osmanmsalih@hotmail.com
هو من غمار الناس في بلدته طابت الشيخ عبد المحمود ود نور الدايم. أمضى فيها حياة قصيرة مضطربة. عاش محبوباً لكن الجنجويد الذين احتلوا بلدته ختموا حياته بأربع رصاصات أطلقوها عليه في يوم الاربعاء الموافق 11 ديسمبر 2024
تحوم في خاطري صورة لكِيرو نشرها نعاته في الأسافير يتوسَّط إطارها وحيداً بلا انيس في بقعة شحيحة الضوء غارقة في الظلال، بسحنة داكنة الخضرة ووجه مائل إلى اليسار قليلاً لاتلفت ملامحه العادية الانتباه باستثناء شفتين مزمومتين بإحكام كمالو انه مضرب عن الكلام، وعينين وادعتين طبع الحزن عليهما ميسمه. يبين في الصورة شاربه الغزير وسواد شعره الناعم غير المصفَّف. كان مرتدياً قميصاً بيجي اللون، واسع الياقة يبرز منه عنق بادي النحول.
ظل كيرو قائماً في طابت راسخاً متجذراً فيها كمعلم من معالمها البارزة، شأنه شأن المسجد والمسيد والضريح. تجد كفَّه ممدودة للعون وضراعه مشمَّرة للعمل الشاق. حين يموت أحدهم في طابت يكون كِيرو من حافري القبر. وتلقاه مُعِيناً في الأفراح والمآتم. وإذا صادفك في عرصات البلدة، ووجدك مثقلاً بالأعباء، حمل عنك الأعباء ثم مضي في حال سبيله دون أن يقول لك الكثير، لكن ملامح وجهه
الناضحة بالبشر تفصح عما يعجز لسانه عن النطق به. سيخبرك الوجه بأن صاحبه فرح برفع الحمل عنك. وفرحة كيرو حقيقية غير مفتعلة، مكتومة ينطق بها بريق العيون لم يكن أخرس اللسان، ولكن مقلاً في الكلام ، يضطرب قليلا هو يلفظ الكلمات. تحول بينه وبين البيان ربما حساسية مفرطة تنهض بينه وبين العالم كسد منيع، كجبل شاهق وعر المسالك عسير المراقي، وهي التي تعقد لسانه وتجعله عاجزاً عن إيصال المعاني التي تصطخب في صدره الَّا بعد جهد جهيد.
تبدَّلت حياة الناس في طابت بعد دخول الجنجويد. وفقدوا حرية الحركة وصاروا كالسجناء في دورهم يطوقهم القتلة والشفشافة من كافة الاتجاهات. واصبح اختطاف الجنجويد للاهالي وطلب الفدية من ذويهم امراً عاديا. وقد عانى كِيرو مثل غيره من هذا التقييد والتضييق الذي مارسه الجنجويد الذين استباحوا البلدة الصوفية وصاروا يبيعون المخدرات علانية في الطرقات. بسلامة الفطرة عنده، اختار كِيرو منذ البداية الوقوف على الضفة المقابلة لضفة الجنجويد الذين عذبوا أهل طابت وشفشفوهم وروَّعوهم ببربريتهم وأسلحتهم الثقيلة، وزمجرة عرباتهم القتالية المدججة بالمدافع الموجهة نحو صدور العزَّل الموصومين بصفتي فلول وكيزان.
طوال فترة الاحتلال الجنجويدي لطابت عمل كِيرو مافي وسعه لتجنب الدخول في صدام مع أولئك الدخلاء المتحرشين الذين غصَّت بهم شوارع طابت وسوقها.
قتله الدعامة في سوق طابت نهاراً جهاراً والناس يبيعون ويشترون. قتلوه مثلما يقتل الانسان ذبابة. قتلوه خارج القانون. قتلوه بلاسبب. قتلوه لأنه أبى أن يسلبوه ما معه من جنيهات قلائل. قتلوه هكذا رغبة في سفك الدماء. وليس هذا بالمستغرب في سلوك الجنجويد أينما حلُّوا، فقتل الناس بلاسبب سنة عندهم. يقتلون للسلب والترويع والتسلية والتدرب على القنص وتجويد القدرة على إصابة الهدف، وكذلك للتباهي. فالجنجويد لا يخجلون مما يقترفونه من الكبائر والموبقات وعلى رأسها سفك الدماء والاغتصاب والنهب واستعباد البشر وسبي النساء. كل هذه الجرائم مُحلَّلة عند الجنجويد من أجلها جاءوا كغزاة من بعيد. وهي عندهم من صفات الرجولة والفروسية يفاخرون بها ويضحكون، يفعلونها ببساطة ويسرفون في القتل والاغتصاب والتعذيب وهم يصورون مايفعلونه بكاميرات هواتفهم وينشرون تلك الأفلام على الإنترنت دون أن يرمش لهم جفن وذلك لإثارة الرعب في النفوس فيمن لايعرفهم. هي رسائل مصوَّرة تقطر منها الدماء، يبعثها معتلون بيستهدفون بها آخرين ينوون الإغارة عليهم. الجنجويد يحيون بالسيف ولايردعهم إلَّا السيف، سيف الجيش والمقاومة الشعبية المسلحة.
جاء كِيرو إلى سوق طابت في ذلك اليوم المشهود، فصادفته جماعة من الجنجويد تحرَّشت به وتنازعت معه بسبب جنيهات كانت بحوزته. يبدو أن الجنجويد لم يكونوا يطيقون كِيرو. فمن المعروف عن الجنجويد أنهم يحتقرون المعاقين والمرضى والضعفاء ولايرحمونهم. كقطيع من الضباع طوَّق الجنجويد كِيرو ليرهبوه ويسلبوه مامعه من مال فخشي على نفسه منهم وحاول الهرب، لكنهم أطلقوا عليه الرصاص من الخلف وأردوه قتيلاً. ولما سُئلوا عما فعلوا أجابوا ببرود أنَّه من الفلول. فتيقَّن الناس عندها من أنَّ الجنجويد من سلالة جهنم.
بعد نحو ثلاثة أشهر من مقتل كِيرو تحررت طابت من قهر الجنجويد. دخلها الجيش والمستنفرين وطردوا الغزاة.
عاش كيرو في طابت عزيز النفس عفيفاً طاهر الأردان. موسومة بالشقاء حياته لكنها كانت عامرة بأعمال الخير ولهذا أحبَّه الناس وأبغضه الجنجويد الذين لم يحتملوا وجوده معهم في هذه الدنيا. اتفق جماعة من محبيه في طابت على ابتدار حملة تبرعات لتزويجه من فتاة طيبة تكون له سكناً وسنداً لكن اجتياح الجنجويد لطابت وأد هذا المشروع.
نعاه الكثيرون شعراً. ومنه:
طار الحمام حزنان
قفَّل مسارب الضي
إذا كان لحي العمال في كسلا أبَّيَنه المسكين الذي مات نتيجة لحرمانه من نعمة الحرية في ذات الحي الذي عاش فيه وأحبَّه. فإنّ لطابت الشيخ عبد المحمود ود نور الدايم أيضاً ابنها الصالح المبروك. اسمه محمد عبد الرحمن، لكن البلدة لم يكن يحلو لها الَّا مناداته بكيرو.. تعال يا كيرو، أمشي يا كيرو، نادي فلان يا كيرو، نمشي المقابر نحفر ياكيرو، جيب لينا الشي الفلاني من الدكان ياكيرو. ودي صينية العشا للضيفان في الصيوان ياكيرو. يا ود طابت، يابن السودان البار
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم