osmanyousif1@icloud.com
كيف يمكن ان تتغير حياتك
قد يبدو هذا السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في أعماقه ثقلًا فلسفيًا يتجاوز الزمان والمكان.
هل تتغيّر الحياة بقرارٍ واعٍ نتّخذه في لحظة شجاعة؟
أم أنّ التغيير يأتي فجأة، كحدثٍ قدري، يفرض نفسه دون استئذان؟
قبل محاولة الإجابة، ربما علينا أن نتوقف قليلًا عند السؤال الأهم:
ما الذي نعنيه أصلًا بـ حياة الإنسان؟
ما هي الحياة؟
الحياة ليست مجرد وجود بيولوجي، ولا تقويمًا يمضي من يوم إلى آخر. إنها نسيج معقّد من التجارب، والمشاعر، والأفكار، والعلاقات. بل هي مسرح تتبدّل فيه الأدوار، لا لأن المشهد تغيّر، بل لأن وعينا به تغيّر.
نحن لا نعيش الأشياء كما هي، بل كما نفهمها، وكما نحتملها، وكما نمنحها معنى.
ومن هنا، لا يصبح التغيير انتقالًا من حال إلى حال فقط، بل تحوّلًا في طريقة الرؤية نفسها.
دعونا الان نسأل، ما معنى التغيير؟
ان التغيير في جوهره ليس لحظة عابرة، لكنه عملية عميقة جداً تعيد تشكيل وعي الإنسان وسلوكه. أحيانًا يبدأ بقرارٍ صغير يبدو غير ذي شأن، وأحيانًا يولد من صدمة، أو فقد، أو قد يكون سؤال لا نستطيع له مهربًا.
ولو سألنا الان هل التغيير قفزة مفاجئة؟
أم هو تراكم صامت لخيارات صغيرة لم ننتبه لخطورتها إلا متأخرين؟
ماذا قال الفلاسفة؟
حاول الفلاسفة، كلٌّ من موقعه وزمانه، أن يقتربوا من هذه اللحظة الغامضة:
قال سقراط: “تتغيّر حياة الإنسان عندما يعرف الخير.”
لكن أيّ خيرٍ يقصده؟
هل هو الخير الأخلاقي، أم الخير بوصفه معرفة، أم انسجام الإنسان مع ذاته؟
وقال سينيكا: “تتغيّر حياته عندما يعرف حدود قدرته.”
هل التغيير هنا نضجٌ أم استسلام؟
وهل إدراك الحدود يمنحنا السلام… أم يسرق منا الطموح؟
أما كارل ماركس فرأى أن التغيير يحدث حين تتغير أنماط الإنتاج.
لكن هل تختصر حياة الإنسان في شروطه الاقتصادية؟
أم أن الإنسان أوسع من موقعه الطبقي، وأعمق من راتبه؟
ويأتي سارتر ليقول: “تتغيّر حياة الإنسان عندما يؤمن بحريته.”
لكن الإيمان بالحرية ليس فكرة مجردة،
إنه تحمّل قاسٍ للمسؤولية، واعتراف بأننا صُنّاع اختياراتنا، مهما كانت الظروف.
أما كافكا، فيهمس: “لحظة وميض الوعي هي لحظة التغيير.”
قد تكون لحظة ألم، أو خوف، أو اكتشافٍ صامت، حين ندرك فجأة أننا نعيش حياة لا تشبهنا.
ويذهب شوبنهاور أبعد، حين يرى أن التغيير يحدث عندما يتجاوز الإنسان إرادته.
فهل الخلاص في كبح الرغبة؟
أم في التحرر من وهم السيطرة؟
ثم يأتي سيوران بجملته القاسية: “عندما يموت.”
وكأن الحياة، في نظره، لا تتغير حقًا إلا حين تنتهي.
لكن لعلّه يقصد موتًا آخر…
موت الوهم، أو موت النسخة القديمة من ذواتنا.
والآن… دورك أنت:
بعد كل هذه المحاولات، يبقى السؤال معلّقًا، لا يطلب إجابة واحدة، بل تجربة صادقة:
متى تغيّرت حياتك أنت؟
هل كان التغيير اختيارًا أم ضرورة؟
هل جاء بهدوء، أم اقتحمك بلا مقدمات؟
ربما لا تتغيّر حياة الإنسان في لحظة واحدة،
بل عندما يعجز عن الاستمرار كما كان..
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم