باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 10 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

لماذا يفشل السلام كل مرة في السودان؟

اخر تحديث: 10 سبتمبر, 2026 4:43 مساءً
شارك

لماذا يفشل السلام كل مرة في السودان؟ من مؤتمر المائدة المستديرة واعلان الميرغني–قرنق مروراً بنيفاشا وابوجا والدوحة وصولاً إلى جوبا وجدة: تشخيص تاريخي مؤسس على الأدلة لأزمة الحوار والسلام وإعادة إنتاج الحرب

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يكشف التاريخ الطويل للحوار والسلام في السودان منذ الاستقلال أن البلاد لم تعانِ من نقص في مبادرات السلام أو المؤتمرات أو الاتفاقيات، وإنما من عجز متكرر عن تحويل هذه المبادرات إلى تسويات وطنية مستدامة تعالج جذور إنتاج الحرب. فمن مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الإثني عشر عام 1965، مروراً باتفاقية أديس أبابا عام 1972، وكوكادام عام 1986، ومبادرة الميرغني–قرنق عام 1988، ومفاوضات التسعينيات واتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، ثم اتفاقية السلام الشامل عام 2005، واتفاقيات أبوجا وشرق السودان والدوحة، واتفاق جوبا عام 2020، وصولاً إلى جدة ومسارات التفاوض بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، تكرر نمط أساسي يتمثل في القدرة على التوصل إلى اتفاقات جزئية أو مؤقتة، مقابل العجز عن إعادة تنظيم بنية الدولة والقوة والاقتصاد السياسي التي تعيد إنتاج الصراع.

ولا يعني ذلك أن جميع الاتفاقات كانت فاشلة بالكامل. فقد أوقفت اتفاقية أديس أبابا الحرب الأهلية الأولى لنحو أحد عشر عاماً، وأنهت اتفاقية السلام الشامل الحرب بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، ومهدت لاستفتاء تقرير المصير الذي أدى إلى استقلال جنوب السودان، كما أسهم اتفاق شرق السودان في تخفيف الحرب المسلحة في الإقليم. وحققت بعض الهدن مكاسب إنسانية مؤقتة. لكن هذه الإنجازات بقيت محدودة من حيث الزمن أو الأطراف أو النطاق الجغرافي، ولم تتحول إلى نظام وطني قادر على منع ظهور حروب جديدة. ومن ثم فإن المشكلة التاريخية ليست أن السودان لم يستطع مطلقاً إيقاف حرب، بل أنه لم يستطع بناء سلام ذاتي الاستدامة يعيد تشكيل الدولة بحيث تصبح العودة إلى الحرب أقل جاذبية وأعلى تكلفة من الالتزام بالتسوية السياسية.

بدأت المشكلة بوضوح في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965. فقد عُقد المؤتمر في الخرطوم بعد أن كان مقرراً عقده في جوبا، وشارك فيه ممثلون جنوبيون وأحزاب سياسية شمالية، وانتهى إلى مأزق سياسي بدلاً من اتفاق نهائي، ثم أُنشئت لجنة الإثني عشر لمواصلة البحث في الحلول الدستورية والإدارية. كان الخلاف أعمق من مجرد تحديد مقدار الحكم الذاتي الذي يمكن منحه للجنوب؛ فقد كان يتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها، وبالعلاقة بين المركز والأقاليم، وبالمساواة بين مكونات المجتمع، وبالفيدرالية وتقرير المصير. وكانت المشكلة أن قطاعات مهمة من النخبة تعاملت مع النزاع بوصفه «مشكلة جنوبية»، بينما رآه كثير من الجنوبيين أزمة في طريقة تأسيس الدولة وإدارتها.

أصبحت لجنة الإثني عشر مثالاً مبكراً على محاولة تحويل أزمة سياسية وأمنية عميقة إلى مسألة فنية يمكن حلها من خلال لجنة. عقدت اللجنة عشرات الاجتماعات ودرست القضايا الدستورية والإدارية والاقتصادية، لكنها لم تمتلك الإرادة السياسية أو القوة المؤسسية اللازمة لتحويل توصياتها إلى تسوية. واستمرت الحرب أثناء الحوار، بينما كانت الحكومات والأحزاب الشمالية تتصارع على السلطة، ولم تكن الحركة المسلحة الجنوبية مستعدة للتخلي عن قدرتها العسكرية في غياب ضمانات موثوقة. وهكذا ظهر مبكراً نمط سيظل يتكرر: الاتفاق على دراسة المشكلة من دون الاتفاق على إعادة توزيع السلطة التي تجعل نتائج الدراسة قابلة للتنفيذ.

كانت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 تجربة أكثر نجاحاً، لأنها أنهت الحرب الأهلية الأولى وأقامت حكماً إقليمياً في الجنوب وترتيبات أمنية ساعدت على استقرار الوضع لنحو عقد. إلا أن هذا النجاح كشف هشاشة السلام عندما يعتمد على إرادة الحاكم بدلاً من مؤسسات مستقلة تحمي الاتفاق. فقد ظل مفهوم الحكم الذاتي محل اختلاف، وكانت السلطات الاقتصادية والتنموية للإقليم محدودة، ولم تُحل بصورة نهائية إشكالات العلاقة بين القوات الجنوبية والقوات المسلحة الوطنية. كما ظل تنفيذ الترتيبات مرتبطاً بدرجة كبيرة بإرادة نظام جعفر نميري.

عندما تغير توجه النظام نحو المركزية والإسلام السياسي، وأعيد تقسيم الجنوب وأُضعفت مؤسسات الحكم الإقليمي، انهارت الأسس السياسية للاتفاق وعادت الحرب عام 1983. وبذلك أظهرت أديس أبابا أن وقف القتال ممكن حتى في ظل نزاع عميق، لكن السلام يصبح هشاً إذا لم يتحول الاتفاق إلى مؤسسات قادرة على الصمود أمام تغير القيادة وموازين القوة. فالسلام الذي يعتمد على شخص الحاكم أو توازن مؤقت بين النخب يظل معرضاً للانهيار عندما تتغير حسابات القوة.

بعد سقوط نميري عام 1985 ظهرت فرصة لإعادة تعريف الحرب باعتبارها قضية وطنية. جاء اجتماع كوكادام عام 1986 ليطرح مجموعة من المبادئ أكثر عمقاً من الصيغ السابقة، بما في ذلك رفع حالة الطوارئ، وإعادة النظر في قوانين سبتمبر، والدعوة إلى مؤتمر دستوري قومي، ووقف إطلاق النار، والتعامل مع الحرب بوصفها قضية سودانية شاملة. وكانت أهمية كوكادام أنه نقل النقاش من سؤال كيفية إدارة «مشكلة الجنوب» إلى سؤال طبيعة الدولة التي يمكن أن يعيش فيها السودانيون المختلفون على أساس المساواة.

لكن كوكادام لم يتحول إلى اتفاق نافذ، لأن التوافق على المبادئ لم يصاحبه تغيير في موازين القوة والمؤسسات القادرة على التنفيذ. وتكرر الأمر بصورة أكثر وضوحاً في مبادرة الميرغني–قرنق عام 1988، التي ربطت وقف الحرب بالمؤتمر الدستوري القومي، وهدفت إلى معالجة القضايا الوطنية لا الجنوبية فقط. وكانت المبادرة من أكثر المحاولات اقتراباً من تسوية سياسية شاملة، لكنها لم تُنفذ قبل انقلاب يونيو 1989. وبذلك ظهر فارق جوهري بين الاتفاق السياسي والتسوية السياسية: الاتفاق يمكن أن يجمع قيادات حول نص، أما التسوية فتحتاج إلى تغيير فعلي في قواعد السلطة يجعل الالتزام بالاتفاق أكثر منفعة وأقل خطراً من خرقه.

في التسعينيات اتخذت عملية السلام شكلاً مختلفاً. فبعد مفاوضات أبوجا ومسارات الهيئة الحكومية للتنمية، جاء إعلان مبادئ عام 1994 ليضع عدداً من القضايا الجوهرية في مركز النقاش، ومنها تقرير المصير، والمساواة، والتعدد الديني والثقافي، والحكم الذاتي، والدولة الديمقراطية، وتقاسم الثروة، وحقوق الإنسان واستقلال القضاء. وكان ذلك تطوراً مهماً في تشخيص المشكلة، لكنه كشف أيضاً أن جوهر النزاع يتعلق بطبيعة الدولة وليس فقط بتوزيع المناصب.

