لقطات من وطن مختطف .. بقلم: مشعل الطيب

الوضع القائم حاليا في السودان هو  وضع عصي على الفهم والادراك ..  فسواد الشعب السوداني يعيش حالة من ضنك العيش والمسغبة لا تعقل .. والحياة واليوم العادي في حياة كل سوداني هي رحلة من المعاناة  والعذاب ..
الصورة بالغة القتامة والسوء .. والدولة غائبة بمعنى الكلمة .. الشوارع متسخة وتعج بفوضى غريبة .. رجال المرور ليسو سوى عصابات نهب نظامية تنتشر في الطرقات لاهم لها سوى تحرير المخالفات وتحصيل اﻷموال من أناس أعياهم الفقر والجوع .. ترى في أكبر شوارع الخرطوم كوارو الحمير والأحصنة تتجول بحرية وسائقو الركشات يقطعون اشارات المرور بلا خوف ولا تردد .. النفايات تتوسط الشوارع وجنبات الطرق ومصارف المياة تتمتلئ بالقاذورات .. الشوارع المتهالكة  تمتلئ بالحفر الخطرة والسفر في الطرق السريعة الضيقة والرديئة تعني القيام بمجازفة قد تنتهي بحادث مميت ..  في وسط السوق العربي وجوار القصر الجمهوري يجب أن تكون في غاية الحذر حتى لاتقع في إحدى حفر التصريف العميقة و المنتشرة .. المتسولون يمﻷون الطرقات في منظر بائس .. المشردون بملابسهم القذرة يستنشقون السلسيون بحرية دون أن يبالى احد بهم .. نساء يمددن أياديهن للمال .. بائعات الشاي والقهوة في كل مكان ولك أن تدفع 2000 جنيه نظير كوب القهوة .. الجنية الذي كان يساوي 3 دولارات يوما ما !!! 
جالون البنزين يساوي 22000 جنية وكيلو اللحم بساوي 50000 في المتوسط … ولك ان تتخيل كم تحتاج أسرة كي تعيش .. 
في الحي كل الشباب في عطالة صريحة ومقنعة .. لا عمل لا دخل ولا أمل .. البؤس يطغى ويخيم على الجو .. الخريجون ممن تحصلو على عمل يتقاضون مابين ال 500 واﻷلف جنية مايعادل ال 60 الى 100 دولار !! مئة دولار في أحسن اﻷحوال .. البوليس والجيش يهين الجميع كل يوم وكل صباح .. تقابل هؤلاء في الشوارع ، منافذ التفتيش ،نقاط الرسوم والجبايات ، مكاتب الخدمة الوطنية و المرور ..
لا قيمة تذكر ﻷي مواطن لا يحمل صفة عسكرية أو سياسية .. علاقات الخوف والتسلط هي العملة المتداولة .. والبقاء للأقوى .. تحس أنك في غابة وثكنة عسكرية وتتمنى لو أنك كنت ضابطا حتى تحظى ببعض اﻹحترام واﻹهتمام في هذه  الدولة البوليسية بامتياز .. انت مواطن تعني أنك لا شئ .. كيف لا وكلمة مواطن هي سبة في مفردات البوليس والجيش .. أتذكرها جيدا كيف يسب العساكر بعضهم بكلمة ( يامواطن ) ..  التملق ينتشر في كل مكان والرشوة هي مايسهل عليك كل شئ .. 
لن تحتاج لتقارير المنظمات الدولية حتى تدرك حجم الفساد الذي يجري في السودان .. جولة في أي حي تغنيك عن ذلك حيث يرقد النعيم والثراء والمتخمون بالأموال الحرام جنبا إلى جنب جوار المشردين والفقراء والجوعى والمسحوقين .. في الخرطوم تتعالى اﻷبراج السكنية الفاخرة والقصور والفلل وتمرح في الشوارع أحدث موديلات السيارات في محيط من الفقر والجوع والمرض والبؤس .. اليأس عنوان كبير يرتسم في جباه المارة والباعة المتجولين .. 
جولة صغيرة في أي مستشفى أو مدرسة تدرك معها حجم الكارثة والجريمة التي تمارس بحق الشعب السوداني .. قمة اﻹهمال وعدم اﻹكتراث .. لقد فرز نظام البشير اﻷمة السودانية إلى قوات نظامية تحمي بقائه يقدم لها خدمات صحية في مستشفيات الشرطة والجيش ويرشوها بالحوافز واﻹمتيازات و طبقة مترفة من الطفيليات التي تتغذى من أموال الشعب باﻹضافة للمهاجرين والتجار اﻷثرياء الذين يتعالجون في المستشفيات الخاصة ويعيشون حياة معقولة .. وسواد غالب من فقراء الشعب ممن يجدون أردء الخدمات وأسوء التعامل .. 
لقد إنحطت حتى أحلام الناس وتطلعاتهم بفضل الظروف القاسية التي يحيونها .. وخطورة هذا النظام ليس في أنه قد ضيع حاضر اﻷمة السودانية .. لكن الخطورة الحقيقية في أنه يضيع مستقبل البلاد بما يقدمة للأجيال الحالية من مستويات رديئة في التعليم والخدمات الصحية وبما ينشره من فهم مغلوط للدين وللحياة ولحقيقة العالم وبما يشيعه إعلامه البائس من تعصب وعنصرية وكراهية ..
في كل بلدان العالم تتفاخر الحكومات بما خلقته من وظائف وبما حققته من رقي في حياة الناس ورفاهية في مستوى معيشتهم  وبما أنجزته في مجالات الصحة والتعليم والطرق و بما أقامته من مشاريع زراعية وصناعية .. 
لكن في سودان البشير تطالعنا الصحف كل صباح بما أنجزته قوات البشير من قتل وحرق وتدمير واغتصاب ، و يهددنا رجال أمنه بكل تعذيب وإرهاب ،  ويخوفنا الصحفيون المهووسون بمؤامرات تعشعش في خيالاتهم ، و ينعق المتطرفون بجهالاتهم بينما ينشر البعض خرافاتهم وأوهامهم كي يخدرو شعبا أنهكته الحياة وأعياه طول اﻹنتظار في سبيل الخلاص واﻹنعتاق  … 
للأسف هذه هي حقيقة مايجري في البلاد حاليا .. لن ترى هذه اﻷشياء إلا ان عايشتها .. لن يراها المتحكمون في اﻷمور ساكنو القصور من ينظرون إلى الناس خلف الزجاج الغامق لسياراتهم .. لن يراها من أعمته النعم المنهوبة عن معاناة شعبه وآلامه .. لن يراها أبدا من يعتقد موهوما أن بفضل حكمه الكارثي يعيش شعبه في النعيم يأكل الهوت دوق والبيتزا ويرفل في الخيرات !!  
ليس سوى هذه الكلمات تعبر عن حال المواطن السوداني حاليا :
قدرك تقيف في العاصفة منصوب الشراع
مكتوب على سكك السفر
تعتر على نصل الحصل
تزحف
على جمر الصراع ..
..
..

maristan1982@gmail.com
////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً