كفى استهتارا بمشروع الجزيرة: أتزرعون التمباك في أرضه بعد أن أشبعتموه تدميرا؟

مختار العوض موسى

في الوقت الذي يتلمس فيه السودان الخطى لاستعادة عافيته بعد سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، تبرز قضايا تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها جوهرية تحمل في باطنها خطراً كبيراً على مستقبل البلاد الزراعي؛ ومن بين هذه القضايا التي برزت مؤخرا توجه لزراعة نبتة التمباك في بعض القرى داخل مشروع الجزيرة، ومنها قرية أم وزين، وهو أمر يستدعي التوقف عنده بجدية ومسؤولية.

فالمشروع الذي واجه تدميرا ممنهجا مع سبق الاصرار والترصد، ليس مجرد مساحة زراعية عادية؛ بل كان أحد أعمدة الاقتصاد السوداني التاريخية، وأحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في أفريقيا؛ وقد قامت فلسفته منذ نشأته على الدورة الزراعية المنظمة التي تحفظ خصوبة التربة وتوازنها، وتضمن إنتاج محاصيل استراتيجية مثل القطن والقمح والذرة وغيرها؛ غير أن إدخال محاصيل خارج هذه المنظومة، وعلى رأسها التمباك، يهدد هذا التوازن الدقيق.

ومن الأمور البديهية أن التمباك له قدرة كبيرة على استنزاف عناصر التربة، خصوصاً النيتروجين والبوتاسيوم، وهي عناصر أساسية للحفاظ على خصوبة الأرض؛ كما أن زراعة التمباك تتطلب استخدام مبيدات حشرية وأسمدة كيميائية بتركيزات عالية جداً تتسبب في تلوث مياه الري والقتل التدريجي للكائنات الحية الدقيقة في التربة، مما يدمر حيويتها .
كما تؤدي ممارسات زراعة التمباك وتجفيفه في الأراضي الزراعية إلى تماسك الطبقة السطحية للتربة وفقدان قدرتها على امتصاص الماء بشكل طبيعي، مما يحول مساحات شاسعة بمرور الوقت إلى أراضٍ “صلدة” يصعب حرثها أو زراعتها بمحاصيل أخرى.
يضاف إلى ذلك أن التوسع في زراعة التمباك يقلص المساحات المخصصة لإنتاج الغذاء، مما يفاقم من أزمة الغذاء في ظل الظروف الحالية التي يمر بها السودان، كما يشجع على نمو اقتصاد غير رسمي يضر بالهيكلية المؤسسية لمشروع الجزيرة.
ولا يقف الخطر عند حدود التربة فقط؛ فزراعة التمباك داخل بيئة زراعية كبيرة مثل الجزيرة تعني أيضاً تحويل جزء من الأرض المنتجة للغذاء إلى محصول استهلاكي ضار؛ ففي بلد يعاني من تحديات الأمن الغذائي، يصبح من غير المنطقي أن تتقلص المساحات المزروعة بالقمح أو الذرة لصالح محصول يرتبط أساساً بعادة صحية خطيرة.
فالتمباك في السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بانتشار أمراض خطيرة، وعلى رأسها سرطان الفم واللثة، وهو من أكثر الأمراض شيوعاً في البلاد؛ وبالتالي فإن التوسع في زراعته لا يعني فقط استنزاف الأرض، بل قد يعني أيضاً تغذية دائرة المرض والمعاناة الصحية في المجتمع.
باختصار، زراعة التمباك في مشروع الجزيرة ليست مجرد نشاط زراعي، بل هي تدمير ممنهج للأصول الطينية التي استغرقت عقوداً لتتكون، مما يهدد مستقبل الزراعة في المنطقة برمتها.
وعندما تُزرع هذه النبتة بصورة متكررة في نفس الأرض، فإنها تترك خلفها تربة منهكة، تحتاج سنوات طويلة لاستعادة قدرتها الإنتاجية. وهذا يعني أن المكسب السريع الذي قد يجنيه بعض المزارعين اليوم، قد يتحول إلى خسارة طويلة المدى للأرض نفسها.
أرض المشروع ليست ملكاً لجيل واحد، بل هي ميراث أجيال متعاقبة؛ ومن هنا يصبح السؤال الأخلاقي قبل الزراعي: هل يحق لجيل اليوم أن يستهلك خصوبة الأرض إلى حد الإضرار بمستقبل الأجيال القادمة؟

ولعل الخطر الأكبر يكمن في أن هذه الظاهرة قد تبدأ صغيرة، في قرية هنا أو مزرعة هناك، لكنها إذا تُركت بلا تنظيم أو رقابة قد تتحول مع الوقت إلى واقع يصعب تغييره. والتجارب الزراعية في العالم تؤكد أن تدهور الأرض يبدأ غالباً بقرارات صغيرة غير محسوبة.

إن حماية المشروع ليست مسؤولية المزارعين وحدهم، بل هي مسؤولية الدولة والمجتمع معاً؛ فأرضه الزراعية تمثل ثروة قومية لا تقل أهمية عن النفط أو المعادن، بل ربما تفوقها قيمة لأنها مصدر الغذاء والاستقرار الاقتصادي.
ومن هنا يصبح من الضروري أن تتحرك الجهات المختصة لوضع ضوابط واضحة تمنع التوسع في زراعة التمباك داخل المشروع، وأن تعمل في الوقت نفسه على توعية المزارعين بخطورة هذا المحصول على التربة وعلى صحة المجتمع.
فالسودان الذي وشك الخروج من أتون الحرب يحتاج اليوم إلى إعادة بناء الإنسان والأرض معاً. وإذا كانت المعارك قد دمرت بعض المدن، فإن الإهمال الزراعي قد يدمر أخطر من ذلك: قدرة البلاد على إطعام نفسها.
إن الحفاظ على أرض الجزيرة هو في جوهره حفاظ على مستقبل السودان نفسه. فالأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل تُحمى أيضاً بحماية ترابها من كل ما يهدد خصوبته وحياته.

كفى استهتارا بمشروع الجزيرة: أتزرعون التمباك في أرضه بعد أن أشبعتموه تدميرا؟

abdu.mokhtar455@gmail.com

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

في زمن الأزمات… كيف تحولت تاركو للطيران إلى جسر لإنقاذ الأرواح؟

مختار العوض موسى في أزمنة الاستقرار، تُقاس الشركات بقدرتها على النجاح الاقتصادي وتوسيع أعمالها. لكن …