أما اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، فقد وقعتها الحكومة مع عدد من الفصائل الجنوبية، لكنها لم تشمل الحركة الشعبية الرئيسية بقيادة جون قرنق. لذلك لم يكن الاتفاق قادراً على إنهاء الحرب، لأن الأطراف التي تملك القوة العسكرية والسياسية الكافية لم تكن كلها جزءاً من التسوية. كما أظهر الاتفاق مشكلة أخرى تتمثل في الخلط بين كثرة التوقيعات واتساع قاعدة الشرعية. فعدد الفصائل الموقعة لا يعني بالضرورة أنها تمثل السكان أو تمتلك القدرة على تنفيذ الاتفاق أو ضبط القوات الموجودة على الأرض.

مثلت اتفاقية السلام الشامل عام 2005 أكبر نجاح تفاوضي في تاريخ السودان الحديث. فقد أنهت الحرب الشمالية–الجنوبية، وأقامت فترة انتقالية، ونظمت تقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية، وأتاحت تقرير المصير للجنوب. ولذلك لا يمكن اعتبارها فشلاً كاملاً. لكنها بقيت اتفاقاً ثنائياً أساساً بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، ولم تتحول إلى عملية لإعادة تأسيس الدولة السودانية بأكملها. بقيت دارفور ومناطق أخرى خارج مركز التسوية، واستمرت مشكلات أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ولم تُحل بصورة كافية مسائل التحول الديمقراطي والأمن والاقتصاد السياسي للدولة.

أظهر مسار ما بعد 2005 أن إنهاء حرب بين طرفين لا يساوي بناء نظام يمنع الحروب الأخرى. فقد انتهت الحرب الشمالية–الجنوبية، لكن الصراع استمر في دارفور، ثم تصاعدت أزمات أخرى، وانتهى الأمر باستقلال جنوب السودان عام 2011. وبعد الاستقلال اندلعت بدورها حرب أهلية داخل جنوب السودان، وهو ما يوضح أن اتفاق السلام يمكن أن يحل نزاعاً معيناً دون أن يحل المشكلات البنيوية التي تنتج العنف السياسي.

بعد ذلك اتجهت عمليات السلام إلى التجزئة الجغرافية، فأصبحت دارفور والشرق وغيرهما ملفات منفصلة. في دارفور أُبرمت اتفاقية أبوجا عام 2006 مع الحكومة وفصيل حركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي، بينما بقيت حركات رئيسية خارج الاتفاق. ولذلك ضعفت شرعية الاتفاق وقدرته على إنهاء الحرب منذ البداية. لم تكن المشكلة مجرد غياب بعض الموقعين، بل أن الاتفاق لم ينجح في خلق تسوية تجعل الأطراف غير الموقعة ترى أن الانضمام إلى السلام أكثر فائدة من الاستمرار في القتال.

وفي شرق السودان أسهم اتفاق 2006 في إنهاء المواجهة المسلحة، لكنه واجه مشكلات في تحويل الترتيبات المتعلقة بالحكم والثروة والتنمية إلى تغييرات مستدامة. أما وثيقة الدوحة عام 2011 فقد قدمت إطاراً أكثر شمولاً لقضايا دارفور، بما في ذلك السلطة والثروة والعدالة والتعويضات والعودة والحوار الداخلي، لكنها لم تصبح تسوية نهائية لأن حركات رئيسية ظلت خارجها واستمرت الحرب. وهكذا أنتج تقسيم النزاعات إلى ملفات إقليمية اتفاقات يمكن أن تخفف النزاع في منطقة معينة، لكنها لا تعالج العلاقة بين المركز والأقاليم ولا الاقتصاد السياسي الذي يجعل التمرد وسيلة للوصول إلى الموارد والسلطة.

جاء اتفاق جوبا للسلام عام 2020 بعد الثورة وسقوط نظام البشير، وكان يفترض أن يمثل انتقالاً من الحرب إلى بناء دولة ديمقراطية. تناول الاتفاق قضايا التهميش وتقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية والعودة والتعويضات. لكنه واجه تناقضاً جوهرياً، إذ حاول دمج عدد من الحركات المسلحة في المؤسسات الانتقالية بينما بقيت مراكز القوة المسلحة الأساسية قائمة ومستقلة بدرجات كبيرة.

وكانت الترتيبات الأمنية من أكثر عناصر الاتفاق تعثراً. فلم يتحقق في الوقت المطلوب نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، ولا توحيد القوات بصورة كاملة، ولا بناء جيش وطني واحد خاضع للسلطة المدنية. وهذا ليس مجرد خلل تقني، لأن بناء ترتيبات أمنية موثوقة يمثل جوهر مشكلة الالتزام في اتفاقات السلام. فإذا ظل السلاح موزعاً بين قوى متعددة، فإن كل طرف يظل خائفاً من أن يستخدم الآخر القوة مستقبلاً لتغيير الاتفاق.

ولا يصح اعتبار اتفاق جوبا سبباً مباشراً وحيداً للحرب التي اندلعت في أبريل 2023، لكنه لم ينجح في حل إحدى أهم المشكلات التي جعلت الدولة السودانية قابلة للانفجار: تعدد مراكز القوة المسلحة واستقلالها السياسي والاقتصادي. وبذلك ظل التداخل بين السلاح والسياسة والاقتصاد قائماً حتى بعد توقيع اتفاق السلام.

أظهرت حرب 15 أبريل 2023 مشكلة السلام السوداني بأوضح صورة، لأنها اندلعت بين قوتين عسكريتين كبيرتين هما القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في ظل شبكة واسعة من القوى السياسية والمسلحة والاجتماعية والإقليمية. لم يعد النزاع مجرد حرب بين الحكومة وحركة متمردة إقليمية، بل أصبح صراعاً على مركز الدولة وعلى القوة العسكرية والاقتصاد السياسي والسيطرة على مؤسسات الدولة.

جاءت منصة جدة في محاولة للتوصل إلى ترتيبات لوقف القتال وحماية المدنيين والوصول الإنساني، لكنها لم تكن في الأصل تسوية سياسية شاملة. وواجهت الهدن مشكلة أساسية تمثلت في أن الطرفين لم ينظرا إليها باعتبارها خطوة محايدة نحو السلام، بل باعتبارها جزءاً من حسابات الحرب. كان كل طرف يخشى أن يستغل الآخر الهدنة لإعادة الانتشار أو الحصول على الإمدادات أو تحسين موقعه العسكري والسياسي.

كما أضعفت هشاشة آليات المراقبة والتنفيذ، وانعدام الثقة، وغياب الترتيبات القابلة للتحقق، قدرة الهدن على التحول إلى وقف مستدام للحرب. وتضاعفت المشكلة بسبب تعدد الوسطاء وتضارب المصالح الإقليمية، بحيث أصبحت الحرب السودانية جزءاً من بيئة إقليمية ودولية أوسع، ولم يعد التفاوض بين الطرفين السودانيين وحده كافياً.

تكشف هذه التجارب مجتمعة أن جذور الفشل لا يمكن تفسيرها بعامل واحد. فمن منظور معضلة الالتزام، تخشى الأطراف المسلحة أن يؤدي التخلي عن السلاح إلى جعلها عرضة للهزيمة أو الانتقام في المستقبل. ومن منظور مشكلة المخربين، توجد داخل الدولة والحركات والأحزاب والشبكات الاقتصادية قوى قد ترى أن استمرار الحرب أو انهيار الاتفاق يخدم مصالحها أكثر من السلام. ومن منظور الاقتصاد السياسي، يمكن أن يصبح السلاح مصدراً للسلطة والموارد والامتيازات، فتتراجع جاذبية السياسة المدنية أمام اقتصاد الحرب.

كما تكشف التجربة أن كثيراً من عمليات السلام كانت عمليات نخبوية. يجلس القادة السياسيون والعسكريون إلى طاولة التفاوض، بينما يكون تمثيل النساء والشباب والنازحين والضحايا والمجتمعات المحلية والمجتمع المدني محدوداً أو رمزياً. وهذا يضعف شرعية الاتفاق ويقلل قدرته على معالجة النزاعات المحلية التي لا تظهر بالضرورة في المفاوضات المركزية.

ويظهر كذلك أن ترتيب تنفيذ الاتفاقات مسألة حاسمة. فالانتقال السريع إلى الانتخابات أو توزيع المناصب قبل معالجة المخاوف الأمنية وبناء المؤسسات قد يزيد احتمال عودة العنف. وإذا كانت الدولة لا تملك احتكاراً فعلياً ومشروعاً للقوة، فإن الانتخابات نفسها يمكن أن تصبح مرحلة جديدة من الصراع على السيطرة على الدولة.

ومن خلال المقارنة بين الاتفاقات، يظهر أن السودان حاول في أحيان كثيرة توزيع السلطة قبل توحيد أدوات القوة. جرى التفاوض على الحكم الذاتي، والمقاعد البرلمانية، والمناصب الوزارية، وتقاسم الموارد، والاستفتاءات، والتعويضات، وترتيبات دمج القوات، لكن السؤال الأساسي ظل مؤجلاً: من يملك الدولة ومن يحتكر القوة المسلحة تحت سلطة مدنية مشروعة؟

وتتجاوز المشكلة مسألة عدد الجيوش إلى الاقتصاد السياسي للمؤسسات العسكرية وشبه العسكرية. فحتى عندما تُدمج القوات شكلياً، يمكن أن تظل لها مصالح اقتصادية وشبكات تجارية ومصادر تمويل مستقلة، بما يسمح لها بالحفاظ على استقلالها السياسي. ولذلك فإن إصلاح القطاع الأمني لا يمكن أن يكون مجرد دمج أعداد من المقاتلين في مؤسسة عسكرية، بل يجب أن يشمل القيادة والتمويل والملكية الاقتصادية والعقيدة والرقابة المدنية والقانونية.

وتظهر مراجعة التجارب أيضاً عدداً من الأفكار المضللة. فليس صحيحاً أن جميع اتفاقات السلام فشلت بالكامل، لأن بعضها أوقف حروباً فعلية لفترات طويلة. وليس صحيحاً أن السودانيين لا يعرفون الحوار، لأنهم أنتجوا مبادرات ووثائق متقدمة. كما أن التدخل الخارجي، رغم أهميته، لا يفسر وحده الفشل، لأن مبادرات سودانية داخلية فشلت أيضاً. وفي المقابل، ليس صحيحاً أن الحركات المسلحة كانت دائماً مجرد كيانات تبحث عن المال والسلطة، لأن كثيراً منها نشأ حول مظالم حقيقية، وإن كان ذلك لا يعني أن جميع ممارساتها أو ممارسات قادتها كانت ديمقراطية أو خالية من المصالح.

كما أن توقيع القيادات لا يعني نهاية الحرب، والانتخابات لا تعوض السلام، والانتصار العسكري لا يعالج بالضرورة جذور الصراع. ولا تعني المفاوضات مساواة أخلاقية بين جميع الأطراف؛ فقد يكون التفاوض ضرورياً لإيقاف الحرب مع استمرار المساءلة عن الانتهاكات. كذلك فإن استبعاد جماعة سياسية أو عسكرية من الحوار لا يكون حلاً تلقائياً، بل ينبغي التمييز بين المساءلة عن الجرائم وبين بناء عملية سياسية تضع قواعد واضحة للمشاركة والشرعية.

وتشير الأدلة التاريخية والمقارنة إلى أن السودان يحتاج إلى هندسة سلام متعددة المراحل بدلاً من مؤتمر واحد. تبدأ هذه الهندسة بوقف فعلي ومستدام لإطلاق النار، مدعوم بآليات مستقلة للتحقق والمراقبة، وخرائط واضحة للقوات، وخطوط اتصال مباشرة، وترتيبات لمعالجة الخروقات. ثم تأتي حماية المدنيين والوصول الإنساني واستعادة الخدمات الأساسية وتهيئة شروط العودة الآمنة والطوعية للنازحين.

بعد ذلك ينبغي أن يبدأ المسار السياسي بصورة أوسع من التفاوض بين القوتين المسلحتين. يجب أن يشمل القوى المدنية الديمقراطية، والأقاليم، والنساء، والشباب، والنقابات والمجتمع المدني، والضحايا والنازحين والمجتمعات المحلية، مع جعل المشاركة حقيقية قادرة على التأثير في الأجندة والقرارات وليس مجرد إضافة أسماء إلى قاعة التفاوض.

وفي قلب العملية يجب وضع إعادة بناء القطاع الأمني. الهدف ليس إنشاء ترتيبات مؤقتة لتعايش جيوش متعددة، وإنما بناء جيش وطني واحد مهني خاضع لسلطة مدنية، مع إنهاء وجود الجيوش الحزبية والقوات شبه العسكرية المستقلة سياسياً واقتصادياً. ويجب أن يتزامن ذلك مع نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج بصورة واقعية ومدروسة.

ولا يمكن فصل السلام عن الاقتصاد. فإذا ظل حمل السلاح أكثر ربحاً من السياسة المدنية، فإن أي اتفاق سيظل معرضاً للانهيار. ولذلك ينبغي إصلاح الشركات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية، وضبط تجارة الذهب والموارد، ومراقبة التمويل الخارجي، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، وبناء موازنة دولة شفافة وخاضعة للرقابة.

أما العدالة الانتقالية فينبغي ألا تُعامل باعتبارها بديلاً عن السلام أو شيئاً يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. المطلوب مسار متوازٍ يجمع المساءلة عن الجرائم الجسيمة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، مع منع تحويل العدالة إلى أداة انتقام سياسي. فالسلام الذي يتجاهل الضحايا قد ينجح في توقيع اتفاق بين النخب لكنه يفشل في بناء شرعية اجتماعية طويلة الأجل.

ثم يأتي الاتفاق الدستوري بوصفه إعادة تعريف للدولة نفسها، وليس مجرد توزيع للمناصب. يجب أن يجيب عن شكل الدولة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وحدود سلطة الجيش، واستقلال القضاء، وإدارة الموارد، وقواعد التنافس السياسي، ومنع قيام دولة موازية داخل الدولة.

توضح تجربة عام 2026 أن هناك محاولة لإعادة تنظيم البيئة الدولية والإقليمية للوساطة، من خلال تنسيق أكبر بين الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، مع الدفع نحو حوار سوداني–سوداني أكثر شمولاً. كما عكست اللقاءات الدولية، ومنها مؤتمر برلين، محاولة للجمع بين المساعدات الإنسانية والمسار السياسي وإعطاء المدنيين دوراً أكبر. لكن التحدي التاريخي بقي قائماً: من يمثل السودان؟ ومن يحدد أجندة الحوار؟ وكيف يمكن منع الحوار من التحول إلى غطاء سياسي لأي طرف مسلح؟ وكيف يمكن ضمان عدم استبعاد قوى اجتماعية وسياسية حقيقية؟

والفرصة الجديدة لا تكمن في تغيير مدينة التفاوض من جدة إلى جنيف أو أديس أبابا أو القاهرة أو برلين، لأن تغيير المكان لا يغير بنية الصراع. الفرصة تكمن في تغيير طبيعة العملية نفسها: من صفقة بين النخب المسلحة إلى عملية لإعادة تأسيس الدولة، ومن اتفاق ينتهي عند التوقيع إلى نظام مستمر للمراقبة والتنفيذ والتعلم والتعديل.

وتقدم التجربة السودانية أساساً لعشرة مبادئ للسلام المستدام. أولها الفصل بين وقف الحرب والتسوية السياسية مع ربطهما زمنياً ومؤسسياً. وثانيها جعل وقف إطلاق النار قابلاً للقياس والتحقق. وثالثها معالجة المخاوف الأمنية بصورة متوازنة قبل مطالبة أي طرف بالتخلي عن أدوات قوته. ورابعها توسيع التفاوض ليشمل أصحاب المصلحة المتأثرين بالحرب. وخامسها جعل مشاركة المجتمع المدني مؤثرة في الأجندة لا احتفالية.

وسادس المبادئ وضع إصلاح الجيش والأمن في قلب الاتفاق وليس في هامشه. وسابعها عدم تحويل حمل السلاح إلى طريق تلقائي للحصول على المناصب والموارد. وثامنها إنشاء آلية تنفيذ مستقلة ذات مؤشرات وجداول زمنية ونظام علني لمتابعة التنفيذ. وتاسعها توفير تمويل واضح لتنفيذ الاتفاقات. وعاشرها إنشاء نظام للتعلم المستمر يسمح بتعديل البنود وفق البيانات المستقلة ومؤشرات التنفيذ بدلاً من انتظار انهيار الاتفاق بأكمله.

وتخلص التجربة التاريخية إلى أن المشكلة لم تكن كثرة الحوار، وإنما طبيعة الحوار. فقد اقترب السودان في لحظات عديدة من تسويات عميقة: المائدة المستديرة أدركت الحاجة إلى معالجة دستورية، وكوكادام أعاد تعريف الحرب باعتبارها قضية وطنية، والميرغني–قرنق ربط السلام بالمؤتمر الدستوري، وإعلان مبادئ الهيئة الحكومية للتنمية ربط الوحدة بالمساواة والديمقراطية وتقاسم الثروة، واتفاقية السلام الشامل أوقفت حرباً طويلة، واتفاق جوبا حاول معالجة قضايا التهميش بعد الثورة.

لكن هذه الفرص اصطدمت مراراً بالسؤال المؤجل: من يملك الدولة؟ من يملك السلاح؟ من يملك الاقتصاد؟ ومن يملك حق تعريف الشرعية؟ ولذلك فإن فشل السلام السوداني لا يعني استحالة السلام، بل يعني أن وقف الحرب دون تغيير البنية التي تجعل الحرب أداة للسياسة لا ينتج إلا سلاماً مؤقتاً.

والسلام المستدام في السودان لن يتحقق بمجرد وثيقة جديدة أو مؤتمر جديد أو وسيط جديد. المطلوب هو الانتقال من السلام بوصفه صفقة بين المسلحين إلى السلام بوصفه إعادة تأسيس للدولة، ومن توزيع المناصب إلى إعادة تنظيم السلطة والموارد والقوة بصورة مؤسسية وعادلة، ومن التوقيع بوصفه نهاية العملية إلى التوقيع بوصفه بداية دورة طويلة من التنفيذ والمراقبة والتعلم.

والهدف النهائي ليس فقط إيقاف إطلاق النار بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أو أي قوة مسلحة أخرى، وإنما بناء دولة لا يكون فيها حمل السلاح أقصر طريق إلى السلطة، ولا يكون الانقلاب وسيلة طبيعية لتغيير الحكم، ولا تكون الحرب سوقاً للموارد والولاءات، ولا تصبح اتفاقية السلام مجرد هدنة تنتظر تغير ميزان القوة.

لقد أثبت تاريخ السودان أن وقف الحرب ممكن، وأن الاتفاق ممكن، وأن الهدنة ممكنة، لكن السلام الدائم يصبح ممكناً فقط عندما تصبح تكلفة العودة إلى الحرب أعلى من تكلفة الالتزام بالدولة المدنية الديمقراطية الموحدة، وعندما تتحول مؤسسات الدولة من أدوات للصراع بين النخب المسلحة إلى مؤسسات تخضع للقانون والرقابة والمساءلة.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي حوار سوداني قادم ليس عدد المشاركين، ولا عدد الصفحات، ولا عدد الدول الراعية، ولا مكان انعقاد المؤتمر، وإنما مدى قدرة العملية على تغيير الحوافز والمؤسسات وموازين القوة التي جعلت السودان يعود إلى الحرب بعد اتفاقات كثيرة. فإذا لم يتحقق هذا التغيير، فسيكون الحوار مجرد حلقة جديدة في تاريخ طويل من الاتفاقات التي تنهي حرباً محددة، بينما تترك الدولة والبنية السياسية والاقتصادية والأمنية التي تنتج الحرب قائمة كما هي.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: المشكلة لم تكن في ندرة مبادرات السلام، بل في أن السودان ظل يتفاوض على وقف الحرب دون إعادة بناء شروط الدولة التي تنتج الحرب

منذ الاستقلال لم يعان السودان من نقص في مؤتمرات السلام أو المبادرات أو الوسطاء أو الاتفاقات. فقد انتقل من مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 ولجنة الإثني عشر، إلى اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ثم مبادرة كوكادام عام 1986، ومبادرة الميرغني–قرنق عام 1988، ومفاوضات أبوجا وعمليات منظمة الوحدة الإفريقية والهيئة الحكومية للتنمية، وإعلان مبادئ الهيئة الحكومية للتنمية لعام 1994، واتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، ثم اتفاقية السلام الشامل عام 2005 واتفاق القاهرة، واتفاقية أبوجا للسلام في دارفور عام 2006، واتفاقية سلام شرق السودان عام 2006، ووثيقة الدوحة عام 2011، والحوار الوطني في عهد عمر البشير، ثم اتفاق جوبا للسلام عام 2020، وصولاً إلى إعلانات جدة وهدنها، ومبادرات الهيئة الحكومية للتنمية والاتحاد الإفريقي والرباعية والخماسية والمؤتمرات الدولية بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. وبالرغم من هذا التراكم الهائل، لم يتحول أي من هذه المسارات إلى تسوية وطنية مستقرة تعالج بصورة متزامنة مسألة السلطة والثروة والهوية والجيش والعلاقة بين المركز والأقاليم والعدالة والاقتصاد السياسي للعنف.

لكن القول إن «كل اتفاقات السلام السودانية فشلت» يحتاج إلى قدر من الدقة. فبعضها نجح جزئياً أو مؤقتاً. اتفاقية أديس أبابا أوقفت الحرب الأهلية الأولى لما يقرب من أحد عشر عاماً، واتفاقية السلام الشامل أوقفت الحرب بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان وأفضت في نهاية المطاف إلى استقلال جنوب السودان، واتفاق شرق السودان خفف العنف المسلح في الشرق، كما حققت بعض الهدنات الإنسانية القصيرة انخفاضاً مؤقتاً في القتال. غير أن النجاح في إيقاف القتال بين أطراف محددة لم يتحول إلى سلام وطني مستدام. وهذه هي المفارقة المركزية: السودان كان قادراً مراراً على إنتاج اتفاقات توقف حرباً معينة، لكنه لم يكن قادراً على إنتاج تسوية تعيد تنظيم قواعد إنتاج السلطة المسلحة نفسها (Johnson, 2016; Nouwen et al., 2020). وتؤكد الأدبيات الحديثة أن اتفاقات السودان ينبغي فهمها كعمليات سياسية لا كوثائق منفصلة عن السياسة التي أنتجتها، وأن اتفاقية السلام الشامل نفسها نجحت في معالجة بعض الملفات المركزية، خصوصاً الاقتصاد والأمن، لكنها تركت ملفات أبيي ودارفور والمنطقتين وغيرها في موقع هامشي أو غير محسوم (de Waal, 2020).

تدعم الأدبيات المقارنة للسلام هذا التمييز. فالسلام ليس مجرد توقيع وثيقة، بل عملية تنفيذية طويلة تعالج مخاوف الأمن المتبادل، وتبني ترتيبات مؤسسية قابلة للاستمرار، وتخلق حوافز للالتزام، وتتعامل مع الجماعات التي تستفيد من استمرار الحرب، وتربط وقف إطلاق النار بإصلاح سياسي وأمني واقتصادي قابل للتنفيذ (Walter, 2002; Hartzell and Hoddie, 2003; Joshi and Quinn, 2015). وفي السودان، ظل الفرق بين «التفاوض على الاتفاق» و«إنتاج السلام» عميقاً بصورة استثنائية.

والنتيجة التي تبرز من مراجعة المسار التاريخي هي أن فشل الحوار السوداني لم يكن سببه عامل واحد، ولا يمكن اختزاله في سوء نية طرف واحد، أو في التدخل الخارجي، أو في الانقسامات القبلية، أو في غياب الديمقراطية وحده. بل نتج عن تفاعل سبعة أنماط بنيوية: اختلال ميزان القوة، أزمة الدولة والهوية، عجز الاتفاقات عن حل معضلة الأمن، ضعف الالتزام والتنفيذ، استبعاد أصحاب المصلحة الحقيقيين، تجزئة الصراعات والتفاوض معها منفردة، وتحول الحرب والسلام نفسيهما إلى جزء من اقتصاد سياسي تنافسي (de Waal, 2019; Young, 2012; Nouwen et al., 2020).

ويضاف إلى ذلك عامل ثامن شديد الأهمية: أن كثيراً من عمليات السلام السودانية افترضت وجود أطراف متماسكة تستطيع قياداتها التحكم في قواعدها العسكرية والسياسية، بينما كان الواقع أكثر تعقيداً. ففي بيئات الحرب الأهلية الممتدة، لا يكون القائد السياسي بالضرورة قادراً على إلزام جميع القادة الميدانيين أو الشبكات الاقتصادية أو الحلفاء المحليين والداعمين الخارجيين بما وقعه. وهذا ما يجعل الاتفاق الذي يبدو متماسكاً على الورق معرضاً للتآكل بمجرد عودته إلى الواقع السياسي والأمني.

وتظهر هذه الأنماط بوضوح منذ أولى محاولات الحوار الوطني حول الحرب في الجنوب، وتستمر بدرجات مختلفة حتى الحرب الحالية.

أولاً: مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الإثني عشر ــ عندما عُوملت حرب تأسيس الدولة كأنها «مشكلة جنوبية»

انعقد مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم في مارس 1965 لمعالجة الحرب في الجنوب، بعد أن كان مقرراً عقده في جوبا. وتشير سجلات جامعة دورهام إلى أن المؤتمر عُقد بين 16 و29 مارس 1965 بعد نقل مكانه من جوبا إلى الخرطوم بسبب الاضطرابات، وشارك فيه 24 ممثلاً جنوبياً و18 ممثلاً للأحزاب الشمالية، وانتهت المناقشات إلى مأزق سياسي أدى إلى إنشاء لجنة الإثني عشر من ممثلي القوى السياسية المشاركة.

كانت المشكلة الأساسية أن الأطراف لم تدخل المؤتمر وهي تحمل تعريفاً مشتركاً لما ينبغي حله. فقد تعاملت قطاعات مهمة من النخبة الشمالية مع القضية بوصفها «المشكلة الجنوبية»، بينما طرح سياسيون جنوبيون المسألة باعتبارها أزمة تأسيس للدولة وعلاقة بين أقاليم ومجموعات مختلفة في سودان متعدد. تضمنت وثائق المؤتمر مطالب بالحكم الذاتي، والفيدرالية، بل وبحق تقرير المصير، بينما تمسكت قوى شمالية بدرجات متفاوتة بوحدة الدولة وبحلول إدارية محدودة. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن الخلاف لم يكن فقط على مقدار السلطة التي ينبغي منحها للجنوب، وإنما على طبيعة الدولة نفسها ومن يملك حق تحديد شكلها (Akol Ruay, 1987; Johnson, 2016).

وكان إنشاء لجنة الإثني عشر محاولة لتأجيل الخلاف المركزي بدلاً من حسمه. فقد انتقلت القضية من قاعة المؤتمر إلى هيئة أصغر، بما يوحي بأن مزيداً من الدراسة الفنية يمكن أن ينتج التوافق الذي تعذر إنتاجه سياسياً. لكن المشكلة لم تكن نقصاً في المعلومات. كانت القوى التي ستنفذ التوصيات مختلفة في رؤيتها لطبيعة الدولة، بينما كانت الحرب مستمرة، وكانت كل جهة تحسب تكلفة تقديم تنازلاتها على ضوء ميزان القوة القائم.

وهنا ظهر أول نمط سيتكرر لاحقاً: تحويل الصراع السياسي إلى لجنة فنية قبل الاتفاق على الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ ما ستقوله اللجنة. لم يكن نقص المعرفة هو المشكلة؛ فقد درست اللجنة قضايا دستورية وإدارية واقتصادية واستدعت خبراء. كانت المشكلة أن القوى السياسية التي ستنفذ التوصيات لم تكن متفقة على التسوية التي تستلزمها.

والأخطر أن الحرب استمرت أثناء الحوار، بينما كانت النخبة السياسية الشمالية منشغلة بالانتخابات والصراع الحزبي وتغيير الحكومات. وفي الوقت نفسه، لم تكن الحركة المسلحة الجنوبية مستعدة لتسليم أوراق قوتها العسكرية مقابل وعود سياسية غير مضمونة. وهكذا نشأت معضلة أمنية مبكرة: كل طرف رأى أن التخلي عن أدوات القوة قبل حصوله على ضمانات موثوقة قد يكون انتحاراً سياسياً أو عسكرياً.

وبذلك لم يكن فشل المائدة المستديرة مجرد فشل تفاوضي. كان أول دليل تاريخي على أن الحوار السوداني يفشل عندما يبدأ من افتراض أن الأطراف متفقة مسبقاً على الدولة التي يريدون بناءها.

والدرس الأهم من هذه التجربة ليس أن الحوار كان عديم الفائدة. على العكس، لقد أنتج المؤتمر اعترافاً بضرورة معالجة القضية سياسياً، وفتح للمرة الأولى على نطاق وطني نقاشاً حول شكل الحكم والعلاقة بين الجنوب وبقية السودان. لكن هذا الاعتراف لم يتحول إلى عقد دستوري ملزم، وظلت المسألة الجنوبية داخل نظام سياسي لم يكن قد حسم أصلاً سؤال المواطنة المتساوية وتوزيع السلطة بين المركز والأقاليم.

ثانياً: من المائدة المستديرة إلى أديس أبابا ــ لماذا نجحت اتفاقية 1972 في إيقاف الحرب ثم انهارت؟

كانت اتفاقية أديس أبابا لعام 1972 مختلفة في جوانب مهمة. فقد جرى التفاوض بين حكومة جعفر نميري وحركة تحرير جنوب السودان، وأنتجت ترتيباً للحكم الإقليمي في الجنوب، وترتيبات أمنية أسهمت في إنهاء الحرب الأهلية الأولى. لذلك لا يصح وصفها بأنها فشل كامل. لقد حققت أهم هدف مباشر لأي اتفاق سلام: أوقفت الحرب على نطاق واسع وأتاحت عقداً تقريباً من السلام النسبي.

لكن نجاحها القصير كشف أيضاً المشكلة البنيوية التي ستتكرر لاحقاً. فقد كان هناك تفاوت بين ما فهمه الطرفان من «الحكم الذاتي»، كما ظلت قضايا الاقتصاد والتنمية وتقاسم السلطة والثروة والأمن الوطني أضعف معالجة من الجوانب السياسية والإدارية. ويشير جونسون إلى أن الاتفاق لم يحسم بصورة كافية عدداً من القضايا التي كانت ستصبح لاحقاً مصدراً للنزاع، كما أن تنفيذ الاتفاق كان مرتبطاً بدرجة كبيرة بإرادة نظام نميري وليس بمؤسسات مستقلة قادرة على حماية التسوية من تغير موازين السلطة (Johnson, 2016).

وتظهر الأدلة التاريخية أن الاتفاق احتوى على تناقضات مؤسسية منذ البداية؛ فقد كان ترتيب الحكم الإقليمي أقل من التصور الفيدرالي الذي طرحته قوى جنوبية في بداية المفاوضات، ولم تُناقش بصورة مستقلة وكافية السلطات الاقتصادية الإقليمية أو استراتيجية التنمية الوطنية في الجنوب. كما ظلت علاقة القوات الجنوبية بالقوات المسلحة الوطنية قضية حساسة لم تُحل بصورة نهائية (Johnson, 2016; Wakoson, 1990).

وتشير دراسة تاريخية للاتفاق إلى أن سنوات 1972–1983 لم تكن سلاماً كاملاً بالمعنى الاجتماعي والسياسي، بل كانت أقرب إلى حالة «لا حرب ولا سلام» في بعض جوانبها؛ فقد بقيت التوترات السياسية والعنف المحلي والصراعات على السلطة والموارد، بينما ظلت الحكومة الإقليمية الجنوبية ذات استقلال محدود، ولم تصل التحويلات المالية والتنموية الموعودة إلى المستوى الذي كان يمكن أن يثبت الاتفاق اقتصادياً (Rolandsen and Daly, 2016).

ثم جاء العامل الحاسم: لم تكن هناك آلية مستقلة وقوية تمنع الطرف الأقوى من إعادة تفسير الاتفاق عندما تتغير مصالحه. وعندما أعاد نميري ترتيب الدولة في اتجاه مركزي وإسلامي، وأصدر قرارات أعادت تقسيم الجنوب وألغت مؤسسات الحكم الإقليمي، انهارت الأسس السياسية للاتفاق. وفي 1983 انتهى الترتيب الذي قامت عليه اتفاقية أديس أبابا وعادت الحرب.

وهنا تتضح إحدى أهم قواعد التجربة السودانية: الاتفاق الذي يعتمد على حسن نية الحاكم أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى عقد سلام مؤسسي. وقد خلصت دراسات مبكرة إلى أن الاتفاق كان يحمل تناقضات دستورية وسياسية وأمنية جعلت استمراره هشاً حتى مع افتراض حسن نية الأطراف (Wakoson, 1990; Beswick, 1991).

وتكشف تجربة أديس أبابا أيضاً أن السلام يمكن أن يفشل بسبب النجاح نفسه إذا أدى توقف الحرب إلى إضعاف الانتباه إلى الاختلالات البنيوية التي كانت وراءها. فقد سمح انخفاض العنف بتراجع الضغط من أجل الإصلاح، بينما بقيت السلطة المركزية قادرة على إعادة صياغة النظام السياسي عندما تغيرت مصالحها. ولهذا فإن الاستدامة ليست مجرد امتداد زمني للهدنة، وإنما قدرة المؤسسات الجديدة على منع إعادة احتكار السلطة.

ثالثاً: كوكادام 1986 والميرغني–قرنق 1988 ــ عندما اقترب السودانيون من حل المشكلة الوطنية ثم عجز النظام السياسي عن تحويل التوافق إلى قرار

بعد سقوط نميري عام 1985 ظهرت فرصة مختلفة. لم يعد النقاش محصوراً في الجنوب وحده، بل ظهرت لدى قطاعات من القوى السياسية الشمالية قناعة بأن الحرب ذات طبيعة وطنية. انعقد اجتماع كوكادام في مارس 1986 بين الحركة الشعبية وحلف سياسي واسع، وانتهى إلى إعلان تضمن رفع حالة الطوارئ، وإلغاء أو معالجة آثار قوانين سبتمبر، والدعوة إلى مؤتمر دستوري قومي، وإقرار وقف إطلاق النار، وإعادة النظر في العلاقات العسكرية الخارجية، والنظر إلى الصراع باعتباره قضية سودانية لا مجرد «مشكلة جنوبية».

كان هذا التحول مهماً جداً؛ لأنه اقترب من تشخيص أكثر صحة للصراع. فبدلاً من التفاوض على مقدار السلطة الممنوحة لإقليم متمرد، بدأ النقاش يتجه إلى سؤال: ما الدولة التي يمكن أن يعيش فيها السودانيون المختلفون على قدم المساواة؟

لكن كوكادام لم يتحول إلى اتفاق سلام نافذ. فقد اصطدمت شروطه بالبنية السياسية القائمة وبالتوازنات داخل الحكومة والأحزاب والجيش، كما لم تتوفر آلية تجعل تنفيذ الخطوات التحضيرية مستقلاً عن إرادة الحكومة المركزية. وهكذا تكرر نمط 1965: الاتفاق على «أجندة السلام» دون امتلاك القدرة السياسية على فرض تنفيذها.

وفي نوفمبر 1988، وقع محمد عثمان الميرغني وجون قرنق «مبادرة السلام السودانية». نصت المبادرة على وحدة السودان، وعلى أن السلام لا يمكن أن يتحقق من خلال التعامل مع «المشكلة الجنوبية» بل باعتبارها قضية وطنية، ودعت إلى تجميد بعض أحكام قوانين سبتمبر، ورفع حالة الطوارئ، وإلغاء الاتفاقات العسكرية التي تمس السيادة، ووقف إطلاق النار، وعقد مؤتمر دستوري قومي (SPLM/SPLA and DUP, 1988).

كان هذا الاتفاق، من الناحية السياسية، أحد أكثر المحاولات السودانية اقتراباً من فكرة التسوية الوطنية. فهو لم يقترح مجرد توزيع مقاعد وزارية، بل حاول الربط بين وقف الحرب وإعادة تأسيس الدولة دستورياً.

ومع ذلك، لم يُنفذ. والسبب لم يكن غياب نص واضح؛ فالنص كان واضحاً بدرجة معقولة. المشكلة كانت أن القوى التي كانت تملك القوة المؤسسية والعسكرية لمنع تنفيذ الاتفاق لم تكن ملتزمة به بالقدر نفسه الذي كان الموقعون المدنيون والعسكريون المعنيون بالمفاوضات ملتزمين به. انتهت الديمقراطية الثانية بانقلاب يونيو 1989 قبل أن يتحول الاتفاق إلى مؤتمر دستوري شامل.

وهذا يكشف فارقاً مهماً بين «اتفاق سياسي» و«تسوية سياسية»: الاتفاق قد يجمع قيادات حول نص، لكن التسوية تتطلب إعادة توزيع فعلية للسلطة بحيث يصبح خرق الاتفاق أكثر كلفة من احترامه.

وقد كان شعار «لا للحرب، نعم للسلام» حاضراً في المجال العام آنذاك، وهو ما يؤكد أن المجتمع السوداني لم يكن يفتقر إلى الإرادة الشعبية للسلام. لكن الإرادة الاجتماعية لم تكن مدعومة بمؤسسات تمنع مراكز القوة المسلحة من تعطيل التسوية. وهذا الفرق بين رغبة المجتمع في السلام وقدرة النظام السياسي على إنتاجه سيظل ملازماً للتجربة السودانية.

رابعاً: مفاوضات التسعينيات واتفاقية الخرطوم 1997 ــ عندما حاول النظام شراء السلام بدلاً من إعادة بناء الدولة

أعادت التسعينيات إنتاج المشكلة في صورة جديدة. طرحت مفاوضات أبوجا في 1992 و1993، ثم مسار الهيئة الحكومية للتنمية الذي أنتج إعلان مبادئ 1994. وكان إعلان المبادئ مهماً لأنه أقر صراحة بحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير، لكنه ربط أولوية الوحدة بإقامة دولة متعددة الأعراق والأديان والثقافات، والمساواة السياسية والاجتماعية، والحكم الذاتي، والدولة العلمانية الديمقراطية، وتقاسم الثروة، وحقوق الإنسان واستقلال القضاء (IGAD, 1994).

كان ذلك تحسناً كبيراً في التشخيص، لكنه أظهر أيضاً مدى عمق الخلاف: فالحكومة لم تقبل فوراً الأسس التي يقوم عليها الإعلان، بينما كانت الحركة الشعبية قد أصبحت أكثر قبولاً لفكرة تقرير المصير باعتبارها ضمانة ضد إعادة إنتاج الهيمنة المركزية.

وفي 1997 وقعت الحكومة اتفاقية الخرطوم للسلام مع عدد من الفصائل الجنوبية، لكنها لم تشمل الحركة الشعبية الرئيسية بقيادة جون قرنق. ومن منظور نظرية التسويات، كان ذلك خللاً أساسياً: التوقيع مع بعض أطراف النزاع لا يساوي إنهاء النزاع إذا ظل الطرف العسكري والسياسي الأكثر قدرة على الاستمرار في الحرب خارج الاتفاق. وقد كان هذا أحد أسباب هشاشة الاتفاقية، كما أن بعض الفصائل التي وقعت سرعان ما عادت إلى الصراع (de Vries and Schomerus, 2017; Haywood, 2014).

وهنا تظهر مشكلة «التمثيل الزائف». تستطيع الحكومة أن تحصل على توقيعات كثيرة، لكن عدد الموقعين ليس مقياساً لشرعية الاتفاق. المعيار الأهم هو: هل يمثل الموقعون القدرة المسلحة والسياسية والاجتماعية اللازمة لتنفيذ الاتفاق؟ وهل يمثلون السكان المتأثرين بالحرب؟ وهل توجد آليات تمنع تحويل الاتفاق إلى وسيلة لتفكيك المعارضة بدلاً من حل جذور النزاع؟

وهذا لا يعني أن جميع الموقعين كانوا بلا تمثيل أو أن الاتفاق لم يتضمن مطالب حقيقية. المشكلة كانت في عدم تطابق حجم التمثيل مع حجم القوة الفعلية اللازمة لتنفيذ التسوية. كما أن استخدام توزيع المناصب والموارد لاستيعاب بعض القيادات المسلحة من دون إصلاح النظام الذي أنتج التمرد أدى إلى تحويل السلام إلى أداة لإدارة المعارضة بدلاً من معالجة أسبابها.

خامساً: اتفاقية السلام الشامل 2005 ــ أكبر نجاح تفاوضي وأوضح مثال على الفرق بين إنهاء حرب وبناء سلام

كانت اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 أهم إنجاز تفاوضي في تاريخ السودان الحديث. فقد أنهت الحرب بين الحكومة والحركة الشعبية، وأقامت ترتيبات انتقالية، ونصت على تقاسم السلطة والثروة، والترتيبات الأمنية، ومنحت الجنوب فترة انتقالية انتهت باستفتاء على تقرير المصير. وتصف الأمم المتحدة الاتفاق بأنه أنهى الحرب الطويلة وأنشأ فترة انتقالية امتدت ستة أعوام ونصف، مع ترتيبات للمراقبة الدولية (UN, 2005).

لكن اتفاقية السلام الشامل لم تصبح عقداً وطنياً جامعاً. فقد كانت في جوهرها صفقة ثنائية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، بينما بقيت دارفور والشرق ومناطق أخرى وقوى سياسية ومدنية خارج مركز التسوية. وقد انتقدت دراسات السلام العملية لأنها ركزت على أطراف محددة واستبعدت قطاعات واسعة من المجتمع، ولم تعالج بصورة كافية التحول الديمقراطي وإعادة بناء الدولة السودانية ككل (Young, 2005; Young, 2012).

وهذا هو أحد أكبر الدروس السودانية: كلما كان الاتفاق ناجحاً في إنهاء حرب ثنائية، زاد خطر أن يتحول إلى ترتيب لتقاسم السلطة بين طرفين بدلاً من أن يصبح إطاراً لإعادة بناء الدولة كلها.

لم يكن ذلك مجرد انتقاد سياسي. فقد أظهرت تطورات ما بعد 2005 استمرار الصراع في دارفور، وتصاعد التوتر في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وأزمة أبيي، ثم انفصال جنوب السودان عام 2011. وبذلك نجح الاتفاق في إنهاء حرب، لكنه لم ينجح في إنشاء نظام سياسي قادر على منع حروب جديدة.

وتشير دراسات أحدث إلى أن أحد أهم أوجه قصور اتفاقية السلام الشامل كان الفصل بين «المركز» و«الهامش»: فقد عولجت الحرب الشمالية–الجنوبية كملف خاص، بينما ظلت الأسئلة المتعلقة بإعادة بناء الدولة، والأقاليم المهمشة، والأمن، والاقتصاد السياسي، والعدالة الوطنية، خارج التسوية الشاملة (Nouwen et al., 2020; de Waal, 2020). كما خلص دي وال إلى أن عملية السلام نفسها ينبغي فهمها باعتبارها امتداداً للسياسة، حيث يسعى الفاعلون إلى الحفاظ على خيارات مستقبلية وليس فقط إلى الوصول إلى اتفاق نهائي واحد.

ومن أهم دروس اتفاقية السلام الشامل أيضاً أن الاتفاق يمكن أن يكون ناجحاً في هدفه المباشر وفاشلاً في هدفه التحويلي. فقد أنهى الحرب الشمالية–الجنوبية، لكنه لم ينجح في جعل الدولة السودانية كلها أكثر قدرة على احتواء النزاعات. ولذلك فإن تقييم الاتفاق ينبغي أن يكون متعدد المستويات: هل أوقف الحرب التي تفاوض بشأنها؟ هل طبق بنوده؟ هل وسع المشاركة؟ هل أصلح الدولة؟ هل خفض احتمالات الحرب المستقبلية؟ وبحسب هذا المعيار، كان نجاح اتفاقية السلام الشامل حقيقياً ولكنه جزئي.

سادساً: أبوجا والدوحة وشرق السودان ــ مشكلة تقسيم السلام إلى ملفات جغرافية منفصلة

بعد اتفاقية السلام الشامل اتجهت المفاوضات إلى معالجة بقية النزاعات على أساس إقليمي: دارفور، ثم شرق السودان، ثم قضايا أخرى. كان ذلك منطقياً من ناحية إدارة المفاوضات، لكنه أنتج ما يمكن تسميته تجزئة السلام.

في أبوجا عام 2006 وُقعت اتفاقية دارفور للسلام بين الحكومة وفصيل حركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي، بينما لم توقع عليها فصائل رئيسية أخرى، وهو ما جعل قاعدة التمثيل ضعيفة منذ البداية. وكانت اتفاقية أبوجا محاولة لمعالجة تقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية وعودة النازحين وغيرها، لكنها لم تصبح تسوية شاملة لأن أهم الفاعلين المسلحين لم يدخلوا فيها أو لم يقبلوا نتيجتها. وتؤكد دراسة أكاديمية متخصصة أن نموذج أبوجا افترض وجود عدد محدود من أطراف متماسكة قادرة على الوصول إلى اتفاق شامل، بينما أدت هذه الفرضية إلى إقصاء فاعلين، وتبسيط رواية النزاع، واستخدام دبلوماسية قسرية، والمبالغة في دور الوساطة، بما أسهم في استمرار العنف. (Moman, 2020).

المشكلة هنا ليست فقط «عدم توقيع بعض الحركات». بل إن عملية التفاوض نفسها لم تنجح في خلق حوافز مشتركة تجعل الموقعين وغير الموقعين يرون أن الاتفاق يحقق مصالحهم. كما تعرضت الوساطة لضغط الزمن، وأصبحت عملية التفاوض أقرب إلى السعي للحصول على وثيقة نهائية قبل الموعد المحدد منها إلى بناء تسوية اجتماعية وسياسية قابلة للحياة (Moman, 2020).

وفي شرق السودان، كانت الصورة أفضل نسبياً. أنهت اتفاقية السلام الموقعة عام 2006 سنوات من المواجهة المسلحة، وتناولت ترتيبات الحكم والمشاركة والثروة والموارد الطبيعية ووقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية، كما تضمنت آليات للتشاور مع الأحزاب والمجتمع المدني والإدارات الأهلية وغيرها. لكنها واجهت تحديات تنفيذية وسياسية، وهو ما يوضح مرة أخرى أن الاتفاق يمكن أن يكون أكثر نجاحاً في وقف القتال من قدرته على معالجة الاقتصاد السياسي للتهميش.

أما وثيقة الدوحة لعام 2011 فقد حاولت بناء إطار أشمل لدارفور، وتضمنت تقاسم السلطة والثروة والحقوق والعدالة والتعويض والعودة والحوار الداخلي. لكن استمرار الحرب ووجود حركات رئيسية خارج الاتفاق جعلاها عاجزة عن تحويل الوثيقة إلى تسوية شاملة. وقد خلصت دراسات متخصصة إلى أن الوسطاء الدوليين كرروا أخطاء سابقة، وأعطوا اهتماماً أكبر للتفاوض بين الحكومة والحركات المسلحة من بناء عملية سياسية ديمقراطية أوسع، كما استُخدمت الوثيقة في بعض المراحل لتوفير غطاء سياسي لاستراتيجية عسكرية حكومية (Marsden, 2020).

وهكذا ظهر نمط جديد: السلام الإقليمي المنفصل قد يخفف نزاعاً محلياً، لكنه يمكن أن يحول الوصول إلى السلطة والموارد إلى سباق بين المناطق والحركات المسلحة، بحيث يصبح حمل السلاح طريقاً للحصول على مقعد في الاتفاق التالي.

وهنا تظهر إحدى أخطر النتائج غير المقصودة لتكرار الاتفاقات الجزئية: إذا أصبح حمل السلاح وسيلة أكثر فاعلية للحصول على تمثيل أو موارد من العمل السياسي المدني، فإن الاتفاقات نفسها قد تنتج حافزاً لحركات جديدة كي تتسلح حتى تحصل على مقعد في المفاوضات التالية. ولذلك فإن السلام المستدام يحتاج إلى منع تحويل القوة المسلحة إلى عملة تفاوضية دائمة.

سابعاً: اتفاق جوبا 2020 ــ عندما تحول اتفاق السلام من أداة لإنهاء عسكرة السياسة إلى أداة لإدخال حاملي السلاح في بنية السلطة

جاء اتفاق جوبا في سياق الثورة السودانية وسقوط نظام البشير. وكان يفترض أن يمثل انتقالاً من الحرب إلى بناء الدولة الديمقراطية، وأن يعالج قضايا التهميش وتقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية والعودة والتعويضات.

لكن الاتفاق حمل تناقضاً أساسياً: فهو حاول تحقيق السلام من خلال دمج عدد من قادة الحركات المسلحة في المؤسسات الانتقالية، لكنه لم ينجح في تحويل القوة المسلحة إلى قوة سياسية مدنية مستقرة. وفي الوقت نفسه، ظلت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ومؤسسات أمنية متعددة تحتفظ بدرجات كبيرة من الاستقلال السياسي والاقتصادي.

وللمفارقة، فإن النص الرسمي لاتفاق جوبا كان أكثر طموحاً من كثير من الاتفاقات السابقة في بعض المجالات؛ فقد نص على بناء جيش سوداني واحد مهني، وعلى الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والتنوع، وعلى مشاركة النساء، وعلى العدالة والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وعلى أن يكون إعداد الدستور من خلال عملية شفافة وشاملة وتشاركية لا تستبعد أحداً.

لكن وجود النص لا يساوي وجود القدرة على تنفيذه. أظهرت دراسات الاتفاق أن مشكلات التنفيذ لم تكن سياسية فقط، بل ارتبطت أيضاً ببنية الاتفاق نفسها، وبالمبالغة في تقدير قدرة الأطراف على تنفيذ الالتزامات الواسعة ضمن الجداول الزمنية المحددة. فقد تجاوزت مواعيد كثيرة دون تنفيذ فعلي، كما بقيت الترتيبات الأمنية وإعادة الدمج ونزع السلاح من أكثر الملفات تعثراً (International IDEA, 2023).

وكان هذا جوهرياً، لأن الدراسات المقارنة تبين أن تنفيذ الترتيبات العسكرية ليس بنداً تقنياً ثانوياً؛ بل هو أحد أهم الاختبارات العملية لصدق الالتزام. فقد وجد هودّي وهارتزل أن التنفيذ الكامل لترتيبات تقاسم القوة العسكرية يرتبط باحتمالات أعلى لاستمرار السلام لأنه يرسل إشارات موثوقة إلى الخصوم بأن الطرف الآخر مستعد لتحمل تكاليف التسوية (Hoddie and Hartzell, 2003).

