لا تعليم تحت سماء تمطر رعبًا ودمًا!

إن فوكس
نجيب عبدالرحيم
najeebwm@hotmail.com
في مشهد يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاستقرار، أعلنت السلطات في السودان فتح العام الدراسي، في خطوة تبدو – في ظاهرها – استجابة لضرورة استمرارية التعليم، لكنها في واقع الأمر تصطدم بظروف ميدانية قاسية تجعل من استئناف الدراسة أقرب إلى المجازفة منه إلى القرار المدروس.
فالحرب العبثية المدمرة، المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم تترك فقط آثارًا إنسانية كارثية، بل أعادت تشكيل المشهد الوطني برمّته، وألقت بظلالها الثقيلة على قطاع التعليم، الذي أصبح أحد أبرز ضحايا هذا الصراع الممتد.
في هذا السياق، تبدو عودة الدراسة في جامعة الخرطوم – رمز التعليم العالي في البلاد – بعيدة كل البعد عن أي صورة طبيعية أو آمنة. فالعاصمة الخرطوم، التي تخضع لسيطرة الجيش، لم تعد البيئة المؤهلة لاستقبال الطلاب في ظل الانهيار الخدمي الشامل، والانفلات الأمني، والتدهور المعيشي الحاد.
الأخطر من ذلك أن النظام التعليمي في السودان لم يعد موحدًا، إذ أفرزت الحرب واقعًا من الانقسام الجغرافي والسياسي، جعل الوصول إلى التعليم مرهونًا بمناطق النفوذ العسكري. وهو ما يعني عمليًا حرمان شريحة واسعة من الطلاب، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، فضلًا عن مئات الآلاف من النازحين داخل البلاد وخارجها، من حقهم الأساسي في التعليم.
أما من تبقى داخل البلاد، فيواجه تحديات يومية تتجاوز حدود العملية التعليمية ذاتها؛ من انعدام الأمن الغذائي، إلى نقص الدواء، مرورًا بانقطاع الكهرباء والمياه، وانتهاءً بواقع اقتصادي منهك، حيث تعرضت ممتلكات المواطنين لعمليات نهب واسعة، حتى باتت المنازل – كما يصفها البعض – (خاوية على عروشها).
وفي موازاة هذا الانهيار، فرضت سلطات الأمر الواقع قبضة رقابية مشددة على المؤسسات التعليمية، عبر نشر عناصر مسلحة وموالية لها، الأمر الذي خلق بيئة من الخوف والترهيب داخل الأوساط التعليمية. وبات المعلمون، وهم عماد العملية التربوية، عاجزين عن التعبير عن مطالبهم أو انتقاد الأوضاع، تحت طائلة الفصل التعسفي أو الاعتقال، في ظل اتهامات جاهزة تُلفق عند الحاجة.
وقد عكست بعض التصريحات الرسمية، وما تم تداوله من مقاطع مصورة، حجم التهديد الذي يواجهه المعلمون، حيث تم التلويح باستخدام تشكيلات مسلحة ضد من يطالبون بحقوقهم، وعلى رأسها الرواتب المتوقفة منذ أشهر، وهو ما يعمّق من أزمة التعليم ويقوّض ما تبقى من مقومات استمراريته.
إن المعلم اليوم في السودان يقف بين مطرقة الفقر وسندان الإهمال المزمن، في ظل غياب أي حلول جادة لمعالجة أزمته، ما ينذر بانهيار شامل للعملية التعليمية، ويهدد بضياع جيل كامل، وهو ما لا يقتصر أثره على السودان وحده، بل يمتد ليشكل أزمة إقليمية ذات أبعاد مستقبلية خطيرة.
في ظل هذه المعطيات، لا يمكن النظر إلى التعليم كترف يمكن تأجيله أو إدارته بقرارات فوقية معزولة عن الواقع. فالتعليم في جوهره معركة وجودية، وركيزة أساسية لبناء الدول، وهو المصنع الحقيقي لإعداد العقول والسواعد القادرة على إعادة إعمار الوطن، وتحقيق تطلعاته نحو الاستقرار والتنمية.
وعليه، فإن أي محاولة لإعادة الحياة إلى المؤسسات التعليمية، دون معالجة جذور الأزمة الأمنية والاقتصادية والسياسية، لن تكون سوى خطوة شكلية، تفتقر إلى الفاعلية، وتخاطر بمستقبل أجيال بأكملها.
لا تعليم حقيقي في ظل الخوف… ولا مستقبل لوطن ينهار فيه التعليم ويهان فيه المعلم ..
احترام المعلم هو تكريم للأمم، فالعلماء والمعلمون ورثة الأنبياء، ويمثلون الركيزة الأساسية للتقدم والرقي. يوجهون الناس للخير والصلاح وحثت الأديان على ذلك .. وأمير الشعراء أحمد شوقي .. قم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا .. كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا.
والي الجزيرة ورئيس مجلس الوزراء .. واجهات صورية منزوعي الصلاحيات.
ثورة ديسمبر المجيدة ستظل حاضرة في وجدان الشعب السوداني الصابر الصامد، ولن يمحوها دخان البنادق، لأنها تعبير صادق عن إرادة الحرية والكرامة والسلام.
لا للحرب… نعم للسلام
المجد والخلود للشهداء
ولك الله يا وطني… فغدًا، رغم كل شيء، ستشرق شمسك

عن نجيب عبدالرحيم

نجيب عبدالرحيم

شاهد أيضاً

الإسلاميون في السودان: هل يسدل الستار؟

إن فوكسنجيب عبدالرحيمnajeebwm@hotmail.comبعد تصنيف الجماعات الإسلامية كمنظمة إرهابية خرج علينا قائد كتبة البراء بعد التراجع …