خالد ابواحمد
سؤال بسيط لكنه مهم.. لماذا تصر جماعة رأت مشروعها ينهار أمام الناس على أنها لم تخطئ؟.. ولم تمارس القتل ولا السرقة ولا نهب ممتلكات الشعب، ولا جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي اعترف بها رئيسهم المخلوع..!.
إن الإسلامويين يقولون إنهم ينفذون أمر الله، ولهذا لا يقدرون على الاعتراف بالخطأ بسهولة، فحين تقول جماعة عن نفسها إنها تمثل الحق المطلق فهي تغلق على نفسها الباب. الخطأ عندها ليس خطأ عاديا يمكن تصحيحه، فالاعتراف بالخطأ هنا معناه أن الفكرة كلها التي قامت عليها الجماعة كانت خطأ من أساسها، فمن يقول إنه أخطأ في مشروع نسبه إلى الله كأنه يقول إن الله أخطأ (تعالى الله عن كل النقائص)، وهذا شيء لا تقدر هذه الجماعات أن تقوله مهما كان الانهيار من حولها كبيرا.
ومن يرى نفسه ينفذ أمرا من الله لا يقدر أن يقول أخطأت، فحين يخلط الإنسان بين حزبه وبين الدين يصير أي نقد لحزبه هجوما على الدين نفسه، فكل سؤال عندهم يصير تشكيكا في الدين، وكل مراجعة تصير شكا في الإيمان، وهذا الخلط هو ما يجعل الإنكار عندهم واجبا لا خيارا، فمن يعترف بالخطأ كأنه يقول إن الله تخلى عنه، أو أن اختياره كان خطأ، وهذا ثمن لا يقدر عليه من بنى كل حياته على فكرة أنه مختار من عند الله.
ومن هنا أيضا يرفضون أن يتحملوا مسؤولية ما فعلته أيديهم فمن يرى نفسه أداة بيد الله يجد في هذا طريقا يهرب به من المسؤولية، فما فعله في نظره لم يكن هو من فعله بل قدرا مر من خلاله، فيرمون المسؤولية على الظرف، وعلى العدو، وعلى القدر وعلى كل شيء إلا أنفسهم، وهذا في كثير من الأحيان ليس كذبا يعرفونه هم، بل هو الطريقة الوحيدة التي يقدر بها الإنسان أن ينظر إلى نفسه في المرآة دون أن ينهار من الداخل.
حزب سياسي..!!
وهناك مسألة أعمق وهي كيف يفهمون الدين نفسه، فالإسلامويون غالبا يتعاملون مع الإسلام وكأنه حزب سياسي له مصالحه، لا دين نزلت أحكامه من عند الله سبحانه وتعالى فيصير حُكم الدين عندهم شيئا يفسرونه كما يريدون، لا شيئا يلتزمون به كما هو، فإذا كان النص يخدمهم أخذوا بظاهره وإذا لم يخدمهم فسروه بما يوافق مصلحتهم، مثلا هذه الآيات القرآنية يمرون عليها كأنها لم تكتب في كتاب الله، وتأكيدا على قولي هذا نراجع قتلهم للنفوس بلا أي مبررات:
قتل ابناء أمري وكجبار، وقتل طلاب الخدمة الالزامية في معسكر العيلفون، وقتل مواطني ديم العرب ببورتسودان وجميع هؤلاء الضحايا كانوا عزلا من السلاح، وكان يمكن التفاهم معهم والوصول معهم لحل لكن القتل كان هو الطريق الأقرب والحل الجذري، ويقول الله سبحانه وتعالى:
(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) سورة الإسراء الآية 33
(من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) سورة المائدة الآية 32
(ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) سورة النساء الآية 93
(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) سورة الأنعام الآية 151
(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون) سورة الفرقان الآية 68.
إن عدم تقيدهم بالأوامر الربانية يمثل تلاعبا بأحكام الله واستهتارا به، هذا هو نفسه ما يمنعهم من الاعتراف بخطئهم، لأن الاعتراف يعني أن يكشفوا هذا التلاعب أمام الناس وأمام أنفسهم، فيفضلون أن يبقوا في صورة حُراس الدين التي رسموها لأنفسهم، مع أنهم في الحقيقة يستخدمون الدين وسيلة لا غاية بل يضربون الدين في مقتل.
ومن أغرب ما في تفكيرهم أنهم يعتقدون أن الله سيحاسبهم يوم القيامة كجماعة واحدة (الحركة الاسلامية) و(المؤتمر الوطني)، وليس كل واحد منهم وحده، فيتوهم الفرد بينهم أن حسابه سيذوب في حساب الجماعة كلها، مع أن القرآن الكريم يقول في أكثر من موضع إن كل إنسان يأتي يوم القيامة وحده، ويحاسب عن عمله هو، لا عن عمل جماعته، وهذا الوهم يريحهم من ثقل المسؤولية في الدنيا كما يريحهم من فكرة وقوفهم وحدهم أمام الله في الآخرة، فيعيش الفرد منهم وكأن الجماعة ستبقى معه حتى في اللحظة التي لا ينفع فيها مال ولا أولاد ولا حزب ولا جماعة.
استسهال القتل..
ولهذا السبب لا يهتموا بما فعلته أيديهم من قتل، ولا يخافون خوفا حقيقيا من الله، فخوفهم من الله صار خوفا من فقدان مكانتهم عند جماعتهم لا خوفا من الوقوف وحدهم أمام خالقهم، وهذا ما يفسر ذلك التكبر الغريب الذي نراه كل يوم في صراعنا معهم على مواقع التواصل الاجتماعي. فهم يتصرفون وكأن أحدا لن يسألهم عن كلمة قالوها، أو موقف اتخذوه لأن حسابهم مؤجل إلى يوم بعيد وجماعي لا يوم قريب وفردي، وهذا هو السبب في أنهم يستسهلون قتل الناس ويستسهلون الكذب ويستسهلون أن يرموا غيرهم بالجرائم التي فعلوها هم بأيديهم، فمن لا يشعر أنه سيقف وحده أمام الله لا يشعر أيضا أنه سيقف وحده أمام ضميره.
الإنسان الذي بنى حياته كلها على وهم يصعب عليه أن يعيش مع هذه الحقيقة، فحين يضع إنسان سنوات طويلة من عمره وشبابه في مشروع واحد فإن الاعتراف بفشله لا يعني أن يغير رأيه فقط بل يعني أن يعيد كتابة حياته من جديد، وهذا عبء كبير يفوق طاقة كثير من الناس. فيصير الإنكار عندهم أول وسيلة للدفاع عن النفس، وهو ليس كذبا يقصدونه بل محاولة يائسة ليحافظ الإنسان على نفسه أمام انهيار قريب.
وهذا ما يسميه علم النفس التنافر بين ما يعرفه الإنسان وما يريد أن يصدقه، فحين تصطدم الحقيقة الخارجية بقناعة راسخة في داخل الإنسان يميل عقله إلى تغيير نظرته للواقع بدل أن يغير قناعته، فبدل أن يقول أخطأت يقول العالم كله ضدي، أو الظروف لم تكن مناسبة أو الخيانة جاءت من الداخل، وكل هذه الأقوال تخدم هدفا واحدا وهو أن يحمي الإنسان نفسه من حقيقة صعبة.
وهناك أيضا سبب يتعلق بالجماعة، فحين يصير الإنسان جزءا من جماعة تشكل هويته كلها يصير نقد الجماعة عنده خيانة لها لا رأيا يخالفه، هذا هو حال الاسلامويون ومن شائعهم، فيصير سكوت الفرد منهم عن النقد ثمنا صغيرا يدفعه مقابل أن يبقى بينهم، وكلما تماسكت الجماعة حول قصة الإنكار كلما صعب على أحدهم أن يخرج منها وحده، لأنه سيخسر أهله وأصدقاءه ومعنى حياته كله دفعة واحدة.
قد يظن كثيرون أن هذه المكابرة كذب يقصدونه هم فقط، لكن الأمر أعمق من هذا فالإنسان الذي يعترف بأن حياته كلها كانت خطأ يواجه فراغا لا يعرف كيف يملؤه، فيختار أن يبقى داخل قصته القديمة رغم انهيارها بدل أن يواجه هذا الفراغ. وهنا يتحول الإنكار من كذب واضح إلى طريقة ينجو بها الإنسان من نفسه مثل من يمسك بأي شيء أمامه وهو غريق.
وفي النهاية هذا هو حال من يرفض أن يعترف بخطئه، لا يغير رأيه بنفسه ولا يراجع مشروعه بنفسه، ويصر على ان كل ما فعله كان صحيحا ومن صميم الدين، ويبقى متمسكا بما بناه إلى أن تنهار الأرض من تحته وحدها. عندها فقط يسقط ما رفض هو أن يهدمه بيده.
عصر السبت 8 أغسطس 2026
khssen@gmail.com
