في البلدان الطبيعية يخرج رئيس الوزراء ليشرح للناس كيف سيحل الأزمة. أما في السودان وفي أحد أكثر مشاهد العبث اكتمالاً يخرج رئيس الوزراء إلى محطة وقود ليقنع الناس بأن الأزمة غير موجودة أصلاً. يقف الرجل متكئا على عصاه يلتف حوله المصفقون والمكبرون، بينما تمتد خلفه طوابير السيارات كأفعى طويلة من التعب والانتظار واليأس. يقف عامل المحطة ليُخرج مقياس الوقود من الخزان ويعرضه على الحاضرين وكأن الدولة كلها اختزلت فجأة في عصا ومقياس وقود ومجموعة من المكبرين.
كان المشهد من فرط عبثيته أقرب إلى عرض مسرحي رديء منه إلى إدارة شؤون بلد يحترق بالحرب والأزمات. فالناس الذين أمضوا ساعات تحت الشمس بحثًا عن لتر وقود لا يحتاجون إلى مقياس يلوح به أمامهم ولكن يحتاجون إلى وقود. والمواطن الذي يلاحق الأسعار وهي ترتفع كل صباح لا ينتظر محاضرة عن المؤامرات ولكن يبحث عن حياة يمكن احتمالها.
هذه هي المعضلة الكبرى في سودان المحرب والخراب والفساد، السلطة لا تعالج الأزمة ولكن تنكرها. لا تواجه الواقع ولكن تدخل في نقاش مع الواقع نفسه محاولة إقناعه بأنه غير موجود.
وكانت المفارقة أكثر قسوة حين بثت القناة التي بثت مشهد رئيس الوزراء مسهد الطوابير وشهادات المواطنين عن انعدام الوقود وارتفاع أسعاره. صورة تقول شيئًا والواقع يقول شيئًا آخر. الحكومة تتحدث عن الوفرة والناس تتحدث عن المعاناة. المسؤولون يرون الاستقرار،والمواطن يرى الانهيار من نافذة منزله ومن فاتورة طعامه ومن تكلفة انتقاله ومن سعر رغيفه.
وكأن البلاد أصبحت تعيش انقسامًا غريبًا بين سودانين، سودان رسمي يسكن الخطب والتصريحات والمؤتمرات وسودان حقيقي يسكن الأسواق والطرقات ومحطات الوقود والمنازل التي يأكلها الفقر والحرب.
أما أولئك الذين أحاطوا برئيس الوزراء ورفعوا أصابعهم وكبروا بحرارة فقد قدموا بدورهم فصلا إضافيًا من فصول الكوميديا السوداء. فما إن رُفع مقياس الوقود حتى ارتفعت معه الهتافات والتكبيرات حتى خُيل للمشاهد أن فتحا تاريخيً قد تحقق أو أن معركة مصيرية قد حسمت.
ولكن ليس في الأمر ما يثير الاستغراب فالتصفيق في السودان الرسمي لم يعد يحتاج إلى إنجاز. يكفي أن يقف مسؤول ويتحدث بثقة عن عكس ما يراه الناس بأعينهم حتى يجد من يصفق ويكبر ويهتف. لقد تحولت الحاشية في كثير من الأحيان إلى مؤسسة مستقلة لإنتاج الوهم وتوزيعه بالجملة على الرأي العام.
أما التكبير الذي ارتبط في وجدان المسلمين بقيم الحق والعدل والانتصار للمظلوم، تعرض خلال سنوات طويلة لتشويه مؤسف على يد من جعلوه موسيقى خلفية للمآسي. فأصبح التكبير يسمع عند تبرير الأخطاء وعند صناعة الأكاذيب وعند تسويق الفشل حتى صار كثيرون يربطون بينه وبين المشاهد التي كان يفترض أن يكون أول المحتجين عليها.
وفي قلب هذا المشهد يقف رئيس الوزراء كأنما هبط من زمن آخر. رجل يبدو في كثير من إطلالاته منفصلًا عن الكارثة التي تحيط به. لا يشعر بثقل المنصب ولا بهول المرحلة ولا بغضب الناس. يتحرك بخطو معوج لا يليق بدولة مثقلة بالدمار. يتحدث بطمأنينة لا تتناسب مع وطن ينزف من كل أطرافه. ولعل المأساة الحقيقية ليست في أنه لا يعرف ولكن المأساة الحقيقية في أنه لا يدرك أنه لا يعرف. وهذه من أخطر مراحل الانهيار التي يمكن أن تمر بها الأمم، عندما يصبح الجهل بالواقع مصحوبًا بيقين كامل بفهم الواقع.
سيجلس المؤرخون يومًا ما أمام هذه الحقبة ويتساءلون، كيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى من العبث؟ كيف أصبحت الكارثة تدار كأنها حملة علاقات عامة؟ وكيف تحولت المأساة الوطنية إلى سلسلة من المشاهد الكاريكاتورية المتعاقبة؟
سيكتبون عن زمن سقطت فيه المعايير كلها دفعة واحدة. سقطت الكفاءة وتقدمت الولاءات. سقطت الحقيقة وتقدمت الدعاية. سقطت المسؤولية وتقدمت الوقاحة السياسية. وسقط الوطن بين أيدي الذين كانوا يتعاملون معه باعتباره غنيمة لا أمانة.
وفي هذا المسرح الكبير تتوالى المفارقات بلا نهاية. تفرش السجادات الحمراء وتعد مراسم الاستقبال الفخمة لبعض القونات ومشاهير مناصري ومناصرات الحرب وتوفر لذلك الأموال بينما تُرك المستشفيات بلا دواء والمواطنون بلا خدمات أساسية. تتحرك الكاميرات بكل وقاحة حيث توجد اللقطة المناسبة لا حيث توجد المأساة الحقيقية.
وحين تظهر اتهامات خطيرة أو أسئلة محرجة تتعلق بالحرب ونتائجها وانعكاساتها لا يبحث بعض المناصرين عن الحقيقة ولكن يتسابقون لإنتاج عروض إعلامية هزلية لا تدافع عن السلطة بقدر ما تفضح عجزها. فتتحول الوقائع الجسيمة إلى مادة للإنكار والسخرية الرديئة والمراوغة.
وفي مشهد آخر من مشاهد الكوميديا يخرج وزير المالية بابتسامته الشهيرة والتي تذكرنا بزمن نحاول نسيانه ما استطعنا، يخرج ليخبر الناس بأن الاقتصاد بخير وأن التعافي قادم. يتحدث عن الأمل فيما تتحدث الأرقام عن الانهيار. يتحدث عن التحسن فيما تتحدث الأسواق عن الغلاء. يتحدث عن المستقبل فيما يعجز المواطن عن تدبير يومه الحاضر. فالجنيه يتراجع والأسعار تقفز والمعاناة تتضاعف ولكن الخطاب الرسمي يواصل حياته الخاصة في عالم لا علاقة له بما يعيشه الناس.
والأدهى أن أحدا لا يبدو مستعدا للاعتراف بالفشل. فالاعتراف بالحقيقة أصبح جريمة سياسية بينما أصبح الإصرار على الوهم فأصبح فضيلة وطنية.
إنه زمن عجيب حقًا، زمن يصبح فيه المسؤول شاهدا على الكارثة ثم ينكر وجودها وزمن يصبح فيه الفشل سياسة عامة لا حادثة عابرة وزمن تدار فيه الدولة بعقلية تاجر دكان الحلة بينما يطلب من الشعب أن يدفع فاتورة الفشل والسقوط والخراب كاملة.
إنه زمن لا يكتفي فيه العسكر بإرهاق الناس بالحرب ولا تكتفي السلطة بإرهاقهم بالمعيشة،بل يضاف إلى ذلك عبء متابعة هذا الاستعراض المتواصل من الأخطاء والوجوه التي تحولت إلى رموز للأزمة نفسها.
ولهذا ربما لن يذكر التاريخ هذه المرحلة باعتبارها فقط مرحلة حرب أو انهيار اقتصادي ولكن سيذكرها أيضًا باعتبارها العصر الذهبي للكوميديا السوداء السودانية، ذلك الزمن الذي كانت فيه المأساة حقيقية إلى درجة أن السخرية أصبحت الوسيلة الوحيدة لوصفها.
أما إذا أراد أحد أن يبحث عن رمز لهذه المرحلة فلن يجد أفضل من ذلك المشهد لرئيس وزراء يلوح بعصاه فوق مقياس وقود وحاشية تكبر وطوابير سيارات تمتد إلى الأفق وشعب يبحث عن أبسط مقومات الحياة. صورة صغيرة تختصر دولة كاملة أصبحت فيها الدعاية أهم من الحقيقة والمشهد أهم من الإنجاز، والصوت أعلى من المعنى.
لقد تحول الحكم إلى ما يشبه فرقة مسرحية تجوب خشبة وطن محترق يؤدي أبطالها أدوارهم بإتقان مدهش إلا أن المشكلة الوحيدة أن الجمهور جائع والمسرح يحترق وسقف قاعة العرض يتهاوى فوق رؤوس الجميع.
وقد يسأل المؤرخون بعد عقود كيف انهارت دولة بهذا الشكل؟ وكيف قبل الناس بكل هذا العبث؟ لكن السؤال الأهم ربما سيكون: كيف استطاع هؤلاء المسؤولون أن يواصلوا أداء أدوارهم بثقة كاملة بينما كانت البلاد تتفكك من حولهم قطعةً قطعة؟
سيكتب عن هذه الحقبة أنها لم تكن زمن أخطاء سياسية فحسب ولكن كانت زمن انتصار الوهم على الواقع. زمن أصبحت فيه الأزمة تعالج بالخطابات والمجاعة بالإحصاءات وانهيار الاقتصاد بالابتسامات وانعدام الوقود بعرض مقياس الوقود أمام الكاميرات.
وهكذا يستمر العرض حتى اللحظة الأخيرة. الممثلون أنفسهم فوق الخشبة والنص نفسه، والأخطاء نفسها والتكبير نفسه.
إنه ليس مجرد زمن للنسيان كما يقول بعض معلقي الكرة ولكم هو زمن يخجل النسيان نفسه من الاقتراب منه، لأن بعض الكوارث تكون من الفداحة بحيث تتحول إلى وصمة في ذاكرة الأمم وعبرة للأجيال عن الكيفية التي يمكن أن يسقط بها وطن كامل عندما يتولى إدارة أزماته أناس لا يرون الحريق إلا إذا ظهر لهم في تقرير ولا يعترفون بالمأساة إلا بعد أن تصبح تاريخاً.
حقًا، إنه زمن للنسيان… لكن من فرط قسوته وعبثه قد يكون من أكثر الأزمنة التي يستحيل نسيانها.
الله المسنعان
عبدالله جعفر
