كيزان السودان….إقصاء أرباب الإقصاء

khirawi@hotmail.com

علاء خيراوي
حين تتلبد سماء الأوطان بالظلم لعشرات السنوات، وتتعفن مؤسسات الدولة في قبضة الطغيان، وتُستباح دماء الشعوب على مذبح السلطة، يصبح الإقصاء فعلَ خلاص لا ترفًا سياسيًا. فالتاريخ يعلمنا أن الاستبداد لا يُهزم بنصف ثورة ولا يُكسر بالتسويات الهشة، بل يُستأصل من جذوره حتى لا يعاود الانبعاث في ثياب جديدة.

إنّ الذين يظنون أن كيزان السودان يمكن أن يعودوا شركاء في أي مشروع سياسي قادم يتجاهلون دروس التاريخ وحكمة اللحظة، ويتناسون أن من أشعل الحروب لا يُستأمن على صناعة السلام، وأن من أفسد لأكثر من ثلاثين عامًا لا يصلح أن يكون جزءًا من أي إصلاح.

فالأمم التي عرفت طريقها إلى النهوض لم تبلغ تلك العتبة المصيرية إلا بعد أن حسمت معركتها الكبرى مع الطغيان، فأقصت أربابه، وطهرت ساحتها من رجسهم، ودفعتهم إلى هامش التاريخ لا إلى قلبه.

إنّها معركة لا تشبه نزوة عابرة أو رغبة في الانتقام، بل هي قانون من قوانين العمران السياسي والاجتماعي؛ أن لا يُترك للمستبدين الذين سفكوا الدماء، ودمّروا المؤسسات، وأحالوا الأوطان رمادًا، أن يعودوا متنكرين في ثياب جديدة. ومن هنا فإن قضية إقصاء الكيزان في السودان اليوم ليست خيارًا سياسياً يخضع للمساومة، بل ضرورة تاريخية تمليها التجربة وتؤكدها الدروس المتراكمة من مسيرة الشعوب.
فالدعوة الي إقصائهم ليست هاجسًا انتقاميًا ولا عاطفةً عابرة تدفعنا إلى القول؛ إنّ إقصاء أرباب الإقصاء من مصاف الحكم ضرورة وطنية لا تفاوض فيها. من حكم السودان ثلاثين عاماً بمنطق الإقصاء والولاء، ومن أدار شبكات فسادٍ وسيطرةٍ موازية للدولة، ومن ساهمت سياساته في إشعال حروبٍ ومآسي إنسانية، لا يجوز أن يُترك له مكانٌ في رعاية مستقبل الأمة.

هذا الموقف ليس اختراعًا محليًا بل دعمته مواقف دولية واضحة اعتبرت أن لا حلّ لسلامٍ حقيقيٍّ في غياب ضوابط تمنع عودة جهاتٍ أثبتت عجزها عن حكمٍ عادل ومسؤول؛ إذ قدَّمت الرباعية الدولية خارطة طريق تُشترط عدم إشراك من كانوا جزءًا من آليات التمكين والإقصاء في حكم ما بعد الحرب.

فالتاريخ مليء بالدروس التي تثبت أن الإقصاء كان في كل مرة مدخلًا لبناء جديد. ففي ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن اجتثاث النازية خيارًا بل ضرورة، إذ حُظرت الأحزاب النازية، وأُقصيت قياداتها، وقُدّم قادتها إلى محاكمات نورمبرغ، فكان ذلك حجر الأساس لنهضة ألمانيا الديمقراطية. وفي إيطاليا، أُقصيت الفاشية كليًا بعد سقوط موسوليني، ولم يكن ممكنًا بناء جمهورية جديدة إلا بتحريم الحزب الفاشي وتجريم رموزه.

وفي اليابان كذلك، بعد الهزيمة في الحرب، فُككت البنية العسكرية الإمبراطورية، وأُقصي المتورطون في جرائم الحرب، مما فتح الباب أمام دستور جديد ودولة مدنية حديثة. وفي أمريكا اللاتينية، حين انهارت الدكتاتوريات العسكرية في الأرجنتين وتشيلي والبرازيل، لم يكن الانتقال ممكنًا دون إقصاء قادة الانقلابات ومحاسبة المتورطين في جرائم القتل والتعذيب، فتم حظر عودة الجنرالات الذين ارتكبوا المذابح إلى المشهد السياسي.

وفي رواندا بعد إبادة ١٩٩٤، جرى إقصاء قوى الهوتو المتطرفة من الدولة، وأُنشئت محاكم الغاتشاكا الشعبية إلى جانب العدالة الدولية لإغلاق الباب أمام تكرار المأساة. حتى في أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين، سارت دول كالتشيك وبولندا والمجر في طريق “اجتثاث الشيوعية” عبر قوانين العزل السياسي، التي منعت قادة الأحزاب الشيوعية والأجهزة الأمنية القديمة من تولي المناصب العامة. وفي إسبانيا بعد نهاية حكم فرانكو، جرى تفكيك البنية الفاشية للنظام عبر إصلاحات دستورية وإقصاء رموز القمع. وفي جنوب أفريقيا، رغم أن النموذج أخذ مسار “لجنة الحقيقة والمصالحة”، إلا أن نظام الفصل العنصري ذاته تم تفكيكه جذريًا، ولم يُسمح لأحزابه العنصرية بالاستمرار.

أما في العالم العربي، فالعراق بعد سقوط صدام حسين مثّل مثالًا بارزًا لاجتثاث حزب البعث، ورغم ما شاب التجربة من أخطاء، إلا أنها كانت انعكاسًا لمبدأ أن الأحزاب التي ارتكبت جرائم واسعة النطاق لا يمكن أن تُمنح فرصة ثانية للسيطرة على الدولة. وفي تونس بعد ثورة ٢٠١١، ورغم تعقيدات الانتقال، صدرت قوانين للعزل السياسي ضد رموز نظام بن علي لمنع إعادة إنتاج الاستبداد.

هذه التجارب جميعًا، من ألمانيا واليابان إلى رواندا وجنوب أفريقيا والعراق وأمريكا اللاتينية، تؤكد أن إقصاء المجرمين وأحزابهم ليس نزوة ولا انتقامًا، بل قانونًا من قوانين التاريخ؛ لا مستقبل بلا محاسبة، ولا ديمقراطية بلا عزل من أجرموا بحق شعوبهم.

ومن هنا فإن ما ينتظره السودان اليوم لا ينفصل عن تلك التجارب، بل يندرج في السياق ذاته. فالكيزان الذين حكموا البلاد لأكثر من ثلاثين عامًا بالحديد والنار، صادروا الدولة، أذلوا المجتمع، أشعلوا الحروب في كل أطراف الوطن، ثم تواطؤوا في إشعال الحرب الأخيرة التي دمرت الخرطوم وأحرقت حاضر السودان ومستقبله، ليس لهم مكان في مشروع البناء القادم. إن السماح لهم بالعودة، تحت أي مسمى أو شعار، لا يعني إلا إعادة إنتاج نفس الدائرة الجهنمية التي دفعت الشعب إلى الثورة، ثم إلى الحرب.

وليس أدل على هذا الموقف من البيان الأخير الصادر عن المجموعة الرباعية، التي ضمت الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، والذي شدد بوضوح على أن لا مستقبل لأي تسوية سياسية في السودان إذا كان الإسلاميون جزءًا منها. إن هذا الموقف الدولي الحاسم لا يعكس نزعة انتقائية ولا استهدافًا لدين بعينه، بل إدراكًا راسخًا بأن من كان جزءًا من الأزمة لا يمكن أن يكون طرفًا في الحل.

لقد خبر العالم كله أساليب الإسلاميين في هدم المؤسسات وإشعال الفتن وتوظيف الدين في خدمة السلطة، وهو ما جعل المجتمع الدولي يتعامل معهم اليوم بوصفهم جزءًا من المشكلة لا من الحل.

ولمن يظن جهلاً أن إقصاء هؤلاء هو حرب على الدين، نقول إن التاريخ يبرهن أن الأديان لم تكن يومًا مرادفًا للاستبداد ولا غطاءً للجرائم. النازية لم تكن المسيحية، والفاشية لم تكن الكاثوليكية، والشيوعية لم تكن الإلحاد، بل كانت جميعها انحرافات سياسية اتخذت من الشعارات وسيلة للبطش والهيمنة. وكذلك الإسلام السياسي في السودان لم يكن الإسلام، بل كان مشروعًا سلطويًا دنيويًا لبس عباءة الدين ليستغل مشاعر الناس، ويحوّل الدين من رسالة للعدل والرحمة إلى أداة للقتل والنهب. إن الإقصاء هنا ليس إقصاءً للإسلام، بل تحريرًا له من مختطفيه، وحماية له من أولئك الذين لوثوا اسمه بجرائمهم.

أما من يرمي بهذه المطالبة في سلة الحرب على الدين تجارة به واحتماء خلف لافتاته لخداع البسطاء من الناس، فلن ينقذه إنكار الواقع؛ الجرائم المبلغ عنها والقتل المتعمّد والجرائم ضد المدنيين وعمليات النهب لا تُطوى بأقوالٍ حول “النيّة الدينية”. تقارير حقوقية دولية وصنّاع قرار أكّدوا ممارساتٍ أدّت إلى كارثة إنسانية ويتطلب ردّها إجراءات واضحة من محاسبة وتجميد أصول ومساءلة جنائية لمن تثبت إدانتهم، إجراءات لا تُقاس بتصريحات بل بالتحركات القانونية والدبلوماسية والاقتصادية.

العدالة الانتقالية لا تساوي العفو اللامشروط ولا التهاون السياسي؛ بل هي منظومة من الأدوات؛ تحقيقات شفافة، محاكمات عادلة أو آليات قضائية ملائمة، استرداد أموال عامة، تغييرات مؤسسية تمنع تكرار الهيمنة الحزبية على الأجهزة الأمنية والإدارية. لو أردنا حماية المدنيين وإعادة بناء دولة وظيفية، فعلٌ واحد لابد منه: استبعاد أولئك الذين حولوا الدولة إلى غنيمة، إلى أن تثبت جهاتهم التزامًا لا لبس فيه بقواعد اللعبة الديمقراطية والمحاسبة القانونية.

ونعود للقول، ان التاريخ يعلّم أن السماح للفاعلين السياسيين الذين أذلّوا الشعب بالعودة إلى المشهد بلا مساءلة هو دعوة مفتوحة للانقلاب على الفعل المدني نفسه؛ ومن لا يفهم ذلك يساهم بلا وعي في إعادة إنتاج الموت السياسي والاقتصادي. لذلك، ليس مطلب الحاضر مجرد شعارٍ أو رغبة شعبوية؛ هو شرط بقاء للوطن، وشرط لوقف نزيفٍ إنسانيٍّ يتسع يومًا بعد يوم، وله داعمون دوليون وإقليمون عندما يُقدَّم كخارطة إصلاح ومحاسبة واضحة.

لنقلها بوضوح يخلو من التبرير؛ إقصاؤهم سيظلّ وسيلةً شرعية ومؤقتة ومؤسسية لحماية الانتقال، لا عقابًا أبديًا لأتباع الدين أو المؤمنين. ونقطة الانطلاق عملية إصدار قوانين عزل سياسي واضحة دستورياً، تكثيف المساءلة الجنائية، تجميد واسترداد الأصول المنهوبة، وإصلاح أجهزة الأمن والقضاء تحت إشراف مدني موضوعي دولي ومحلي. هذه شروط تحققها العدالة ولا تقوض الديمقراطية، بل تؤسس لها.

هكذا، فإن معركة إقصاء الإخوان من المشهد السوداني هي لحظة فاصلة بين ماضٍ مثقل بالدماء والخراب، ومستقبل يتطلع إلى بناء دولة عادلة حديثة، دولة تتسع للجميع ما عدا الذين أفسدوها وأغرقوها في دماء أهلها. إنها ليست دعوة للانتقام، بل للعدالة؛ ليست نزوة طارئة، بل سنة من سنن التاريخ؛ ليست حربًا على الدين، بل حربًا على من اتخذوا الدين مطية للسلطة. ومن لا يفهم هذا الدرس سيظل أسيرًا لوهم المصالحة مع جلاديه، في حين أن الطريق إلى الحرية لا يُعبد إلا بإقصاء أرباب الإقصاء.

(العنوان مستمد من مقال لمايكل غاسبر ويسري محمد نشر في مجلة كاونتر بنش، قمت بترجمته ونشرته في صحيفتي سودانايل والراكوبة في ١٩ اغسطس ٢٠١٣ إبان انقلاب عبدالفتاح السيسي الذي اطاح بالرئيس محمد مرسي في مصر)

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

النمو المعجزة في زمن الرماد.. تفكيك سردية “التعافي الوهمي للاقتصاد السوداني

علاء خيراويفي زمن الحروب، تصبح الأرقام ساحة معركة لا تقل خطورة عن الميدان. والمقال الذي …