Sudanile-Logo-SQ

كيف تكوّن العقل السوداني

بكري يوسف البُر
betradein47@gmail.com

بسم الله الرحمن الرحيم
كيف تكوّن العقل السوداني

الكتابة عن العقل السوداني، هو محاولة لفهم مسار التاريخ الطويل، الذي تشكل فيه الوعي الجمعي بتأثيرات دينية و اجتماعية و استعمارية، و تداخلت جميعها لتنتج نمطا في التفكير و السلوك السياسي و الاجتماعي، ظل يعيد انتاج الازمات نفسها بأشكال مختلفة.
الدعوة لنقد العقل السوداني من أجل التشخيص و فتح آفاق جديدة للتجاوز، و ليس الغرض منه الادانة او الهدم.

العقل السوداني هو الإطار الذهني الجمعي الذي يحدد كيف نفهم السلطة، و كيف ندير الاختلاف، و كيف نقدس الرموز، و كيف نخلط بين الأخلاق و السياسة و بين الفكر و المؤسسة في مجتمع شفاهي، تدار فيه العلاقات بالرمز و المكانة اكثر مما تدار بالقانون و النظام، و نُحل فيه الازمات بالوساطة لا بالمؤسسات ( القوانين القبلية العرفية نموذجا)

يلاحظ ان المناخ العام الذي سبق قيام الثورة المهدية، لم يكن يستند الي مرجعية سياسية مركزية واضحة، و لا الي أي دولة بالمعني المؤسسي المعروف، ذلك لغياب التوثيق المنظم المعروف، لا توجد مرجعية يعتد بها في تاريخ السودان غير (طبقات ود ضيف الله)، التي كُرست لرواية كرامات الاولياء و الصالحين و المشاهير، و اشتمل أيضا علي اساليب الحكم و طرائق الحياة. و لم يتشكل في ذلك المناخ بنية ادارية جامعة، و هو ما عبر عنه الباحث المصري محمد فؤاد شكري بدقة حين وصف السودان قبل فتح محمد علي باشا ١٨٢١، بأن السودان كان عبارة عن فراغ عريض من الناحية الجغرافية، و لكنه كان كان مجالا اجتماعيا مفتوحا، تشكل فيه الوعي على الدين و العرف، الأمر الذي اتاح لاحقا بروز المهدية كإستجابة سودانية داخلية لفراغ السلطة.

تبقي الثورة المهدية المثال الاوضح علي قدرة العقل السوداني علي انتاج تنظيم سياسي و ديني خالص، نشأ داخل المجتمع دون استعارة ايديلوجية او تأثير خارجي مباشر. و قد عبّرت المهدية عن استجابة سودانية اصيلة للظلم و الهيمنة التركية و الانجليزية، مستخدمة الدين بوصفة لغة اخلاقيا جامعة لا نظرية مستوردة، غير ان فشلها لاحقا كشف إحدي علل العقل السوداني المتكررة في القدرة علي ابتكار الفكرة و الرمز، مقابل ضعف تحويلها الي مؤسيات مستقرة و دولة مستدامة.

هذا النمط ذاته ما إنفك يتكرر لاحقا في تجارب ما بعد الاستقلال الي اليوم.

إضافة للثورة المهدية كمنتج سوداني صِرف، يمكن اعتبار الحزب الجمهوري ١٩٤٥، و الطريقة الاسماعلية في كردفان ١٨٢١، من ابرز التنظيمات و المكونات السودانية، لم تتأثرا مباشرة بالتيارات الفكرية و السياسية الخارجية. كانت نشأتهما من داخل البيئة السودانية و امتدادا الوعي المحلي، و قد ساهم الحزب الجمهوري تهيئة الفكرة السودانية، بينما ارسي الشيخ الاستاذ اسماعيل الولي من خلال الطريقة الاسماعلية اطارا دينيا و ثقافيا متجذرا، يجمع التربية الدينية و علوم القرآن و التواصل الاجتماعي و نشر الوعي في جبال النوبة، ذكر البروفسير محمد ابراهيم ابوسليم في كتابة الخصومة في المهدية، عن الشيخ الاستاذ اسماعيل الولي( هو السوداني الوحيد الذي أسس طريقة من انشائه، مستقلة بإسمها و رسومها و أدبياتها، و الوحيد من بين اولياء السودان الذي يلتصق بإسمه لقب الولي) ص ١١١.

هذه المكونات مثال علي قدرة المجتمع السوداني في انتاج تنظيمات و أفكار مستقلة بذاتها و من صميم مجتمعها لتصوغ وعيا خاصا مغايرا للتيارات المستوردة، و تأسيس لخطاب محلي مستوعب لثقافة المجتمع.

اما في المجال الادبي و الثقافي، فإن دعوة الاديب الشاعر حمزة الملك طمبل في دعوتة في ادخال التعابير السودانية في الادب مهم لسكب آداب و فنون المجتمع و اعطاء صبغة سوداناوية بعيدا عن التقليد الاعمي للثقافات الاخري، كان ذلك في عشرينيات القرن الماضي، و التقط المفهوم الشاعر محمد المهدي المجذوب و طورة في كثير من اعمالة، ثم اتي الشاعر الدبلوماسي صلاح احمد ابراهيم فابدع في تطوير مفهوم السوداناوية في الشعر و الادب السوداني، كمحاولة مبكرة لاعادة تعريف الذات السودانية خارج المركز الثقافي العربي، و ان الشعر يؤسس للوعي. اثر ثقافي مهم في الحياة السودانية الادبية و الفكرية كمنتج سوداني خالص، يتمثل في تيار او مدرسة الغابة و الصحراء، التي تمثل جزء هام من الثقافة السودانية و ساهم المفهوم في تعزيز الهُوية و الإبداع الادبي و التأثير علي الفن و اثراء المشهد الثقافي السوداني، إضافة الي تعزيز الإنتماء الوطني و تعميق الولاء و الحفاظ علي التراث و التاريخ الثقافي من منطلق الافروعربية.

بعد هزيمة الدولة المهدية و دخول الحكم الثنائي ١٨٩٨، بدأت مرحلة جديدة لم تقتصر علي الاحتلال العسكري، فكان استهداف الوعي ذاته، و قد عبر عن ذلك ونجت باشا ١٩٠٠ في خطاب افتتاحي لفترتة بوضوح أن السياسة البريطانية تهدف الي صياغة العقل السوداني، و هي سياسة تجلت في عدة مسارات من بينها، التبشير الديني المسيحي، و سياسة المناطق المقفولة، و التشوية المنهجي المتعمد للتجربة المهدية بوصفها مرحلة فوضي و ظلام. إضافة الي إقصاء المعرفة المحلية و استبدالها بنموذج تعليمية وظيفي محدد، و انشئت كلية غوردون كما عبر عنها بروفسير بركات موسي الحواتي، كراجمة فكرية مؤسسية لكل ما هو اسلامي و سوداني. ناقش ذلك بروفسير بركات موسي الحواتي في كتابة الذاتية السودانية موضحا ( من اوهام الصفوة في ذلك الوقت، فقد اختفت العُمامة بين قضبان البرنيطة و الطربوش.. و كان النيل رهين المحبسين:القاهرة و لندن.. و ما اتيح لسواقي الخرطوم غير التدجين و الترويض) ص ١١٥.

هذا التداخل لم ينجح في بناء عقل حداثي بقدر ما اسهم في خلق وعي منقسم، نخبة متعلمة منبتة عن مجتمعها، و جمهور واسع متحفظ بتدينة الشعبي و موروثة الرمزي دون رابط بين الطرفين.

جاء الاستقلال، دون مشروع وطني جامع يعالج هذه الاختلالات البنوية، فالأحزاب السياسية السودانية، في معظمها قامت علي أفكار مستوردة (متلقية)، يمينية او يسارية او عروبية، لم تُهضم داخل السياق السوداني، و أستمر التعامل مع الدولة كغنيمة، لا كنظام، و هكذا ظل العقل السياسي أسير الشخصيات و الطوائف، و الانقلابات بدل ان ينتقل الي منطق المؤسسات و القواعد المستقرة.

تكررت الاخفاقات لان الدولة السودانية لم تُبن علي نظام مؤسسي واضح، و تأسيس منظومة قواعد و اجراءات و هياكل تعمل بصورة مستقلة عن الأفراد، و تضمن الاستمرارية و المساءلة و تداول السلطة. إذن فغياب هذا النظام جعل اي تغيير سياسي يبدأ من الصفر، و يعيد انتاج نفس الاخطاء مهما تغيرت الشعارات أو الوجوه.

الحل لأزمة العقل السوداني لا يكون بإستيراد أفكار جديدة، و لا احياء الماضي علي علاته، و لكن عبر مسار واضح تُفكك فيه القداسة السياسية للرموز و الاشخاص، و اعادة الاعتبار للتاريخ بوصفة بوصلة الفهم لا للتقديس او الشيطنة، و بناء مؤسسات مستقلة و قواعد حكم واضحة تقدم النظام علي الاشخاص، وجوب صياغة عقد اجتماعي سوداني تشارك فيه جميع المكونات دون إقصاء و يعترف بالتنوع بوصفة مصدر قوة، علي أن يتأسس ذلك العقد الاجتماعي من القواعد فهم اصحاب المصلحة الحقيقيون.

ان العقل السوداني ليس عاجزا بطبيعتة، بدليل لحظات الابداع و التنظيم التي انتجها عبر تاريخه. من المهدية، و تأسيس الطريقة الاسماعيلية بكردفان، و إنشاء الحزب الجمهوري، و في مجال الادب و الشعر، محاولات الاديب الشاعر حمزة الملك طمبل في سودنة الادب و الشعر السوداني و ايراد بعض المفردات العامية في الادب الفصيح.

و يبقي التحدي في الإنتقال من لحظة الالهام الي زمن المؤسسة، و من الرمز إلي النظام، و من الفكرة إلي الدولة، و هذا هو التحدي الذي لا يزال مطروحا بإلحاح أمام السودان اليوم.

بكري يوسف البُر
يناير ٢٠٢٦

عن بكري يوسف البُر

بكري يوسف البُر