من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
عالم بلا بوصلة
كيف فقد الاقتصاد العالمي مرجعيته الأخلاقية؟
منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان
مقدمة
لم يكن الاقتصاد في يومٍ من الأيام أرقامًا صمّاء، ولا معادلاتٍ باردة تُدار بمعزل عن الإنسان. لقد نشأ الاقتصاد، في جوهره، كأداة لتنظيم المعاش، وتيسير الحياة، وضبط العلاقة بين الجهد والعائد، وبين الحاجة والموارد.
لكن ما نشهده اليوم هو عالم اقتصادي يسير بلا بوصلة أخلاقية، عالم تتقدم فيه المؤشرات بينما يتراجع الإنسان، وتُسجَّل فيه الأرباح القياسية في الوقت الذي تتآكل فيه حياة الملايين بصمت.
السؤال الجوهري لم يعد: كيف ينمو الاقتصاد؟
بل: لمن ينمو؟ وعلى حساب من؟ ولماذا فقد إحساسه بالعدالة؟
أولًا: حين كان للاقتصاد ضمير
في جذوره الأولى، لم يُفصل الفكر الاقتصادي عن الأخلاق.
آدم سميث، الذي يُستدعى اسمه عادةً لتبرير السوق الحر، كتب قبل كتابه الشهير “ثروة الأمم” عملًا بالغ الأهمية بعنوان “نظرية المشاعر الأخلاقية”، أكد فيه أن السوق لا يستقيم بلا تعاطف، ولا تعمل اليد الخفية إلا إذا كانت محكومة بقيم العدالة والإنصاف.
كان الاقتصاد يُفهم بوصفه: تنظيمًا للعلاقات
لا ساحة افتراس
وأداة توازن
لا آلية سحق
لكن هذا الفهم بدأ يتآكل مع صعود فلسفة تُقدّس السوق وتُجرّد الإنسان من مركزيته.
ثانيًا: كيف ضاعت البوصلة؟
مع نهاية القرن العشرين، تسارعت موجة ما عُرف بالليبرالية الجديدة، وهي فلسفة اقتصادية تقوم على افتراض بسيط وخطير في آنٍ واحد: دع السوق يقرر كل شيء.
في هذا النموذج: تراجعت الدولة عن دورها الاجتماعي
تقلصت شبكات الحماية
تحوّل العمل إلى سلعة
وصار الإنسان رقمًا في معادلة ربح
أُقنع العالم أن السوق وحده قادر على تصحيح نفسه، وأن أي تدخل أخلاقي أو اجتماعي هو عائق أمام الكفاءة. لكن ما حدث عمليًا كان العكس: اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء
انهارت الطبقة الوسطى
وصار النمو الاقتصادي منفصلًا عن جودة الحياة
ثالثًا: التضخم الصامت
نموذجًا لفقدان الأخلاق
لعل أخطر ما أنتجه هذا المسار هو ما يمكن تسميته “التضخم الصامت”.
لا حرب تُعلن، ولا جيوش تتحرك، لكن القدرة الشرائية للفقراء تتآكل يومًا بعد يوم.
ترتفع أسعار الغذاء والدواء والسكن
بينما تبقى الأجور جامدة
وتُبرَّر المعاناة بلغة تقنية لا يفهمها الناس
المواطن البسيط لا يشعر بالسياسة النقدية،
بل يشعر فقط أن مرتبه لم يعد يكفي نصف الشهر.
وهنا تظهر المعضلة الأخلاقية: اقتصاد ينجح في تقاريره
ويفشل في حياة الناس
رابعًا: من يربح؟ ومن يدفع الثمن؟
في عالم بلا بوصلة: تربح المؤسسات الكبرى
وتدفع الأسر الضعيفة الثمن
تُخصخص الأرباح
وتُعمَّم الخسائر
حين تقع الأزمات، تُنقَذ البنوك
لكن لا يُنقَذ الإنسان
الأزمات المالية العالمية كشفت هذه الحقيقة بوضوح: النظام لا ينهار لأنه غير ذكي،
بل لأنه غير عادل.
خامسًا: هل هذه أزمة أرقام أم أزمة قيم؟
الخطأ الشائع هو الاعتقاد أن الخلل تقني.
لكن الحقيقة الأعمق أن الخلل قيمي.
حين يُفصل الاقتصاد عن: العدالة
الرحمة
الكرامة الإنسانية
يتحول إلى قوة عمياء.
كارل بولاني حذّر مبكرًا من هذا المسار حين قال إن السوق إذا انفصل عن المجتمع، دمّره بدل أن يخدمه.
وأمارتيا سن أكد أن التنمية الحقيقية ليست نمو الناتج، بل توسيع خيارات الإنسان وحريته.
سادسًا: ماذا يعني ذلك لعالمنا العربي والسوداني؟
قد يظن البعض أن هذه نقاشات تخص الغرب، لكن الواقع يقول غير ذلك.
ما يحدث في نيويورك أو لندن،
ينعكس بعد أشهر في الخرطوم أو بورتسودان.
اقتصادنا المحلي يتأثر بأسعار عالمية
وقرارات لا نشارك في صنعها
لكننا ندفع ثمنها
وحين تُستنسخ سياسات بلا مراعاة للسياق الاجتماعي،
تتضاعف الكلفة على الفقراء،
ويزداد الاحتقان،
وتضعف الثقة بين الدولة والمجتمع.
سابعًا: هل انتهى هذا النموذج؟
ليس السؤال: هل سينهار السوق الحر؟
بل: هل سيبقى بلا ضابط؟
العالم اليوم يشهد عودة خجولة لفكرة: الدولة الراعية
الاقتصاد الإنساني
والسياسات التي تضع الإنسان في المركز
التجارب الاسكندنافية،
وبعض مراجعات السياسات في الغرب نفسه،
تشير إلى أن السوق بلا أخلاق ليس مستقبلًا، بل مأزقًا.
خاتمة:
استعادة البوصلة
الاقتصاد لا يحتاج إلى ثورة،
بل إلى بوصلة.
بوصلة تعيد الاعتبار للإنسان،
وتُخضع السوق للقيم،
وتجعل النمو وسيلة لا غاية.
نحن لا نرفض السوق،
ولا نُعادي الربح،
لكننا نرفض اقتصادًا يربح بينما يُفقر الناس.
في عالمٍ فقد اتجاهه،
تصبح إعادة تعريف النجاح الاقتصادي
واجبًا أخلاقيًا
قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.
Joseph Stiglitz
Globalization and Its Discontents
Amartya Sen
Development as Freedom
Karl Polanyi
The Great Transformation
Adam Smith
The Theory of Moral Sentiments
Thomas Piketty
Capital in the Twenty-First Century
Human Development Reports
United Nations Development
Programme
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم