لماذا يفر المرء من أخيه ؟ .. بقلم: د. عبد اللطيف البوني

بسم الله الرحمن الرحيم 
حاطب ليل 
بعد خروج حزب الامة بقيادة الصادق المهدي من الية الحوار الموسومة ب7 +7 ثم ظهور الشيخ الترابي بمظهر المتحمس للحوار سئل الشيخ الترابي عما إذا كان المطلوب من الحوار ان يمضي في اتجاه توحيد الحركة الاسلامية فرد الترابي لماذا لايكون في اتجاه توحيد كل السودانيين ؟ عندما سئل الاستاذ علي عثمان في صحيفة الراى العام نفس السؤال اجاب نفس الاجابة قائلا انهم يرمون لتوحيد كل السودانيين . لقد بدا لي ان كل الاسلاميين الذين اصبحوا الان حوالى  خمسة احزاب  اصبحوا رافضين لحكاية العودة لتنظيم واحد وعلى احسن تقدير يمكنهم العمل في شكل تحالف  في ظل تجمع مع اخرين 
الانشقاقات الحزبية لم يبداها الاسلاميون ولن يختموها ولكن الشاهد ان الانشقاقات في الاحزاب العقائدية كالحزب الشيوعي مثلا دوما تقوم على مرتكزات فكرية اي على افهام متباينة للنظرية التي كانت تجمع بينهم في حزب واحد لذلك يكون الصراع بينهم على اشده عندما يحدث الانقسام وقد قالها الراحل الاستاذ محمد ابراهيم  نقد للاستاذ ضياء الدين بلال ان الانقسام عبارة عن قطع في الشريان يجعله نازفا  ولكن الاسلاميين الان يقولون ان مرجعيتهم واحدة وانه لاخلاف فكري بينهم  كما انهم يعترفون بان الطموحات الشخصية لها دورها في الانقسام وعلى احسن الفروض خلافات في كيفية ادارة الحكم لان كل هذة الانشقاقات حدثت لهم وهم في السلطة فالامر في معظمه صرع على السلطة 
طيب ياجماعة الخير طالما ان الامر صراع على السلطة يمكن العمل على شكل من اشكال الاقتسام لها ولكن هذا ايضا  ليس مطروحا  وفي تقديري ان هذا يرجع للظرف السياسي العالمي والاقليمي فكلاهما لايسمحان بظهور تنظيم اسلامي حاكم قد يتعاملان مع نظام اسلامي قائم كامر واقع على امل افراغه من محتواه المرجعي والاسلاميون يعون ذلك جيدا وبالتالي يتوجب عليهم اذا اصروا على ممارسة العمل السياسي ان يتعاملوا مع هذا الظرف الدولي والاقليمي بكل وضوح بعيدا عن الدغمسة ليس المطلوب نزع المرجعية كما ينزع الثوب انما المطلوب تطبيق سياسات تستوعب الاخر وتفك الاحتكار السلطوي 
تلك السياسة الانفتاحية المشار اليها اعلاه تحتاج لمرجعية فكرية جديدة غير تلك التي اتى بها الاسلاميون للحكم عليه فان الامر يتطلب جراة على المراجعة ولاشك ان الكثير من الاسلاميين كافراد قد جهروا بتلك المراجعات لابل شيخ الترابي نفسه صدرت منه الكثير من المراجعات ولكن المطلوب الان المراجعة المؤسسية وهذه تحتاج لجراة والعقبات اماهها كبيرة فهناك المتشددون داخل التنظيم الحاكم ولكن الاخطر منهم المتشددون الخارج الدولاب السياسي فهؤلاء كانوا عونا لنظام الحكم  الذي لجا اليهم كثيرا لزوم التاجيج والتعبئة فاصبح من الصعوبة تجاوزهم على الاقل في الخطاب 
ان الغزل في التجربة التركية وتجربة الغنوشي في تونس وذكر مهاتير محمد في ماليزيا  لايكفي فان كان الاسلاميون يرون فيها المخرج من الازمة الفكرية لتي يعانون منها عليهم الاتجاه لها مباشرة ولايمكن ان تحاحي وتشرك في نفس الوقت والكلام الكثير يفسد العرض  
(ب )
فرية , ولكن اين اعلامنا ؟ 
فرية اغتصاب 200 امراة من نساء قرية تابت في شمال دارفور بواسطة جنود من القوات المسلحة اقامت الدني على السودان ولم تقعدها و(تورت نفس الحكومة) وقلبت المواجع على البلاد وجعلت الاعلام الرسمي في بلادنا والمتمثل في الناطقين الرسميين يلهثون وراء الادلة التي تبثت عدم صحة  الفرية ورغم كل هذا رفض الذين يحملون ضغينة على السودان والمتربصين به تصديق النفي لتسري الفرية مسرى الحقيقة في الطريق الممهد اصلا لشيطنة السودان والاصرار على تردي الاوضاع فيه  ودار فور بصفة خاصة هذة الفرية  خرجت من راديو دبنقا المختص في الشأن الدارفوري والممول تمويلا خارجيا نعم من راديو وليس من فضائية ليكون الخبر مصحوبا بالصورة حتى ولو كانت مفبركة 
بمجرد سماعها للنبا هرعت اليوناميد لمنطقة تابت للتحقق من الواقعة ولكن السلطات الحكومية المحلية منعتها بحجة انها لاتحمل اذنا فتعملقت الفرية لانها اصبحت مكونة جزئين خبر الاذاعة ثم خبر منع اليوناميد من التحقق فاضفى الخبر الثاني على الاول صبغة مصداقية لدرجة ان يان كي مون شخصيا تحدث عن الامر بصورة ادانة للسودان  وكذا فعل  الاتحاد الاوربي وبعض الدول الاروبية  ثم بعد عدة ايام سمحت الحكومة لليوناميد بالدخول في تابت للتحقق من الواقعة فطافت في ارجاء القرية وقابلت الاهالي ثم اصدرت بيانا قالت فيه انه لم تحدث اي عمليات اغتصاب في القرية ورفعت تقريرها للامم المتحدة لتصبح الفرية عيارا احدث دوشانا لدرجة الاصابة 
هذة البلاد بها عدة فضائيات بعضها مملوك ملكية خاصة  وبعضها تابع للدولة لكن الحكومة سيطرت عليها  والبلاد بها عدد كبير من الاذاعات الخاصة بالاضافة للإذاعات التي تملكها الدولة وسيطرت عليها الحكومة وبها عدد قياسي من الصحف الخاصة غير التابعة للدولة فلو تصدت اي واحدة منها لراديو دبنقا لكانت لها مصداقية عند  الناس في الداخل والخارج اكثر من الناطقين الرسميين حتى الاذاعة والتلفزيون اللتين تسيطر عليهما الحكومة لو سافر فريق منهما بدون اصطحاب اي مسؤل ومن اي درجة وقام ذلك الفريق بجولة في قرية تابت وبصورة مهنية سوف يقدم رسالة قابلة للتصديق اكثر بكثير من تصريحات الناطقين الرسميين  فما بالك لو ارسلت كل الفضائيات الخاصة وكل الصحف فرق منها ثم جابت المنطقة وكل واحدة منها عكست الواقع بطريقتها ؟ من المؤكد اننا كنا سنكون امام طوفان يغرق فرية راديو دبنقا تقنع الجبهة الداخلية وتحرج الرافضين للتصديق خارجيا 
لاادري ان كانت هناك صحيفة خاصة او قناة خاصة او اذاعة خاصة قد فكرت في عمل تغطية خاصة لاحداث تابت بعيد عن الحكومة ولكن اغلب الظن انه لم يحدث لان الحكومة قمعت ودجنت الاعلام المستقل عنها فاصبح الخوف  صفة لازمة لها مما منعها من اي مبادرة والان تدفع الحكومة ثمن ذلك التدجين والقمع لانها لم تجد لها عونا على راديو دبنقا . نعم راديو دبنقا ليس مستقلا ولكن العاملين فيه يتمتعون بحرية نسبية تجعلهم يبادرون ويقيمون الدنيا ولايقعدونها 
في تقديري ان احداث قرية تابت قد اعطت الحكومة فرصة لكي تعيد النظر في سياستها الاعلامية عليها ان تطلق يد الاعلام الخاص وتترك سياسة الاحتواء والتدجين والقمع التي تمارسها تجاه هذا الاعلام وانني لعلى ثقة من انه سيكون عونا لها في مواجهة الاعلام الخارجي المتربص بالسودان وذلك لسبب بسيط وهو ان الملاك و العاملين في هذه الاجهزة الاعلامية الخاصة وطنيون متمسكون بجمرة هذا الوطن ومهنيون بغض النظر عن موقفهم من الحكومة 
(ج )
الضابط الاداري ., هل من عودة ؟
يظن بعض الناس وليس كل الظن اثم انه لاسبيل للمشاركة الشعبية في الادارة الي عن طريق الحكم اللامركزي  (الفدرالي ) رغم ان هذا الاسلوب من الحكم (خشم بيوت) اي له اشكال مختلفة فهناك ما يعرف بالحكم المحلي والذي كان السودان قد جربه طويلا وكان ناجحا وملائما لظروف البلاد ولكن الطموحات غير المرشدة اودت به  وهناك الحكم الاقليمي الذي طبق على جنوب السودان بعد اتفاقية اديس اببا 1973 ولكن الخلافات الجنوبية / جنوبية اودت به الحكم المحلي في ابسط معانيه هو اشراك المواطن في ادارة شئونه المحلية ولكن سقفه السياسي ليس مرتفع نعم يمكن يكون هناك تنافس على اساس سياسي لعضوية ورئاسة المجالس الريفية والبلدية ولكن يظل الضابط الاداري هو الاداة التنفيذية الوحيدة وكما هو معلوم ان الضابط الاداري كانت ومازالت وظيفة كبيرة تبدا بالمؤهل الجامعي وامتحان قدرات ثم تاهيل متقدم لانه سيكون الحاكم الفعلي ويمثل سياسة الدولة العليا في منطقته الادارية  وليس الحكومة فسياسيا يجب ان يكون في منتهي الحيدة 
الدكتور جعفر محمد علي بخيت عالم الادارة السوداني الكبير والذي ظلمه التاريخ ظلما بينا اذ اكتفى بنسبته لنظام نميري متناسين دارساته الاكاديمية العميقة وتجاربه الثرة في الحكم المحلي وهذة قصة اخرى المهم جعفر بخيت وجد فرصة طيبة في تطيبق نظرياته المتطورة  في الحكم المحلي في فترة مايو وكانت نظرياته مبنية على دراسة متعمقة . كان جعفر بخيت يرى ان تصل صلاحية المجالس المحلية مرحلة ان تكون مصدر دخلها كل الضرائب التي تفرضها الدولة على كل السلع حتى ضريبة البيبسي التي يشربها الناس في منطقة يكون عائدها لنفس المنطقة اما بنود الصرف فتشمل اقامة الطرق والمستشفيات حتى مطارات لو دعا الامر وتوفرت الامكانيات وكان الضابط الاداري هو الاداة التنفيذية والمسؤل عن الجانب الفني لانه يراس كافة موظفي الدولة في المنطقة المعنية 
وصلت افكار جعفر بخيت من التطبيق مرحلة مجالس المناطق 1976 –الملاحظ ان الوحدات الادارية القائمة الان هي نفس مجالس المناطق في ذلك التاريخ ولكن الفرق بينهما ان مجلس المنطقة كان على راس سلطته التنفيذية ضابط اداري في الدرجة ( بي) وهو تنكنوقراط يتبع للدولة اما الوحدة الادارية القائمة حاليا فيقوم عليها معتمد وهي وظيفة دستورية تابعة للحكومة وليس للدولة اي اصبحت وظيفة سياسية  لديها قابلية عالية  لكل الامراض السياسية الا من رحم ربي 
الان اكتشفت الحكومة واعترفت بان الانتخابات على وظيفة الوالي هيجت  القبليات والجهويات وكافة الولاءت التقليدية مما هدد النسيج الاجتماعي والامن القومي واصبحت مسالة الغاء انتخابات الولاه  مسالة وقت ولكن حتى يتكمل تجنب اضرار الحكم اللامركزي لابد من اعادة النظر في الحكم المحلي ببساطة لان الوحدات الادارية في كثير من انحاء السودان تحولت الي وحدات قبلية لابل كثير من الوحدات انشئت لترضيات قبيلة وكذا وظيفة المعتمد دخلت الترضيات القبلية بالضرورة وفي تقديري انها وظيفة لاتقل خطورة  عن وظيفة الوالي بل اخطر لانها تعمل على  المستوى المحلي المباشر لانه اصبح يملك العلم والقلم لذلك فاننا هنا ندعو للعودة لنظام مجالس المناطق التي يكون على راسها ضابط اداري –تكنو قراط- يملك القلم وليس لديه علم  -سلطة سياسية- يرهب بها ويعزل بها سياسيا ثم يعبث كما يشاء ويغذي كل الولاءات غير المرغوب فيها 
(د )
خروج من الكرنيتة 
عندما ظهر الغاز الطبيعي في هولندا في زمن مضى تركت البلاد صادراتها المعروفة من البان واجبان وازباد –هذة من زبدة – واغرقت اوربا بالغاز  وامتلات خزائنها بالاموال وبما ان  الغاز سلعة ناضبة وغير متجددة نفد الغاز منها فلم يكن امامها سبيل الا الرجوع  الي صادرا تها التقليدية ولكنها وجدت كل البنيات الاساسية لها قد تحطمت بينما اموال الغاز ذهبت للجيوب ولمشاريع اخرى لا صلة لها بتلك الصادرات فدخل الاقتصاد الهولندي غرفة العناية المكثفة واحتاجت لزمن طويل للتعافي ومن هنا نشا مصطلح الداء الهولندي 
نحن في السودان  لم نتعظ من الحالة الهولندية التي يعرفها كل من يعرف الف باء الاقتصاد وقد اعدنا انتاج الداء الهولندي بصورة ابشع وافظع فالذي حدث في هولندا قامت به الشركات ولكن في السودان قامت به الدولة ممثلة في الحكومة فعندما ظهرت لنا شوية براميل نفط تحولنا الي دولة ريعية وكاننا نضخ في اليوم ملايين البراميل من البترول . المهم في الامر ان السيد الاسود النشوان قد رافقنا لمدة عقد من الزمان ثم خرج بانفصال الجنوب وان شئت قل استقلال الجنوب ثم كان الخروج الكبير بانهيار دولة الجنوب لتتوقف دولارات خط الانابيب والاهم مال التعويض المرتبط بصادر الجنوب من النفط وهكذا اصبحت الحكاية (ميتة وخراب ديار) وكان يفترض ان يبرز مصطلح الداء السوداني كحالة حادة من الداء الهولندي لكن العالم يحسدنا حتى في البطالة !!!
منذ خروج النفط وبلادنا حائر بها الدليل في كيفية الرجوع لما قبل النفط فكل البنيات الزراعية مع ضعفها وهشاشها قد انتهت المدخلات الزراعية اصبحت نار الله الموقدة  ليصبح البرنامج الثلاثي مجرد حبر على ورق ولكن من حيث لانحستب من الله على بلادنا بخريف لم تشهد له مثيلا منذ استقلالها لقد غطت الامطار حتى السافنا الفقيرة وبمعدلات كبيرة وعلى مدى زمني طويل فتحولت البلاد الي بستان اخضر وكل من بذر بذرة ومن اي محصول لم يخيب الله ظنه اذ انبتت واثمرت  بالمناسبة الزراعية الاسرية اي ذلك النوع الذي يمول من المدخرات الخاصة هي الغالبة في السودان فاصبح لدينا سبعة ملايين طن من الذرة ورقم قياسي في السمسم والدخن والفول السوداني اما القطيع السوداني المكون من 150 مليون راس قابل للزيادة الكبيرة بفعل الخريف الطيب  فقد سرح ومرح ومازال في عشب مجاني  سوف يسلمه للخريف القادم  مش كدا وبس حتى القطن رغم انه زرع في مساحة تقدر باربعين الف فدان فقط  في الجزيرة الا انتاجة يفوق ماتنتجه مائتي الف فدان وهذا بسبب القطن المحور وراثيا والامطار 
فيا جماعة الخير الان اصبحت لدينا فرصة للتعافي من الداء الهولندي وان شئت قل السوداني فما انتجته بلادنا من محاصيل يفوق ما كانت تنتجه قبل النفط ولكن هذة الفرصة يمكن ان تضيع اذ يمكن ان تبقى  القناديل في امها دون حصاد اذا تدنت الاسعار و (ضرب السوق الدلجة ) فالمطلوب تدخل الدولة باعجل ما تيسر وتعلن سعر تركيز وتفتح مخازنها لشراء المحاصيل حتى ولو فعلت بذلك بتمويل عن طريق العجز ثم بعد ذلك تبحث عن الاسواق الخارجية وهي على قفا من يشيل . الدولة الان تقدم رجل تؤخر رجل في هذا الموضوع اذ اكتفت باعلان الاسعار التشجيعية  دون خطوات عملية  اخشى ما اخشاه ان يكون وراء هذا الامر لعبات وافراد ومؤامرات وحاجات تانية حامياني ليبشر الداء الهولندي بطول سلامة –لاقدر الله – 
عبد اللطيف البوني
aalbony@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً