من الوعي إلى الفعل… ومن الألم إلى مشروع وطني جديد
م. هيثم عثمان إبراهيم
بعد أن تجرّأنا على طرح السؤال الوجودي “ماذا يعني لنا السودان؟”، نجد أنفسنا أمام سؤال أصعب وأكثر إلحاحًا، سؤال ينتقل بنا من حقل التشخيص الفلسفي إلى حقل البناء العملي: كيف نبني السودان الذي نحلم به؟
هذا السؤال ليس مجرد امتداد للسؤال الأول، بل هو قلبه النابض وتحديه الحقيقي.
إنه يتجاوز دوائر النخب السياسية والمثقفين، ويتخطى أسوار المراكز البحثية، ليطرق باب كل فرد سوداني يرى في وطنه أكثر من مجرد جغرافيا مأزومة، أو ذاكرة مثقلة بالجراح، أو أزمة عابرة.
إنه سؤال يخص كل من يرفض الاستسلام لدور “الشاهد” السلبي على الانهيار، ويصر على أن يكون فاعلًا أصيلًا في عملية إعادة البناء.
إنه دعوة مفتوحة لتحويل الإحباط إلى مسؤولية، والغضب إلى وقود للتغيير البنّاء، والحلم إلى خطة عمل.
فبناء الأوطان ليس مهمة تُوكل لغيرنا وننتظر نتائجها، بل هو عملية تشاركية يومية، تبدأ من تغيير قناعاتنا، وتمر عبر تعديل سلوكنا، وتنتهي في التأثير على محيطنا، مهما كان صغيرًا.
أولًا: بناء الوعي قبل بناء المؤسسات
لا يمكن لأي مشروع وطني حقيقي أن ينجح أو يصمد إذا لم يرتكز على تحوّل موازٍ وعميق في الوعي الجمعي.
فالأبنية والمؤسسات التي تُقام على أرض من الوعي الهش أو المشوّه، مآلها السقوط عند أول اختبار.
الأزمة السودانية، في أحد أعمق تجلياتها، ليست أزمة موارد طبيعية، ولا أزمة إدارة فنية فحسب، بل هي بالأساس أزمة وعي تشكّل وتجذّر عبر عقود من الممارسات الخاطئة: من تقديس الأفراد والشخصنة المفرطة للعمل العام، إلى الانكفاء على الولاءات الضيقة (القبلية، الأيديولوجية، الجهوية) على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وصولًا إلى هيمنة الخطابات الانفعالية التي تستدرج الغرائز وتُغيّب العقل.
إن بناء هذا الوعي الجديد ليس مهمة نخبوية، بل هو عملية مجتمعية شاملة تعني:
- إعادة تعريف الوطنية: الانتقال بها من حالة غضب انفعالي أو فخر أجوف، إلى مسؤولية أخلاقية يومية تجاه كل فرد في المجتمع، وتجاه مستقبل الدولة.
- تجاوز عقلية رد الفعل: الانتقال من الاستجابة اللحظية للأحداث إلى التفكير العميق في جذورها، والبحث عن حلول مستدامة بدلًا من المسكنات المؤقتة.
- احتضان التنوع كقيمة: رؤية التعدد الثقافي واللغوي والديني ليس كتهديد لوحدة وهمية، بل كـمصدر قوة ومرونة وإثراء للهوية السودانية المركبة.
- أنسنة السياسة: وضع الإنسان وكرامته وحقوقه وحياته قبل الشعارات الكبرى والأيديولوجيات الصماء. فالوطن الذي لا يحمي إنسانه، يفقد معناه.
- استعادة سلطة العقل: إعادة الاعتبار للحقائق الموضوعية، والبيانات الموثوقة، والتحليل الهادئ في الفضاء العام، كبديل عن الشائعات والبروباغندا والتجييش العاطفي.
الوعي، بهذا المعنى، ليس رفاهية فكرية أو تمرينًا ذهنيًا، بل هو البنية التحتية النفسية والأخلاقية الأولى لأي دولة حديثة ومستقرة.
إنه الأساس الذي تُبنى عليه الثقة، وتُصاغ على هديه القوانين، وتُمارَس من خلاله المواطنة الفاعلة.
ثانيًا: بناء مؤسسات لا أبطال
إن الوعي الجمعي السوداني مُثقل بفكرة “البطل المنقذ”، وهي فكرة رومانسية خطيرة شكّلت جزءًا أصيلًا من ثقافتنا السياسية.
لقد بحثنا طويلًا عن “زعيم ملهم” أو “قائد تاريخي” يختزل في شخصه الحلول لكل مشاكلنا. هذه الذهنية هي التي قادتنا، مرة بعد مرة، إلى حافة الانهيار، لأنها تُعلي من شأن الفرد على حساب النظام، وتُعلّق مصير أمة كاملة على أمزجة وقدرات شخص واحد.
الدول الحديثة والمستقرة لا تُبنى على أكتاف الأبطال الخارقين، بل على صلابة وقدرة مؤسساتها.
بناء الدولة على أساس المؤسسات يعني الانتقال من منطق القوة إلى قوة المنطق، ومن سلطة الأشخاص إلى سيادة القانون.
وهذا يتطلب إرساء دعائم واضحة: - مؤسسات قوية ومستقلة: مؤسسات (تشريعية، تنفيذية، قضائية) لها استقلاليتها المالية والإدارية، وتعمل وفق لوائح واضحة، لا وفق توجيهات سياسية.
- قوانين عادلة ونافذة: قوانين تُصاغ لتحقيق العدل والمصلحة العامة، وتُطبّق على الجميع دون استثناء، من أكبر مسؤول إلى أبسط مواطن.
- نظم إدارية شفافة: نظم عمل واضحة ومعلنة في كل أجهزة الدولة، تمنع الفساد والمحسوبية وتضمن جودة الأداء.
- آليات محاسبة فعّالة: وجود أجهزة رقابية مستقلة (ديوان مراجعة، مفوضية مكافحة فساد) قادرة على محاسبة أي مسؤول يتجاوز صلاحياته أو يهدر المال العام.
- توزيع متوازن للسلطة: نظام حكم يضمن عدم تركّز السلطة في يد جهة واحدة، ويخلق توازنًا ورقابة متبادلة بين السلطات المختلفة.
- إدارة محترفة (بيروقراطية رشيدة): خدمة مدنية تقوم على الكفاءة والخبرة، لا على الولاء السياسي أو القبلي، وتضمن استمرارية الدولة وحيادها.
المؤسسة، في جوهرها، هي الذاكرة الحية للدولة والضامن لاستمراريتها.
هي التي تحمي المجتمع من طغيان الحاكم، ومن فوضى الشارع، ومن إعادة إنتاج الأزمات بشكل دوري.
إنها الرهان الحقيقي لبناء سودان مستقر ومزدهر.
ثالثًا: بناء مجتمع قادر على التعايش
كثيرًا ما نقع في خطأ اختزال السلام في مجرد “اتفاق سياسي” يُوقّع في العواصم البعيدة.
لكن السلام الحقيقي أعمق وأشمل من ذلك؛ إنه ثقافة اجتماعية تُعاش وتُمارس يوميًا.
المجتمع الذي لم يتعلم بعد كيف يتعايش مع اختلافاته، والذي لم يشفَ من جراحه النفسية، سيعيد إنتاج الحرب والصراع بأشكال مختلفة، مهما كانت الاتفاقيات الموقعة متقنة.
بناء مجتمع قادر على التعايش هو التحدي الأكبر الذي يواجه السودان، وهو يتطلب عملًا دؤوبًا على عدة جبهات: - الاعتراف المتبادل بالآلام والمظالم: قبل أن نطلب من الآخر أن يفهمنا، يجب أن نحاول فهمه.
هذا يعني خلق مساحات آمنة يستطيع فيها كل طرف أن يروي قصته، ويعبّر عن ألمه، ويشعر بأن معاناته مسموعة ومُعترف بها من قبل الآخرين.
هذا الاعتراف هو الخطوة الأولى نحو كسر حواجز عدم الثقة. - احترام الاختلافات الثقافية كحق: الانتقال من مجرد “التسامح” مع الثقافات الأخرى إلى “احترامها” كحق أصيل من حقوق مكوناتها.
هذا يعني إدراج اللغات والثقافات السودانية المختلفة في المناهج التعليمية – ان كانت مكتوبة ما امكن ذلك- والإعلام العام، والاحتفاء بها كتعبير عن غنى الهوية الوطنية. - تفكيك خطاب الكراهية بوعي: لا يكفي تجريم خطاب الكراهية قانونيًا، بل يجب تفكيكه ثقافيًا.
وهذا يتم عبر فضح مغالطاته، وكشف أهدافه السياسية، وتقديم خطاب بديل قائم على الإنسانية المشتركة والمصير الواحد. - إعادة بناء الثقة عبر مبادرات عملية: الثقة لا تُبنى بالخطب، بل بالأفعال.
يمكن البدء بمشاريع تنموية وخدمية مشتركة بين المجتمعات المتنازعة، أو برامج تبادل شبابي وثقافي، أو لجان مصالحة أهلية – جودية – تعمل على حل النزاعات المحلية.
هذه المبادرات الصغيرة تخلق روابط إنسانية تتجاوز الانقسامات السياسية. - خلق سردية وطنية جديدة تتسع للجميع: التاريخ السوداني كُتب غالبًا من منظور واحد، مهمشًا روايات وتجارب قطاعات واسعة من الشعب.
بناء مجتمع متعايش يتطلب إعادة كتابة التاريخ بشكل تشاركي، لخلق سردية وطنية جديدة لا تمحو الاختلافات، بل تحتفي بها كجزء من قصة مشتركة أكبر.
السودان ليس قبيلة واحدة، ولا ثقافة واحدة، ولا رواية تاريخية واحدة.
السودان هو فسيفساء غنية ومعقدة، وقوته الحقيقية لا تكمن في محاولة صهر هذه المكونات في بوتقة واحدة، بل في تنظيم علاقتها ببعضها البعض بشكل عادل ومتناغم، بحيث يشعر الجميع أنهم يمتلكون هذا الوطن على قدم المساواة.
رابعًا: العدالة… حجر الأساس الذي لا غنى عنه
من الأوهام الخطيرة التي قد تسقط فيها المجتمعات الخارجة من الصراع، هو الاعتقاد بإمكانية بناء مستقبل مستقر على جراح مفتوحة وذاكرة ممزقة.
لا يمكن أن نطلب من الضحايا أن يطووا صفحة الماضي وينظروا إلى المستقبل، دون أن يشعروا بأن جراحهم قد اعتُرف بها، وأن كرامتهم قد أُعيدت إليهم.
إن القفز فوق مطلب العدالة بحجة “التسامح” أو “المصلحة الوطنية” هو في الحقيقة تأجيل للانفجار القادم، وليس حلاً له. العدالة ليست انتقامًا، وليست تصفية حسابات، بل هي عملية بناء اجتماعي وأخلاقي مركبة تهدف إلى: - الاعتراف: وهو أول درجات العدالة.
الاعتراف الرسمي والمجتمعي بوقوع الانتهاك، وتسميته باسمه الحقيقي دون مواربة.
الاعتراف يرسل رسالة للضحية بأن معاناته حقيقية ومشروعة، وللمجتمع بأن ما حدث كان خطأً لا يجب أن يتكرر. - جبر الضرر: وهو لا يقتصر على التعويض المادي فقط، بل يشمل جبر الضرر المعنوي والرمزي.
قد يكون ذلك عبر إعادة تأهيل الضحايا نفسيًا واجتماعيًا، أو بناء نصب تذكارية تخلّد ذكراهم، أو إطلاق أسمائهم على الشوارع والمدارس.
الهدف هو إعادة الاعتبار الإنساني للضحية. - المساءلة: إن الإفلات من العقاب هو أكبر محفز لتكرار الجريمة.
المساءلة، سواء عبر القضاء الوطني أو آليات العدالة الدولية أو لجان الحقيقة، هي التي تكسر هذه الدائرة.
إنها تؤكد على مبدأ أن لا أحد فوق القانون، وترسل رسالة ردع قوية لكل من تسول له نفسه ارتكاب انتهاكات في المستقبل. - ضمانات عدم التكرار: وهي الجانب الأكثر أهمية في العدالة الانتقالية.
فالعدالة لا تكتمل بمجرد معاقبة الجناة، بل بضمان عدم ظهور جناة جدد.
وهذا يتطلب إصلاحات مؤسسية عميقة في الأجهزة الأمنية والقضائية والتشريعية، وتغيير القوانين التي سمحت بوقوع الانتهاكات، وتطهير المناهج التعليمية من كل ما يحض على الكراهية.
العدالة، بهذه الأبعاد الأربعة، هي التي تعيد للمجتمع إحساسه بالقيمة الأخلاقية، وتستعيد ثقة المواطن في الدولة، وتمنع تحول المظالم إلى ثارات تنتقل عبر الأجيال.
إنها ليست شرطًا للانتقام، بل شرط للمصالحة الحقيقية والسلام المستدام.
خامسًا: إعادة بناء الدولة على أسس مهنية
إن الدولة السودانية في وضعها الحالي لا تحتاج إلى مجرد إصلاحات تجميلية أو ترقيعات سطحية، بل هي بحاجة إلى عملية إعادة تأسيس شاملة (Re-founding).
هذا يعني مراجعة الأسس التي قامت عليها الدولة منذ الاستقلال، والتي أثبتت فشلها في إدارة التنوع وتحقيق التنمية والعدالة.
إعادة التأسيس هذه ليست دعوة لمحو الماضي، بل هي دعوة للتعلم منه بصدق، والانطلاق نحو نموذج جديد للدولة يعالج التشوهات البنيوية العميقة. وهذا يشمل:
- جيش وطني واحد بعقيدة جديدة: إن تعدد الجيوش والميليشيات هو وصفة دائمة للحرب الأهلية.
لا يمكن بناء دولة مستقرة دون وجود مؤسسة عسكرية واحدة، تخضع بالكامل للسلطة المدنية المنتخبة، وتكون عقيدتها القتالية موجهة لحماية حدود الوطن والدستور، لا للتدخل في السياسة أو قمع المواطنين.
وهذا يتطلب عملية دمج وتسريح وإعادة تأهيل (DDR) معقدة وشاملة. - جهاز دولة محايد ومحترف: يجب تفكيك حالة “الدولة الحزبية” أو “الدولة القبلية” التي سادت لعقود.
وهذا يتطلب بناء جهاز خدمة مدنية مستقل ومحايد، يقوم على الكفاءة والجدارة كأساس وحيد للتوظيف والترقية، لا على الولاء السياسي أو الانتماء الجهوي.
هذا الجهاز المحترف هو الذي يضمن استمرارية عمل الدولة وتقديمها للخدمات بكفاءة وعدالة، بغض النظر عن هوية الحكومة القائمة. - اقتصاد منتج ومتنوع: يجب الخروج من لعنة “الاقتصاد الريعي” الذي يعتمد على تصدير مادة خام واحدة (صمغ عربي، نفط، ذهب)، والذي يرهن قرار الدولة السياسي للخارج، ويخلق اقتصادًا هشًا لا يوفر فرص عمل حقيقية.
يتطلب هذا وضع استراتيجية وطنية للتحول نحو اقتصاد يقوم على الإنتاج في الزراعة والصناعة والخدمات، ويشجع الابتكار وريادة الأعمال. - خدمات عامة تحفظ كرامة المواطن: يجب أن تتوقف الدولة عن التعامل مع المواطن كـ”رعية”، وأن تبدأ في التعامل معه كـ”صاحب حق”.
وهذا يعني إعادة هيكلة قطاعات التعليم والصحة والمياه والكهرباء لتوفير خدمات لائقة تحفظ كرامة الإنسان، وتُعتبر مؤشرًا أساسيًا لنجاح الدولة أو فشلها.
إن النظرة إلى الدولة يجب أن تتغير جذريًا: من كونها “غنيمة” يتصارع عليها الجميع للاستئثار بمواردها، إلى كونها “أداة” حديثة وفعالة لتنظيم حياة المجتمع وخدمة مصالح جميع أفراده بشكل عادل.
سادسًا: تحويل الألم إلى طاقة بناء
إن الأمم العظيمة التي تنهض من كبواتها ليست تلك التي لم تتألم، فتاريخ الإنسانية هو تاريخ من الآلام والحروب، بل هي تلك التي أتقنت فن تحويل الألم إلى حكمة وطاقة بناء.
الألم الجماعي، كالصدمة النووية، يمكن أن يكون له اتجاهان: إما أن يتحول إلى طاقة تدميرية عمياء، تغذي الكراهية والثأر وتدفع المجتمع نحو المزيد من العنف، أو أن يتحول إلى طاقة بناءة هائلة، تجبر المجتمع على مراجعة أخطائه، وتدفعه نحو نضج لم يكن ليبلغه لولا قسوة التجربة.
والسودان اليوم يقف بالضبط عند مفترق الطرق هذا.
تحويل الألم إلى طاقة بناء ليس عملية تلقائية، بل هو قرار واعٍ وممارسة شاقة تتطلب: - القراءة الصادقة للتجربة: أن نمتلك الشجاعة للنظر في مرآة الحقيقة دون تجميل، وأن نقرأ ما حدث لنا بصدق وموضوعية، ونتحمل مسؤولية ما فعلته أيدينا، لا أن نكتفي بإلقاء اللوم على الآخرين أو على الظروف.
القراءة الصادقة هي أول خطوة نحو التعافي. - المراجعة الذاتية قبل نقد الآخر: أن يبدأ كل فرد وكل جماعة بمراجعة أفكارها ومواقفها وسلوكياتها التي أسهمت، ولو بشكل غير مباشر، في الوصول إلى الكارثة.
إن ثقافة “النقد الذاتي” هي علامة على النضج، بينما ثقافة “تزكية الذات” هي وصفة للجمود والتكرار. - رؤية الفرصة في قلب الكارثة: على الرغم من قسوة المشهد، فإن لحظات الانهيار الكبرى هي نفسها لحظات تمنح فرصة نادرة لإعادة التأسيس على أسس جديدة وأكثر صلابة. إنها فرصة للتخلص من كل الأمراض القديمة التي كنا نتهرب من مواجهتها.
الكارثة تجبرنا على التغيير الذي كنا نؤجله. - الخروج من الحرب بوعي جديد، لا بجرح جديد: الهدف الأسمى ليس مجرد وقف إطلاق النار، بل الخروج من هذه التجربة المؤلمة بوعي وطني جديد، وبفهم أعمق لأنفسنا ولبعضنا البعض.
إذا خرجنا من الحرب بنفس العقلية التي دخلناها بها، فإننا نكون قد أضفنا جرحًا جديدًا إلى جراحنا القديمة، ولم نتعلم شيئًا.
الألم إما أن يكون سجنًا نسكن فيه، أو مدرسة نتعلم فيها. والاختيار بينهما هو الذي يحدد مصير الأمم.
سابعًا: مشروع وطني جديد… يبدأ من الناس
إن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو انتظار أن يأتي “المشروع الوطني الجديد” جاهزًا من الأعلى.
السودان الذي نحلم به لن يُكتب في وثيقة سرية، ولن يُعلن عنه في مؤتمر صحفي فخم، ولن يُفرض بقرار سيادي.
هذه كلها أدوات قد تأتي لاحقًا، لكنها ليست نقطة البداية. نقطة البداية الحقيقية هي الناس.
المشروع الوطني الجديد هو مشروع ثقافي وأخلاقي قبل أن يكون سياسيًا، وهو يولد ويتشكل في رحم المجتمع نفسه.
السودان الجديد سيولد من تحولات صغيرة ومتراكمة تحدث على مستوى القاعدة: - وعي الناس: عندما يبدأ المواطن العادي في التفكير بشكل نقدي، ويرفض تصديق الشائعات، ويبحث عن الحقيقة، ويطرح الأسئلة الصعبة.
- خطاب الناس: عندما تتغير لغة الحوار في البيوت والأسواق ووسائل التواصل الاجتماعي، من لغة الكراهية والتخوين إلى لغة الاحترام والتفاهم.
- قيم الناس: عندما تصبح قيم المواطنة، والنزاهة، والكفاءة، واحترام القانون، هي القيم التي يحتفي بها المجتمع ويكافئها، بدلًا من قيم الولاء الأعمى والفهلوة والتحايل.
- سلوك الناس: عندما يلتزم كل فرد بمسؤولياته الصغيرة، من إتقان عمله، إلى الحفاظ على نظافة شارعه، إلى احترام جاره المختلف عنه.
- إصرار الناس: عندما يصل المجتمع إلى قناعة جماعية لا تتزعزع بأن المستقبل يجب أن يكون مختلفًا، وأن زمن الحلول القديمة قد انتهى، وأنهم لن يقبلوا بأقل مما يستحقون من كرامة وعدالة وسلام.
المشروع الوطني، بهذا المفهوم، ليس نصًا يُكتب، بل هو سلوك جماعي يُعاش.
إنه مجموع كل هذه الأفعال الصغيرة التي، عندما تتراكم، تخلق قوة تغيير هائلة لا يمكن لأي سلطة سياسية أن تتجاهلها.
إنه بناء يبدأ من الأسفل إلى الأعلى، من الفرد إلى المجتمع إلى الدولة.
ختامًا… السودان الذي نحلم به ليس بعيدًا
قد تبدو الصورة قاتمة، وقد يبدو حجم التحديات أكبر من قدرتنا على المواجهة، لكن اليأس هو العدو الأكبر لأي مشروع بناء. السودان ليس قدرًا مظلمًا محتومًا، ولا لعنة جغرافية أبدية، ولا قصة فشل مكتوبة سلفًا في كتاب التاريخ.
السودان هو مشروع مفتوح، صفحة بيضاء تنتظر من يكتب فصولها القادمة.
وكتابة هذا المشروع تبدأ من تلك اللحظة التي نقرر فيها بشكل واعٍ وحاسم أن نجيب على السؤال البسيط: هل نريد أن نظل أسرى للماضي، نعيش على اجترار آلامه وانقساماته، أم نريد أن نكون صُنّاعًا للمستقبل، نبني واقعًا جديدًا لأبنائنا؟
إذا اخترنا المستقبل، فإن الطريق يصبح واضحًا، وإن كان شاقًا. كل ما نحتاجه هو الشروع في البناء المتوازي:
وعي جديد يرى في الإنسان قيمة عليا،
ومؤسسات جديدة تحمي الحقوق وتطبق القانون،
وخطاب جديد يجمع ولا يفرق،
وثقة جديدة نبنيها بصبر بيننا وبين مؤسساتنا.
إن هذا الجيل، الذي ذاق مرارة الانهيار وشاهد بأم عينه تكلفة الكراهية والانقسام، هو الأكثر قدرة على إدراك ضرورة التغيير، والأكثر أهلية لقيادة هذا المشروع.
كل ما يتطلبه الأمر هو الشجاعة،
شجاعة مراجعة الذات،
وشجاعة التخلي عن الأوهام القديمة،
وشجاعة الحلم بمستقبل مختلف والإصرار على تحقيقه.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم