بقلم: لوال كوال لوال
lualdengchol72@gmail.com
في مفارقة عجيبة قد تبدو صادمة للوهلة الأولى، تشتاق بعض الشعوب، بعد تحررها من نير الاستبداد أو الاستعمار أو الحكم العسكري، إلى حقبة القمع نفسها التي كانت بالأمس القريب تبغضها، وتثور ضد رموزها. لا يحدث هذا الحنين في الفراغ، بل ينبع من شعور جمعي معقد، يتقاطع فيه الإحباط مع الحنين، واليأس مع الحاجة إلى النظام، والخوف من المستقبل مع الشوق إلى استقرار الماضي.
حين تُنتزع الحرية فجأة من بين فكي الطغيان، تظن الشعوب أنها بلغت مبتغاها الأخير. غير أن الواقع ما بعد التحرر كثيرًا ما يكون مريرًا: فوضى، اقتتال، ضعف مؤسسات، تدهور اقتصادي، وصراع على السلطة. عندها تبدأ الجماهير في التساؤل: “هل هذا ما خرجنا من أجله؟”
وفي غياب رؤية واضحة لمستقبل واعد، تبدو قبضة المستبد – رغم قسوتها – وكأنها كانت تمنح حياة “أكثر تنظيمًا”، حتى وإن كانت بلا كرامة.
غالبًا ما يُقدّم القمع السياسي نفسه في صورة النظام، وتستقر الحياة الظاهرة تحت ظله بفضل الخوف لا بفضل الرضا. ولكن حين ينهار هذا “النظام القسري”، تُكشف هشاشة البنية التحتية، وغياب الكفاءات البديلة، وانقسام الشارع. ومن هنا يبدأ الحنين إلى “زمن الطاغية”، ليس حبًا في جلاده، بل هربًا من حاضرٍ مرتبك ومستقبلٍ غامض.
الإنسان – فردًا كان أو جماعة – لا يتذكّر دائمًا التفاصيل المؤلمة كما هي، بل يعيد بناء ذاكرته وفق حاجاته النفسية. في أوقات الأزمات، يُعاد تصوير الماضي بملامح أقل قسوة، ويُنسى التعذيب، وتُمسح دماء الشهداء، وتُستبدل بلقطات “الأمن”، “الخبز المتوفر”، و”الدولة القوية”.
الحرية، حين تُقترن بالجوع والفوضى، تفقد رونقها أمام صورة الطغيان المزين بالهدوء الظاهري.
من أخطر ما تواجهه الثورات والانتفاضات هو غياب البديل الجاهز أو القادر على القيادة. فعندما تتفكك بنية النظام القمعي، وتعتلي السطح قوى متناحرة أو مترددة أو نفعية، تتراكم خيبات الأمل في نفوس الناس، ويبدأ الحنين إلى “الطاغية الحازم” الذي – رغم ظلمه – كان “يحكم بيد من حديد” ويمنع الفوضى.
الناس تميل إلى استقرار الأوضاع حتى وإن كانت مجحفة. فالشعور بأنك تعرف حدود ما يُسمح به، وتدرك أين تقف، يمنح وهم الطمأنينة. أما في زمن الحريات الناقصة أو “الديمقراطيات المزيفة”، تغيب القواعد، ويتسرب الخوف من كل شيء: الجار، الشارع، حتى من الحاكم الجديد.
الحنين إلى عهد الطغيان ليس حبًا في الطغاة، بل ألمًا من الخيبات، وفقدانًا للثقة في المستقبل. لذلك، فإن أهم ما يجب أن تدركه الشعوب بعد نيلها لحريتها هو أن الحرية لا تكفي وحدها. لا بد أن تُمهد برؤية، ويُحافظ عليها بمؤسسات، ويُدافع عنها بقيم.
أما من ينتظر أن تجلب له الحرية الخبز والأمن دون عملٍ وتضحية، فسيظل يشتاق لقيوده القديمة، ويترحم على أيام من كان يسومه سوء العذاب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم