كيزان السودان….هل هم إخوان!!؟

khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي

لم تهتز الحركة الإسلامية السودانية في تاريخها كما اهتزت في الأيام الماضية، ولم ترتفع عقيرتها بالولولة والإنكار كما ارتفعت بعد أن وقّع دونالد ترامب أمره التنفيذي بتصنيف بعض فروع الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية. فجأةً، ارتبكت العقول التي اعتادت اليقين المطلق، وارتعشت الألسن التي لم تتلعثم يومًا في ادعاء “الصفاء العقدي” و”الخصوصية السودانية”، وبدت الجماعة بكل ما فيها من رموز وشيوخ وأجهزة إعلام، كمن يُسحب البساط من تحت قدميه بعد ثلاثة عقود من الطغيان المُطمئن الذي ظنّه أبديًا.

لقد تلقّى الكيزان القرار كصدمة وجودية، لا سياسية. كضربة في مركز وعيهم الجماعي، لا مجرد إعلان أمريكي. وصحيح أن الجماعة لطالما أنكرت نسبها الإخواني حين يشتد الخناق عليها، ثم عادت تتباهى به حين يزدهر نفوذ التنظيم الدولي، إلا أنّ ما فعله ترامب أصابهم في الصميم، انتزع منهم الحق الذي يتشبثون به منذ ثمانين سنة، حق الاختباء داخل اسم “التنظيم الدولي”حين يحتاجون، والتنصل منه حين تنكشف جرائمهم.

لكن الضربة لم تتوقف عند حدود البيت الأبيض؛ فقد جاءت موجة ثانية أكثر قسوة من قلب الكونغرس نفسه، حين أقرّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون رسمي لتوسيع تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، وفق تعريف شامل لا يستثني أي فرع أو كيان أو تنظيم أو واجهة تتبع الجماعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. مشروع القانون، الذي لم يكن مجرد تصويت لجان، بل تتويجًا لمسار تشريعي يضع الجماعة أمام أكبر اختبار وجودي في تاريخها داخل الولايات المتحدة، لأنه يُلزم الإدارة الأميركية بالتعامل مع الإخوان كمنظومة واحدة، لا كفروع مشتتة كما كانت تدّعي طوال سنوات.

ولم يكتفِ الكونغرس بذلك؛ فقد دفعت اللجنة أيضًا بمسودة “Muslim Brotherhood Is a Terrorist Organization Act of 2025” (H.R.3883)، وهو تشريع يُرغم وزارة الخارجية على تقديم تقرير رسمي يبرر أو ينفي تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية. هذه الخطوة التشريعية، التي تزامنت مع الأمر التنفيذي لترامب، جعلت السقوط المعنوي والسياسي للجماعة مضاعفًا، ضربة من السلطة التنفيذية، وضربة من السلطة التشريعية، وضربة ثالثة من الدول التي صنّفت الجماعة إرهابية منذ ٢٠١٤ (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر)، والتي رأت في التحركات الأميركية إعلانًا متأخرًا لما عرفته منذ سنوات.

ومع أول سطر في الوثيقة الأميركية، ومع أول تصويت في لجنة الخارجية، انكشفت كل ألاعيب الحركة الإسلامية السودانية

التي أقسمت يومًا بالولاء لرسائل حسن البنّا صارت تدّعي انها حركة سودانية خالصة اصيلة. الذين ملؤوا حلقات التربية بكتب سيد قطب صاروا ينفون أي صلة بالقطبية. الذين استضافوا التنظيم الدولي في الخرطوم عقدًا كاملًا صاروا يتحدثون عن استقلالية التجربة. “الذين رفعوا شعارات “أستاذية العالم و”الحاكمية” صاروا يتباكون؛ لسنا إخوانًا، نحن فقط مسلمون وطنيون.

إنه ليس ارتباكًا سياسيًا فحسب، وانما هلع عقائدي ملئ بالعبر والدروس؛ لأن القرار لم يُصِب فرعًا عابرًا من فروعهم، بل ضرب أصل شجرتهم التي يستمدون منها شرعية وجودهم. ومن هنا جاء هذا الهرج الذي عمّ إعلامهم، والارتعاش الذي سكن خطاباتهم، وهذا السيل من الأكاذيب التي تُسكب من أفواه تظن أن الإنكار قادر على مسح سجلٍ يمتد من ١٩٤٤ حتى اليوم.

الحركة الإسلامية تعلم، رغم كل الصراخ أن القرار الأميركي لا يستهدف الإخوان في مصر أو الأردن أو لبنان فقط، بل يستهدف كل من بنى مشروعه على الفكرة نفسها، وعلى التنظيم نفسه، وعلى الفقه نفسه، وعلى الدم نفسه. ولهذا بدا المشهد كأن زلزالًا أصاب القاعدة العقائدية للجماعة لا قشرتها السياسية؛ ارتعشت المساجد التي بنوها، والأجهزة التي أسسوها، والشبكات التي زرعوها، والأموال التي هربوها، والسرديات التي لوّثوا بها المجال العام لعقود طويلة.

وفي غمرة هذا الاضطراب، ظهر الكيزان في أسوأ صورة رأيناهم فيها منذ سقوط نظامهم عام ٢٠١٩ خائفين، مضطربين، متناقضين، يصرخون في كل اتجاه “لسنا إخوانًا…لسنا إخواناً…لسنا إخواناً” وكأن التاريخ وثائق يمكن محوها، أو كأن الخرطوم التي تحولت يومًا إلى العاصمة الخفية للتنظيم الدولي يمكنها أن تتنكر لما شهدته في التسعينيات من مؤتمرات وبيعات واتصالات.

لقد أسقط قرار ترامب وقانون لجنة الخارجية القناع الأخير، أظهرا الجماعة كما هي… لا كما تخادع. كسرا وهم خصوصيتهم، وأعادا تعريف الحركة الإسلامية السودانية بصفتها الحقيقية

فرعًا أصيلًا من تنظيم الإخوان المسلمين، شاءت أو أبت، أنكرت أو اعترفت، وولولت أو تماسك خطابها.

ومن هنا تبدأ الحكاية…حكاية الانهيار المفهومي قبل الانهيار السياسي، وحكاية جماعة تواجه للمرة الأولى سؤالها الوجودي الحقيقي؛ من أنتم حين يُسقط العالم عنكم اسم “الإخوان”؟ وماذا يبقى منكم عندما يُقوَّض الأصل الذي بنيتم عليه مشروعكم كله؟

الحركة الإسلامية في السودان ليست لغزًا

غامضًا ولا ظاهرة محلية خالصة كما يحلو لأصحابها أن يروّجوا، بل هي، في جوهرها العميق، فرع مكتمل الأوصاف من فروع جماعة الإخوان المسلمين، تشكّل في تربة سودانية لكنه تغذّى بفكر حسن البنا وسيد قطب وتنظيمهما، فحمل الاسم يومًا، وحمل العقيدة دائمًا، ثم حمل السلاح والدولة باسم مشروع لم يولد هنا، بل هبط من ضفاف النيل إلى ضفاف النيل، معبّأً بوهم “أستاذية العالم” وحق الجماعة في احتكار الدين والوطن معًا.

البداية تعود إلى أربعينيات القرن العشرين، حين عاد طلاب سودانيون من مصر محمّلين بسحر خطاب حسن البنا؛ هناك في القاهرة استمعوا إلى رسائل الرجل الذي قرر أن يحوّل الدعوة إلى تنظيم، والتنظيم إلى دولة، فعادوا إلى الخرطوم وأمدرمان في ١٩٤٤ ليؤسسوا أولى الخلايا الإخوانية في السودان، من بينهم أسماء مثل بابكر كرار، ويوسف حسن سعيد، ومحمد خير عبد القادر، فكانت النواة الأولى لمشروع لا يزال أثره يثقل حاضر البلاد حتى اليوم، نواة حملت بيعة فكرية وتنظيمية للقاهرة قبل أن تعرف لنفسها اسمًا سودانيًا خاصًا.

بعد ذلك بسنوات قليلة، في ١٩٥٤، أُعلن رسميًا عن قيام “جماعة الإخوان المسلمين السودان” بقيادة الرشيد الطاهر بكر، الأمين العام الذي لم يكن مجرد زعيم محلي، بل حلقة موصولة بمكتب الإرشاد في القاهرة، يتلقى منه التوجيهات والتقارير والنشرات التربوية، ويشارك في رسم الخط العام للحركة داخل السودان، فالعلاقة في تلك المرحلة لم تكن علاقة تأثر فكري فقط، بل علاقة تنظيمية مباشرة؛ فرع يُسائل أمام المركز، وكوادر تُربّى على عين القيادة الأم.

في هذا المناخ ظهر اسم حسن الترابي، لا بوصفه مؤسسًا من خارج السرب، بل نتاجًا طبيعيًا لتمدّد الإخوان في الوسط الطلابي والمهني، فقد نشأ الرجل في الخمسينيات والستينيات داخل الأطر الطلابية المرتبطة بالإخوان في جامعة الخرطوم، وتشرب أدبياتهم وأساليبهم، ثم صعد تدريجيًا ليقدّم مشروع “جبهة الميثاق الإسلامي” عام ١٩٦٤ كواجهة سياسية سودانية للمضمون الإخواني ذاته؛ تغيير في اليافطة لا في العقيدة، وفي اللغة لا في الجوهر. جبهة الميثاق الإسلامي التي رفعت شعار الدستور الإسلامي بعد ثورة أكتوبر لم تكن قطيعة مع الإخوان، بل محاولة لتموضعهم داخل الساحة الحزبية السودانية، وقد تجلى ذلك بوضوح في خطاب الترابي عام ١٩٦٨ في مؤتمر جبهة الدستور الإسلامي، حين أدخل مصطلح “الحاكمية” إلى معجم السياسة السودانية، وهو مصطلح قطبي خالص، حمله سيد قطب من أطروحة فقهية إلى بيان أيديولوجي يعلن أن السيادة العليا للتنظيم الذي يزعم تمثيل شريعة الله، لا للدولة ولا للأمة ولا حتى لمؤسسات الدين التقليدية.

في سبعينيات القرن الماضي، ومع مصالحة الحركة الإسلامية مع نظام جعفر نميري، دخل المشروع الإخواني طورًا جديدًا في السودان؛ طور بناء القاعدة العميقة داخل مؤسسات الدولة، وقد تجسد ذلك في وثيقة “البرنامج الإسلامي” عام ١٩٧٩، التي صاغت رؤية الحركة للحكم والمجتمع والاقتصاد، وكانت في جوهرها إعادة إنتاج لخطاب حسن البنا عن “شمولية الإسلام” ورسائله في التربية والتنظيم، مع إضافة لمسات ترابية لا تمسّ الأساس؛ دولة عقائدية تقودها جماعة مؤدلجة تتغلغل في كل شرايين المجتمع.

على مستوى الفكر، لم تبتدع الحركة الإسلامية السودانية مدرسة مستقلة، بل اتخذت من رسائل حسن البنا، و”معالم في الطريق”، و”في ظلال القرآن” لسيد قطب المقررات الأم في حلقاتها التربوية؛ هناك تشكلت عقول أجيال من الكوادر على مفردات “الجاهلية”، و”الحاكمية”، و”العصبة المؤمنة”، وتم ترسيخ قناعة أن المجتمع بحاجة لإعادة أسلمته من جديد تحت راية التنظيم، وأن كل من يقف خارج هذا التصور هو، في أحسن الأحوال جاهل بحقيقة الدين، وفي أسوأها خصمٌ لدين الله. هذه ليست تفاصيل عابرة، بل هي البصمة الإخوانية التي ستظهر لاحقًا في كل قرار سياسي وأمني اتخذته الحركة وهي في السلطة.

هذا البناء الفكري لم يبق حبيس الكتب، بل ترجمته الحركة إلى هندسة تنظيمية عملية، استنسخت فيها نموذج “التنظيم الخاص” الذي أنشأه حسن البنا في الأربعينيات داخل مصر، والذي جمع بين السرية والعمل المسلح والتخطيط للانقلاب على الدولة من داخلها؛ وفي السودان ظهرت النسخة المحلية تحت مسميات متعددة؛ جهاز أمني موازي، خلايا خاصة، مجموعات جهادية، لكنها في النهاية تحمل الروح نفسها؛ جهاز ظلّ لا يخضع للقانون، يدين بالولاء للتنظيم قبل الدولة، ويعتبر نفسه حارسًا للمشروع قبل أن يكون حارسًا للوطن.

ففي سياق التطبيق السوداني، ولدت تشكيلات مثل “الأمن الشعبي”، و”الوحدات الجهادية”، و”الأمن الطلابي”، و”كتائب الظل”، وكلها أذرع امتدت خارج إطار المؤسسات الرسمية، تعمل بالليل أكثر مما تعمل بالنهار، وتنسّق مع القيادة التنظيمية أكثر مما تلتزم بهيكل الدولة، وهي ليست اجتهادًا سودانيًا قائمًا بذاته، “بل استنساخ دقيق لفكرة “الجناح السري الذي حمله الإخوان معهم في كل بلد وطأته أقدامهم.

على مستوى التنظيم الداخلي، اعتمدت الحركة الإسلامية السودانية الهيكل الكلاسيكي لجماعة الإخوان؛ مجلس شورى يحدد الخطوط العامة، ومكتب تنفيذي يدير اليومي، وأسر تربوية صغيرة تضم خمسة إلى سبعة أعضاء لكل أسرة، وتنظيم للطلاب، وتنظيم للمرأة، وتنظيم للمهنيين، وتنظيم للمغتربين، وأمانة للمال، وأمانة للاتصال الخارجي؛ هذا البناء ليس ابتكارًا محليًا، بل تحويل نسخة من كتيّب التنظيم الإخواني إلى واقع سوداني، مع تغيير أسماء الأشخاص لا أكثر.

حتى المصطلح التربوي الذي يبدو بريئًا “الأسرة” هو توقيع مباشر لحسن البنا؛ فقد نقلت الحركة هذا المفهوم من بيئة الإخوان المصرية كما هو، بجلساته، وأذكاره، ونظام طاعته، وهرمية رتبته، لتُخضع الدعاة والكوادر والشباب لعملية تكييف نفسي عميق تجعل الولاء الأول للجماعة، وتخلق رابطة نفسية وروحية أقوى من رابطة المواطنة، وأبقى من أي انتماء حزبي ظاهري.

حين نفذت الحركة انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩، لم يكن ذلك انفجارًا مفاجئًا في تاريخ السودان، بل تتويجًا لمسار إخواني بدأ قبل أربعة عقود، وتحول بعد ١٩٩١ إلى مشروع دولي مكتمل حين صارت الخرطوم واحدة من أهم عواصم التنظيم الدولي للإخوان، ليس مجرد فرع من أطراف الأطراف، بل مركزًا لإعادة توزيع الأوراق في أفريقيا والعالم العربي، في لحظة شهد فيها الإخوان تضييقًا في بلدان أخرى، فوجدوا في السودان فضاءً لإعادة بناء شبكتهم العابرة للحدود.

في تلك السنوات، توالت زيارات يوسف القرضاوي إلى السودان، خطيبًا ومحاضرًا وضيفًا على مؤتمرات الحركة الإسلامية، يبارك تجربتها ويمنحها غطاءً فقهيًا عابرًا للحدود، ويقدّمها للعالم الإسلامي بوصفها نموذجًا “للحكم الإسلامي الراشد”، بينما كانت الدماء تُراق في الجنوب وتُسفك في هوامش البلاد. تلك الزيارات لم تكن مجرد نشاط دعوي؛ كانت ختمًا إخوانيًا رسميًا على شرعية النظام الجديد.

إلى جانب القرضاوي، مرّ عبر الخرطوم في التسعينيات رموز من الصف الأول في التنظيم الدولي مثل كمال الهلباوي، المتحدث باسم الإخوان في أوروبا، وإبراهيم منير، الذي لعب دورًا محوريًا في إدارة ملفات التنظيم خارج المنطقة العربية، كما ظل حامد أبو النصر ، المرشد العام للإخوان في تلك المرحلة، على صلة وثيقة بالترابي وقيادات الحركة الإسلامية، في تنسيق علني أحيانًا وسري في أغلب الأحيان، جعل من السودان منصة مركزية لإعادة تموضع الإخوان بعد ضربهم في أكثر من ساحة عربية.

تتويج هذا الحضور تمثل في “المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي” الذي عُقد في الخرطوم عام ١٩٩٤، وجمع تحت سقف واحد إسلاميين من كل لون، من الإخوان في مصر وسوريا إلى حركات إسلامية في آسيا وأفريقيا، في أكبر تجمّع إخواني دولي رُفع فيه شعار “وحدة الأمة” بينما كان الهدف الحقيقي هو بناء محور سياسي موازٍ للنظام الدولي، يقوده الإسلاميون من عاصمة باتت، عمليًا، غرفة العمليات الكبرى للتنظيم.

وموازاةً لذلك، تأسست مؤسسات مثل “المركز العالمي للدعوة الإسلامية”، وتوسعت شبكات مالية عبر بنوك كبنك فيصل الإسلامي وشركات كبرى كدانفوديو وغيرها، فصارت الخرطوم عقدة وصل لتمويل وتغطية النشاط الإخواني من مالي والنيجر وتشاد ونيجيريا إلى الصومال وليبيا، عبر بوابة “الدعوة” تارة، و”الاستثمار الإسلامي” تارة أخرى؛ فالسودان هنا لم يكن مجرد دولة تطبق مشروعها الداخلي، بل تحول إلى مركز تصدير للفكر والتنظيم والمال في القارة.

هكذا، خلال عقد واحد فقط، أصبح السودان في نظر كثير من المراقبين “العاصمة الخفية للتنظيم الدولي”، تُحاك في مكاتبه الخطط، وتعبر عبر مصارفه الأموال، وتُدار من خلاله شبكات التلاقي بين الإسلاميين في المشرق والمغرب وأفريقيا، وكل ذلك تحت رعاية مباشرة من الحركة الإسلامية الحاكمة التي لم تكن ترى في نفسها حزبًا سودانيًا، بل “قطرًا” من أقطار مشروع عالمي أكبر.

حين وقع الانشقاق الشهير عام ١٩٩٩ بين حسن الترابي من جهة، وعمر البشير وعلي عثمان محمد طه ونافع علي نافع من جهة أخرى، حاول البعض تقديمه كدليل على استقلالية التجربة السودانية عن الإخوان، وكسرًا لارتباطها بالتنظيم الدولي، لكن الحقيقة أن ما جرى كان صراع أجنحة داخل المشروع الإخواني ذاته؛ جناح يميل إلى زعامة الترابي العابرة للحدود، وجناح يفضّل تثبيت السلطة في يد العسكريين مع بقاء البنية الإخوانية في جوهر الدولة؛ لم يقع أي اختلاف في أصل الفكرة، بل وقع الاختلاف في من يقود الدفة وكيف.

لم يقم التنظيم الدولي يومًا بفصل الترابي ولا البشير عن جسده؛ كلاهما ظل في نظره امتدادًا للمشروع، وإن تفاوتت درجات الرضا والاقتراب، فالمؤتمر الشعبي الذي قاده الترابي ظل يحتفظ بخطاب إخواني صريح، والمؤتمر الوطني الذي قاده البشير ظل يحتفظ ببنية إخوانية كاملة داخل أجهزة الدولة والحزب، وظل الشيخان، وإن افترقا في السلطة، أبناء المدرسة ذاتها، يخطب كل منهما بلغتها ويستند إلى فقهها، ويُطلق ذات الشعارات عن الشورى والتمكين والحاكمية.

تجربة الحكم نفسها كانت تجسيدًا عمليًا للكتاب الإخواني المفتوح؛ سياسة “التمكين” التي أطلقتها الحركة منذ أوائل التسعينيات لم تكن إلا ترجمة مباشرة لفكرة “تصفية الجاهلية من مفاصل الدولة”، فجرى إقصاء آلاف الموظفين من الخدمة المدنية، واستبدالهم بكوادر التنظيم، ونُسجت حول الدولة شبكة من الأجهزة الموازية؛ الأمن الشعبي، والاستخبارات الخاصة، والبيوت الآمنة، وأُطلقت مليشيات كالدفاع الشعبي والمجاهدين، ثم لاحقًا الجنجويد في دارفور، تحت غطاء فتاوى دينية قطبية الروح، اعتبرت الحرب في الجنوب وفي دارفور “جهادًا” ضد تمرّد على “الدولة الإسلامية”، لا صراعًا سياسيًا نتج عن ظلم وتهميش طويلين.

في هذا السياق نفسه تأتي محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام ١٩٩٥ كعمل يحمل كل بصمات التنظيم الخاص للإخوان؛ التخطيط خارج الحدود، استخدام واجهات رسمية لتغطية عمل سري، توظيف عناصر مدربة عقائديًا، ثم الإنكار المزدوج حين تنكشف العملية؛ وهي ليست انحرافًا عن نهج الحركة، بل نتيجة طبيعية لعقلية ترى العنف وسيلة مشروعة حين تخدم “مصلحة الدعوة” كما تفهمها الجماعة.

وهكذا، إذا ما جمعنا الخيوط كلها؛ النشأة على يد طلاب مبايعين لحسن البنا، والتأسيس الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، فرع السودان، وتكوّن الترابي في مدرسة الإخوان الطلابية، ورفع راية الحاكمية والبرنامج الإسلامي، واعتماد رسائل البنا وكتب قطب منهجًا تربويًا، واستنساخ التنظيم الخاص أمنيًا وعسكريًا، واستيراد الهيكل التنظيمي بكل تفاصيله، وتحويل الخرطوم إلى عاصمة فعلية للتنظيم الدولي في التسعينيات، ورعاية مؤتمرات إخوانية عابرة للقارات، وتصدير المشروع إلى أفريقيا، ثم ممارسة الحكم وفق فقه التمكين والعنف السياسي… سنجد أنفسنا أمام حقيقة واحدة لا ثانية لها؛ الحركة الإسلامية في السودان ليست تجربة خاصة تبحث لها عن نسب، بل هي فرع مكتمل من فروع الإخوان المسلمين، أنكروا نسبهم حين صار الاسم عبئًا، لكن التاريخ سجّله عليهم سطرًا بعد سطر، وجيلًا بعد جيل.

لم يعد في وسع الحركة الإسلامية أن تنجو من موج المراجعة الدولية، ولا أن تواصل لعبتها القديمة في تبديل الأقنعة بين الفقه والسياسة، بين الازدواج العلني والباطني، بين خطاب الضحية وممارسة الجلاد. لقد انتهى الزمن الذي كان باستطاعتها فيه أن ترشَّ السكر على الدم، وأن تُقنِع العالم بأن الخراب الذي خلّفته مجرد “خصوصية سودانية” لا علاقة لها بتنظيم عابر للحدود. اليوم، تتساقط آخر أوراق التوت من بين أصابعها المرتعشة، وتنكشف حقيقة ظنّت أنها محجوبة إلى الأبد؛ أنها ليست إلا فرعًا من أصل واحد، وجذرًا من شجرة خبيثةٍ واحدة، مهما غيرت أسماءها، وتخفّت خلف شعارات الوطنية.

ولأن العالم بدأ أخيرًا يسمّي الأشياء بأسمائها، فإن صرخة الكيزان لم تعد احتجاجًا، بل خوفًا من مستقبل يعرفونه جيدًا؛ مستقبل يُفتح فيه ملفاتهم، ويُعاد فيه تقييم كل ما زرعوه من سموم في الدولة والمجتمع، وتُجرَّد فيه الحركة من وهم “الشرعية” الذي استندت إليه لثلاثة عقود. ليست الخاتمة هنا صراعًا على سلطة زائلة، بل صراع على سردية كاملة. فإذا سقطت سردية “نحن لسنا إخوانًا”، سقط معها كل ما بنوه من تبريرات، وسقط المشروع كله في الحفرة التي حفرها بنفسه منذ ١٩٤٤.

وهكذا يصبح السؤال الأخير، السؤال الذي لا يريدون مواجهته، هو؛ ماذا يبقى للحركة الإسلامية إذا انتُزع منها غطاء الإخوان؟ ماذا يتبقى إذا حوصرت دوليًا، وعرّتها الوثائق، وشهدت عليها الأسماء والتواريخ والأفعال؟ لا يبقى إلا حقيقتها المجرّدة؛ جماعة صنعت الخراب باسم الدين، ورأت الدولة غنيمةً، والمجتمع قطيعًا، والسلطة قدرًا إلهيًا. ولذلك، فإن نهاية هذا المشروع ليست مسألة إرادة سياسية فحسب، بل ضرورة أخلاقية لحماية ما تبقى من معنى الدولة، ومعنى الإنسان، ومعنى الانتماء.

إن السودان لن يُشفى من جراحه، والمنطقة لن تعرف استقرارًا، والعالم لن يفهم معنى الخطر الكامن، ما لم يُحسَم هذا الفصل الأخير من الحكاية. لا إصلاحًا ولا تسوية تترنح بين الحسابات، بل مواجهة شاملة تُسقِط التنظيم وفكره معًا. عندها فقط، يُغلق باب مظلم استمر ثمانين عامًا، ويبدأ وطنٌ كامل في التطلع إلى فجرٍ لا يحكمه سرّيون ولا تُقاد فيه الشعوب بالخفاء، ولا تُستباح فيه الدولة باسم قداسة زائفة.

وعندما يُكتب هذا الفصل الأخير، ستدرك الحركة الإسلامية، ولو بعد فوات الأوان أن أكبر هزيمة تُمنى بها الجماعات العقائدية ليست سقوط سلطانها، بل سقوط وهمها. وحين يسقط الوهم، يسقط كل شيء

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

لحظة الحقيقة .. القاهرة لا ترى الشعب السوداني

khirawi@hotmail.comعلاء خيراويتصريح الاستعلامات المصرية القائل إن “الدولة المصرية لا ترى أي دليل على تغلغل الإخوان …