لماذا نكتب رسائل لا نُرسلها؟

خيط النور
رسائل في القلب

ولماذا نُمسك بكلمات نعرف أنها قادرة على إزاحة حجرٍ من القلب، ثم نختار الصمت بدلًا عنها؟
هناك رسائل كتبناها أكثر من مرة، ثم محوناها، لا لأن الكلمات خانتنا، بل لأن الشجاعة تأخّرت. نتركها معلّقة في الداخل، مكتملة المعنى، صادقة الشعور، لكن يقف بينها وبين الوصول خوفٌ من التغيير، توقيتٌ مراوغ، أو وعيٌ متأخر بأن بعض الرسائل لا تُضيف شيئًا للعلاقة، بل تعيد تعريفها بالكامل. فنحتفظ بها لأنفسنا، نقرؤها في العتمة، ونُقنع قلوبنا أن الصمت كان الخيار الأهدأ، حتى وإن لم يكن الأرحم.
وليست كل الرسائل مكتوبة. بعضها كان نظرةً طالَت أكثر مما ينبغي، أو يدًا امتدّت ثم تراجعت، أو ابتسامةً أُجِّلت في لحظة كان يمكن لها أن تقول كلّ شيء. ورغم اختلاف أشكال هذه الرسائل، يظل الخوف والقيود الاجتماعية السبب الأكثر شيوعًا في صمتنا. هناك همسات قيلت بصوتٍ منخفض، وأخرى اكتفت بإيماءة صغيرة، لكنها لم تصل كما أردنا، فبقيت عالقةً بين القلب والشفاه، لا هي قيلت كاملة، ولا نُسيت. بين ما شُعر به… وما لم يُسمح له أن يُقال.
لا نُرسل بعض الملاحظات لأننا نخشى النتائج أكثر مما نشتاق للراحة. نخاف أن تُساء فَهْمنا، أو أن تُقابل مشاعرنا ببرودٍ لا يحتمل، أو أن نكتشف فجأة أن ما نحمله في داخلنا أكبر مما يستطيع الطرف الآخر استقباله.
أحيانًا لا نُخبئ اعترافاتنا الصغيرة، لأننا نعرف الإجابة مسبقًا، وأحيانًا لأننا لا نحتمل أي إجابة على الإطلاق. فنؤجلها، نخنقها، لا لأننا لا نريد البوح، بل لأننا نخاف مما سيحدث بعدها.
حتى أبسط الكلمات قد تصبح ثقيلة؛ كلمة شكر لم تُقل في وقتها، جملة عتاب قصيرة كنا نؤجلها مراراً، اعتراف عابر خجلنا من بساطته. نخاف من رد الفعل، من الإحراج، من أن نبدو أكثر صدقًا مما يسمح به السياق الاجتماعي، أحيانا مما تسمح به شخصياتنا، فنختار الصمت، ونقنع أنفسنا أن التجاهل أكثر أمانًا من الوضوح.
نقول: ليس الآن، ثم يمر الآن ويأتي بعده وقت آخر، حتى يصبح التوقيت الخاطئ عذرًا مهذبًا للكتمان. في مجتمعاتنا، تعلّمنا أن نزن كلماتنا أكثر مما نعيشها، وأن نؤجل مشاعرنا حتى لا نُتهم بالمبالغة أو الضعف. هكذا تتحول الرسائل المؤجلة إلى عادة، لا إلى استثناء.
بعض الهمسات تأخرت حتى فقدت معناها، وبعضها فقد أصحابها، وبقيت الكلمات وحدها بلا عنوان، تبحث عن قلب لم يعد في المكان نفسه. كلمات كان يمكن لها أن تُصلح، أو تُقرّب، أو تُخفف، لكنها ضاعت بين الخوف والمجاملات الاجتماعية.
الرسائل التي لم نرسلها لا تختفي، بل تظل حية فينا، كظلالٍ تتبع خطواتنا بصمت. نعيد قراءتها في عقلنا وقلوبنا، نستحضر كل كلمة، كل همسة، كل لحظة توقفت عند عتبة الشجاعة. أحيانًا تتحوّل إلى ندم يثقل الصدر، أو إلى أسئلة بلا إجابة تشدنا إلى الوراء، فتجعلنا نعيش الماضي مرارًا، وكأننا نعيد كتابة حياة لم تُعاش بالكامل. وفي بعض الأحيان، تصبح هذه الرسائل عبئًا خفيًا، نصًا ناقصًا في كتابنا الداخلي، لكنه يحمل بذرة إدراك، وذخيرة شعور، وتذكيرًا دائمًا بأن القلب أصدق من أي رسالة لم تصل.
ومع كل هذا الثقل الداخلي، نتعلّم أن بعض الكلمات تكفي لتُعاش في داخلنا، حتى وإن لم تُرسل لأحد. الكلمات التي لا نقولها لا تختفي، بل تتحول إلى ثِقل خفي نحمله في نظراتنا، في صمتنا الطويل، في ردودنا الباهتة، وفي تعب لا نعرف له سببًا واضحًا. هي الرسائل التي كتبتنا من الداخل، حتى وإن لم نكتبها على الورق.
وهكذا، يصبح الصمت في بعض الأحيان سجينًا لدوافعنا: الخوف من الرد، الخجل من الإفصاح، أو احترامًا لما يفرضه السياق الاجتماعي. حينها ندرك أننا نخشى المواجهة، ونرسم خطاً واضحاً بالمسافة بين رغبتنا في التعبير وبين جرأتنا على الوضوح. لكن تلك الرسائل، رغم ثقلها، تمنحنا أيضًا فرصة للنظر إلى أنفسنا بعمق، لفهم حدود صمتنا، ولإدراك أن بعض الكلمات، حتى وإن بقيت في الداخل، تحمل معناها الكامل، وتظل جزءًا حيًّا من مشاعرنا وتجاربنا.
وليست كل الرسائل بحاجة إلى أن تصل إلى شخص آخر؛ فبعضها يُكتب ليس ليُقال، بل ليُعاش داخلنا. هي مساحة نطلق فيها المشاعر المكبوتة، ونعطي الكلمات حقها في الوجود، حتى وإن بقيت حبيسة الورق أو الذهن. بعض الرسائل تصبح مجرد مرآة للروح، تتيح لنا التفاهم مع أنفسنا، وتخفف عن القلب عبء لم يُسمح له بالنطق. وجود الرسالة مكتوبة، ولو لم تُرسل، يكفي أحيانًا لتكون الراحة، والفهم، والبوح مكتملًا، دون الحاجة إلى مستلم يقرأها أو يردّ عليها.
كلنا نملك رسالة لم تُرسل؛ رسالة اعتذار لم تكتمل، رسالة حب خجلنا منها، رسالة شكر تأخرت، رسالة عتاب ظننا أن الصمت أكرم منها، أو رسالة لأنفسنا القديمة نخبرها فيها أن النجاة كانت أقرب مما ظنت. قد تختلف التفاصيل، لكن الشعور واحد، كأننا جميعًا نتقاسم درجًا سريًا مليئًا بالكلمات المؤجلة.
وربما لم نُبح بتلك الكلمات، لكن مجرد الإحساس بها كشف لنا هشاشتنا الإنسانية. بعض الكلمات لم تُخلق لتُقال ولا لتُقرأ، بل لتُفهم في عمقنا فقط.
فهل سنبقى نؤجل رسائلنا خوفًا من ردود الأفعال؟
ربما يعيش كل منا رسائله المؤجلة بين القلب والصفحات، بين الحنين والكلمات الخافتة! أهي كلمة حب لم تُقال، عناق لم يُعطَ، لمسة توقفت عند عتبة الشجاعة، أم رسالة صادقة تنتظر اللحظة المناسبة؟ ربما يكفي أن تُكتب فقط، لتظل معنا حيّة في مشاعرنا، تذكّرنا بأن القلب أصدق من أي رسالة لم تصل. وفي القلب، أحيانًا يكفي أن نسمح للكلمات أن تُعاش، حتى لو لم تُرسل، فالصمت أحيانًا أعمق من أي صوت، وأكثر شاعرية مما نتصور.

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …