشفة السفلية، كلها كانت مفاهيم للجمال اندرست، وصارت مما يشنؤ، وحلت مكانها مفاهيم جمالية جديدة.
وذكر ديكور الجير الخاص بالمصارعة والمصارعين، وزينة البيوت وأثاثها كم هي بديعة، ومن تلك الصور العزف على الربابة الذي افتنَّ فيه النوبة، فذكر أسماءها لدى مختلف القبائل، مما يدل على تضلع الكاتب في مختلف لغات النوبة معرفةً، وولج إلى عالم الموسيقى فذكر آلة المزمار، وسمى أخرى تشبه أم كيكي بوترها الواحد، كنت أظن أن هذا الوتر لا يوجد سوى عند أم كيكي وأهلها، فإذا بها أصيلة أيضا عند النوبة، وليس في الأمر استلاف، لكنها هنا يتخذها الأطفال مؤنسًا، والرعاة سلوةً لا سوى ذلك، فليس لرجالنا بها همة، والجيد أنه أتي بصور لآلات الموسيقى التي ذكرها ثم عدد السير والخطب والمواعظ والأحاجي والدراما، وذكر ذاك النمط الشعري الحواري المجادع غير الملحن الذي تكاد تنفرد به المنطقة، إنه (شيلي) كما ينطقه الأما، ولعل المنافرة عند العرب قديمًا أدني إليه شبهًا، ثم أضاف المبارزة بالشعر تنحو نحو المبالغة، وقد تذكرت نقائض جرير والفرزدق وأنا أتوقف عليها، لكن هذه على ما أعرف تكون حضوريًا، لا أن يصطنع الشاعر نقيضة يأتي يقف في ربوة فينشدها أمام الجمع كما كانت تفعل العرب، وذكر أن من فنونهم المطارحة الشعرية النسائية والرجالية، وغناء يسمونه الفارانغ، يغلب أن يكون من شعر المناحات، فإنهم يحتفون بالميت أيما احتفاء، وعَدَّد مما عدد الغناء الاستعراضي وردانق، ويتحدث بمزيد من الفخار عن غناء المسنين والمسنات، فيقول: فهو ديوانهم، وسجل تاريخهم.
وتحت عنوان أهم أغراض الأدب والشعر عند النوبة وضع قائمة أعاد فيها جل ما ذكره من أغراض، وزعم أنها أهم الأغراض غير المتفرعة، فقد كانت مجملة فيما سبق، وهنا يريد الحديث عنها مفردة، والتمثيل لها بالشواهد، فكأنه كان لفها، وأتى لنشرها. وما يدرى أكثر الناس هذا الزخم من الفنون الذي نشره لنا فيرين، فقد وضع عشرين غرضا، فيها مما لا تجده عند غيرهم، لكننا نجد أغراضًا أخرى يمكن أن تدخل في أخرى.
أتى يستعرض الأغراض غرضا غرضا، بدأ بالمسرح وذكر أنه ما كان منظورًا أن يوجد في تلك الجبال مسرحًا، بل ما كان منطقيًا وجود الفكرة في ذاتها، ثم يعلن عن وجود المسرح بالتعريف الحديث والدراما الفلكلورية في ظل ظروفها الأصلية، فهناك الذين عرفوا بخفة دمائهم، وظرافة أرواحهم، يقومون بأدوار درامية، ويشيعون الأفراح في المجالس، فيصنعون البهجة والحبور وشعور الإسناد والمؤازرة والتشجيع في التجمعات الطقسية، والممارسات الأهلية الكامنة وراء التقاليد الدينية القديمة، وعبر الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية كالختان الجماعي والوشم والمصارعة فهناك السبارة الذين يشجعون المصارع ويفومون بأدوار تمثيلية في سبيل مؤازرته، وذكر من المسرح عند النيمانج نمطان، نمط للأطفال في إطار تنشئتهم الاجتماعية لهم، فيأتي الأطفال ويقومون بتأدية أغنية من مصرعين، فئة تؤدي المصراع الأول والأخرى تؤدى الثاني، والمعنى دعوة الأطفال للإتيان بسرعةـ فيأتون ثم يقومون بتأدية أدوارهم، وغالبًا ما تلقى عليهم الأحاجي بطريقة تمثيلية محددة، يقوم المؤدي بمحاكاة السرد الذي يردده وتمطيط صوته ومد عنقه وهكذا، وسمى النوع الثاني مسرح الكبار، ويؤدى في الاحتفالات الدينية والاجتماعية والرياضية والطقوس العمرية، وأنشطتهم الاقتصادية كدقِّ العيش، ثم سمى بعض المسرحيات كمسرحية قطع الطين عند المورو، وهي عبارة عن تمثيل حرب متوهمة بالحراب ضد كائنات شريرة خيالية لا تُرى، يمثلون أنهم يتحاورون معها ويحاججونها ويطعنونها، هذا وصف خلاب لهذه المسرحية يذكرنا زمن الإغريق وآلهتهم ومسارحهم فتأمل، وسمى كذلك عددًا من المسرحيات وأماكن أدائها وأسمائها، ثم تحدث عن مسرحية أديت في كلارا على شرف زيارة وزير الثقافة الأسبق أمين بشير فلين حينها باسم (وسقطت مني حقة التبغ) تعالج معالجة ناقد ظاهرة سف التمباك وآثاره، وقد حلل فيرين المسرحية، والذي لفتنا إليه أن النساء كن يقمن بأدوار الرجال ووظائفهم، ويلبسن أزياءهم كما قال، وكانت هناك جوغة موسيقية مكتملة، خلَّقت خلفية موسيقية رائعة من الآلات التقليدية الموسيقية من مزمار وبورشير وربابة وصيحات وغناء فرائحي وجنائزي وكجرة يكجرون ولا يأبهون بما يجري، والمسرحية يجتمع فيها التمثيل والرقص والغناء، منظر في غاية العبثية موغل في الغرابة، وامرأتان مسنتان تتبارزان حتى الموت تمثلان دور رجلين، فتقع حقة التمباك من إحداهما ويطلب الآخر منه سفة فيعطه إياها ليستمرا في النزال من بعد بلا نهاية
ويقرر فيرين أن أغلب المسرحيات مفتوحة النهايات، وتتعدد المشاهد وتتسلسل متوازية أحيانًا، وفي مسرحياتهم كثيرًا ما يشارك المتفرجون في العرض، ففي حلقات المصارعة مثلا ينفعلون وينزلون الحلقة يصارعون، فهذا نوع من أنواع المشاركة، ويقول فيرين إن المسرح يمتاز بالدهشة والغرائبية من خلال الحوار والشخصيات الخرافية والغرائبية، وتصاميم الزي والزينة، والنص غير المكتوب وإنما يتساهمون في خلقه وإخراجه، والمسرح يفتقر للفواصل، ويقول فيرين إن المسرح نشاط إنساني قديم عرف في المعابد في المدنيات القديمة عند الإغريق والكوشيين وكرمة كتعبير عن الطقوس الدينية القديمة، لذا فليس مستغربًا وجوده في جبال النوبة المتحدرة من تلك الحضارات.
وغرضه الثاني عنونه باسم (أدب التاريخ والسياسة والنضال)، والسياسة عند النوبة ارتبطت بالنضال منذ بواكيرها فلا غرو أن أدخل فيرين كلمة النضال على غرضه هذا، وهنا يرصد أغاني التاريخ السياسي، فحشده وحلله.
نوذجه الأول كان أغنية ملك ضفاف النيل وهي من الأغاني القديمة للغاية، قبل وصول الأما إلى ديارهم الحالية، فهي وثيقة تاريخية تصور حربًا ضروسا بين ملكين أحدهما عرشه على ضفاف النيل والثاني عرشه على سهول شمال كردفان، وأردفها بأغنية لقبيلة فندا عمرها 500 سنة تحكي هجرتهم وسائر الأجانق من النيل وسائر كردفان، وأخرى تمجد السلطان سبا وأخرى للمندل تمجد الأب فليب غبوش حين أتى من المنفى.
وسمى غرضه الثالث الخطابة وأدب المنابر، ونعلم أن الخطابة في العربية تأتي تحت تصنيف مستغل يسمى النثر، لكن اقحام النوبة للأغاني في كل غرض، وحقيقة أن لا شعر لهم إلا مغنىً كما أثبت فيرين جعلت هذا التلاقي، وقد أكد براعة الأما في الخطابة، وهذا الكلام يعد مفهومًا إذا أطللنا على دراسة الأدب المقارن، فالدراسات الأدبية المقارنة الجديدة أبرزت ثلاث مقولات: مقولة أخلاقية: ترى جميع الآداب، والثقافات المختلفة، متساوية في القيمة والعطاء، وترفض مبدئيًا تمييز أدب على أدب، أو سيطرة ثقافة على ثقافة. ومقولة سياسية: تنادي بالانفتاح على الآداب والثقافات المختلفة، وتفهم التراكم الثقافي والأدبي المختزن عبر مسيرة التاريخ الإنساني. ومقولة نقدية وتنظيرية: تقول بوحدة الظاهرة الأدبية على اختلاف فضاءاتها الزمانية والمكانية، واختلاف تشكيلاتها اللغوية، واختلاف حدودها القومية.إن تناول الأدب من منظور المقارنة، يقضى على الغرور الذي يدفع كل شعب إلى الاعتداد بأدبه، والوقوف عند حدوده، واحتقار ما عداه، نظير ذلك أيضا ما كان من الفرنسيين في القرن ال 17 ، تحديدًا سنة 1684 حينما أتى وفد ملك سيام، فأجاد التعبير عما يريد في بلاط لويس ال 14، فاندهش الفرنسيون كيف يستطيع غيرهم الافصاح، مما دفع الكاتب لابرويير إلى أن ينعى عليهم ذلك، ومما قاله “إذا كانت فينا صفات وحشية فهي التي تدفعنا إلى الدهشة من رؤية سوانا من الشعوب يعقل في قوله وحججه مثلنا”. ونظير ذلك أيضا ما نراه في قول البحاثة اللغوي الفرنسي بوهور(1628- 1702) إذ يقول : “إن نطقنا نحن الفرنسيين هو النطق الطبيعي، فلغة الصينيين والآسيويين غثاء، وكلام الألمان صخب وضوضاء، وحديث الإسبان موَّقع، ومنطق الإيطاليين زفير، ولغة الإنجليز صفير، والفرنسيون هم الذين يتكلمون”
ونعود لفيرين بعد أن قدحنا في المقولات التي تهدر قيم الأمم وآدابها فنلفاه ما يزال يتحدث عن مواضع الخطابة ثم تحدث عن بنية الخطبة وتراكيبهم النمطية فيها نحو (يا قوم آبائي) وطفق يعدد نحوًا من عشر عبارات وصيغ نمطية تدرج في مستويات الخطبة، وذكر بعض أسماء الأفعال نحو (أوو) بمعنى أجل… استمر وجرى نحو استنكاه أصلها، ثم أثبت خطبة السلطان عجبنا قبل اعتلائه الموت، ثم أجرى عليه تعليقًا.
الغرض الرابع المنافحة ومارشات السير، مثَّل له بقصيدة ليمان تروة سيد الحرب وقصيدة أخرى عن الشهيد ألدر حماد قدوف، ولا أدري لِمَ لم يجعل أغنية ليمان في الفخر وألدر في الرثا، وما علاقة المنافحة هنا، أما مارشات السير ففي الأمر وجاهة وهناك مارشات أخرى لكن يبدو أنه اكتفى تمثيلًا بما أورد.
الغرض الخامس النجدة وتلبية نداء الإغاثة ومثَّل له بأغنية (مردا كوجي) ثم توقف هنا ليغلق الفصل، وينشئ فصلًا ثانيًا يبدأه بغرض القيم والأمثال، هو غرض طريف، فقد جمع طائفة كبيرة من الأمثال البليغة التي لا نجد لها نظرًا، مما يعني أن للقوم تجربة ونظرة وفلسفة عميقة في الحياة ومن تلك الأمثلة مثل يقول (تذبح للشيطان فيحصبك بالحجارة)!
وسمى غرضه السابع أدب الحرب والثورة وقد أورد فيه طائفة من الأغاني التي تتحدث عن الحروب، من بينها حرب الشرق الأوسط والكرمك وقيسان والجزيرة أبا وهذا كله داخل في الحماسة.
الغرض الثامن الرثاء والمناحات، أورد عددًا من المناحات وأتى بأغانٍ من النيمانج ووالي، الغرض التاسع خصه بالمدح وارتج فيه حينما أدخل رثاء الكبير (كريس) ثم قال هو نفسه: إن أبياتها تصلح لأن تكون مناحة، بقدر ما تصلح لأن تكون مدحًا، وليس في الأمر اجتهاد فالمدح ذكر مناقب الحي، والرثاء ذكر مناقب الميت، فهذا مدح لميت وذاك مدح لحي.
الغرض العاشر الفخر، وفي سياقه أجرى مقاربة لغوية بين مفردات لغة النيما ولغة الأفتي أخرج منها المختلف والمؤتلف في المعنى والنطق في أغنية من أغاني الأفتي.
ثم نأتي للفصل الثالث، فبدأه بغرض الهجاء، فأورد قصيدة لشاعرة هجت نفسها بالقبح حتى أن أعرابيًا رآها ففر وكان عابرًا السبيل، فيما غار الماء من ينابيع منطقة كولا، ذكرتني الشاعرة بالشاعر الحطيئة الذي هجا أباه وأمه ونفسه، لكن هجاء الحطيئة كان بحقه لما اشتمل من دمامة، ولما اشتمل أسرته من وضاعة، وشاعرتنا كان هجاؤها لنفسها عن دُعابة، لما اشتملها من جمال آسر، ولما اشتمل أسرنها من سمو، ثم جاء لغرض الغزل ونوَّه لدخول الأغاني ذات الأشعار المقفاة لتثاقف حدث مع الشعر العربي وما كانت قبل تعرفها النوبة،، ثم غرضٌ للحث على الفضائل وفعل الخيرات ثم حديث عن لغة كرنقو والتحدث عن ظواهرها اللغوية، وهو يمضي يحاول استخراج قواعد كلية للغات جبال النوبة، ينثرها هنا وهناك، كتقريره أن الجملة في كافة لغات جبال النوبة أسمية، وكان غرض الأحاجي ماتعًا للغاية كشف عن قدرات إبداعية عالية.
ثم سمى لسجع المجادعة غرضًا وللألغاز والفوازير، ثم النصوص الدينية ثم أورد أغنية كوير دا تاولي وهي القصيدة المعروفة وتخدم أكثر من غرض
تحدث عن ميزان الشعر عند الأما. وهذه دراسة عروضية وضع فيها بذرة ختم بها عمله المضني هذا لماذا أكتب حتى الآن، لأوفه حقه، ولست بوافيه، إذن فسأصمت.

قاسم نسيم حماد حربة
gasim1969@gmail.com

عن د. قاسم نسيم حماد حربة

شاهد أيضاً

يوغندا، مشاهد ومواقف نقتدي بها

د. قاسم نسيمgasim1969@gmail.com كثيرون خرجوا من ديارهم ساعتئذ، لأول الهول، وما يدرون أين ستستقر بهم …