في السودان حدث العكس في كثير من الأحيان: تعدد الجيوش لم يُحل، بل جرى تطبيع وجوده السياسي.

كما أن عملية جوبا لم تكن شاملة لجميع القوى المسلحة. فقد بقيت قوى رئيسية خارج الاتفاق، واستمرت المفاوضات مع أطراف أخرى. وأظهرت الدراسات المتعلقة بمشاركة النساء أن مجموعات المجتمع المدني النسائية لم تكن جزءاً متكافئاً من المفاوضات الرسمية، وأن التمثيل الرسمي تحسن لكنه ظل محدوداً وغير متوازن بين المسارات.

ولهذا فإن اتفاق جوبا لم يكن سبباً وحيداً للحرب التي اندلعت في أبريل 2023، ولا يصح تحميله مسؤولية الحرب بصورة ميكانيكية. لكنه فشل في حل أحد أهم أسباب قابلية الدولة السودانية للانفجار: وجود مراكز قوة مسلحة متعددة، واقتصادات عسكرية، ومؤسسات أمنية غير خاضعة بالكامل لسلطة مدنية موحدة.

ويؤكد تحليل دي وال لقطاع الأمن السوداني أن السيطرة على القوات المسلحة لم تكن مسألة تقنية منفصلة عن السياسة، بل كانت في صلب حسابات النخب أثناء مفاوضات السلام وتنفيذها. فقد سعت القوى السياسية باستمرار إلى السيطرة على الجيش، بينما استخدمت ترتيبات إصلاح القطاع الأمني أحياناً لتحقيق أهداف سياسية وأمنية أوسع.

ثامناً: لماذا فشلت مبادرات جدة والهدنات بعد أبريل 2023؟

مع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 دخل السودان مرحلة مختلفة. لم يعد الصراع الأساسي بين حكومة وحركة تمرد إقليمية واحدة، بل أصبح نزاعاً مركزياً بين قوتين عسكريتين كبيرتين، مع تحالفات وقوى مسلحة وسياسية وإقليمية متعددة.

جرت محاولات متكررة عبر منصة جدة برعاية الولايات المتحدة والسعودية، ومسارات الهيئة الحكومية للتنمية، والاتحاد الإفريقي، ومبادرات دول الجوار، ومصر، ثم مسارات سويسرا وغيرها. وقد تبين أن إعلان حماية المدنيين في جدة لم يكن في حد ذاته اتفاق وقف إطلاق نار نهائياً، بل إطاراً للالتزامات الإنسانية ومقدمة لمفاوضات لاحقة (Omer, 2023).

ولم تكن المشكلة أن الوسطاء لم يعرفوا صيغة وقف إطلاق النار. فقد كان الطرفان قادرين على إعلان الهدن. المشكلة كانت أن كل طرف كان يرى الهدنة من منظور عسكري مختلف: هل تمنح الخصم فرصة لإعادة الانتشار؟ هل تسمح بإدخال الإمدادات؟ هل تغير خطوط السيطرة؟ هل تتيح للخصم إعادة بناء شرعيته السياسية؟ ولذلك تحولت الهدن القصيرة إلى جزء من الحرب بدلاً من أن تكون جسراً للخروج منها.

وأظهرت التحليلات أن ضعف آليات المراقبة والتنفيذ، وانعدام الثقة، واستخدام الهدن لأغراض عسكرية، وعدم وضوح العلاقة بين المسار العسكري والمسار السياسي، كلها قوضت جهود جدة. كما أن المنصة نفسها ركزت أساساً على الطرفين المتحاربين، ولم تجعل المدنيين جزءاً فعلياً من هندسة التفاوض السياسي.

وهذا مهم للغاية: جدة لم تكن «مؤتمر سلام وطني» بالمعنى الذي كانت عليه بعض المؤتمرات التاريخية، وإنما كانت في جوهرها منصة لمعالجة وقف إطلاق النار والقضايا الإنسانية بين الطرفين العسكريين. ولذلك فإن قياسها بمقياس اتفاقية السلام الشامل أو اتفاق جوبا قد يكون غير صحيح، لكن فشلها في إنتاج وقف إطلاق نار مستدام كشف مشكلة أعمق في الحرب الحالية: لا يمكن فصل الحساب العسكري عن الحساب السياسي.

كما تعقدت الوساطة بسبب الانقسام الإقليمي. فبعض الدول كانت أقرب سياسياً أو عسكرياً إلى أحد الطرفين، وبعضها اتُّهم بتقديم دعم أو تسهيلات عسكرية، ما جعل الطرف المقابل يشكك في حياد الوسيط. وفي الحالات التي تدخل فيها أطراف خارجية كداعمين لأحد طرفي الحرب، تتحول الوساطة من لعبة بين طرفين سودانيين إلى لعبة متعددة المستويات، يصبح فيها الاتفاق السوداني وحده غير كافٍ.

وقد خلصت تحليلات حديثة إلى أن تعدد الوسطاء دون تنسيق كافٍ، وتنافس المبادرات، وانعدام الثقة، وارتباط بعض الدول الإقليمية بأحد طرفي الحرب، كلها أضعفت قدرة الوساطة على إنتاج مسار موحد.

والأهم أن الحرب الحالية أظهرت بوضوح ما كان موجوداً بصورة أقل وضوحاً في الحروب السابقة: السلام في السودان لا يمكن أن ينجح إذا تفاوض الوسطاء على الهدنة العسكرية بينما يستمر الاقتصاد السياسي الذي يمول الحرب.

كما أن إطلاق الوساطة في توقيت غير ناضج يمكن أن يكون جزءاً من المشكلة. فوفق تحليل حديث لمسار جدة، لم تكن ظروف «الجمود المؤلم المتبادل» قد نضجت في بداية الحرب؛ كان كل طرف يعتقد أن استمرار القتال قد يحسن موقعه، وكانت الاختلالات في السيطرة العسكرية تتغير بسرعة، بينما ظل الدعم الداخلي والخارجي يقلل تكلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى الطرفين. وهذا يتوافق مع أدبيات «نضج النزاع» التي تشدد على أن التفاوض يصبح أكثر قابلية للنجاح عندما يدرك الأطراف أن الاستمرار في الحرب أكثر كلفة من التسوية (Zartman, 2000).

تاسعاً: التفسير النظري ــ لماذا تتكرر المشكلة نفسها رغم تغير الحكومات والحركات والوسطاء؟

يمكن تفسير المسار السوداني من خلال مجموعة من النظريات الحديثة في دراسات الحروب والسلام، لكن لا تكفي أي نظرية منفردة. والأفضل هو تركيبها في نموذج واحد.

  1. معضلة الالتزام الموثوق

توضح باربرا والتر أن الأطراف في الحرب الأهلية تواجه مشكلة أساسية: حتى إذا اتفقت اليوم، فقد لا تستطيع ضمان أن الطرف الآخر لن يستغل تغير موازين القوة غداً. لذلك يصبح نزع السلاح أو التخلي عن الأراضي أو تسليم السلطة مخاطرة عالية من دون ضمانات قوية (Walter, 2002).

هذه النظرية تفسر جانباً كبيراً من تاريخ السودان. فالحركة الجنوبية أو الدارفورية أو أي قوة مسلحة لا تتخلى عن سلاحها إذا كانت تعتقد أن الدولة تستطيع إعادة بناء قوتها ثم التراجع عن الاتفاق. وفي المقابل، لا تريد الدولة أن تمنح خصماً مسلحاً قوة سياسية وعسكرية من دون ضمانات بأنه لن يستخدمها ضدها.

ولهذا يصبح السؤال المركزي: من يضمن الضمان؟

في السودان، غالباً ما كانت الإجابة «الوسيط الدولي» أو «الرئيس» أو «الضمانات السياسية»، بينما كانت الضمانات المؤسسية المستقلة ضعيفة.

  1. مشكلة المخربين

توضح نظرية ستيدمان أن بعض الفاعلين لا يريدون نجاح السلام أصلاً، لأن السلام يهدد سلطتهم أو أيديولوجيتهم أو مصالحهم الاقتصادية. هؤلاء ليسوا بالضرورة دائماً «أشراراً» بالمعنى الأخلاقي؛ قد يكونون فاعلين عقلانيين يرون أن خسارتهم في السلام أكبر من خسارتهم في الحرب (Stedman, 1997).

في السودان يمكن أن يوجد المخرب داخل الحكومة، أو داخل الجيش، أو داخل حركة مسلحة، أو داخل حزب سياسي، أو داخل شبكة اقتصادية، أو حتى خارج الدولة. ولهذا فإن توقيع القيادة على الاتفاق لا يعني أن جميع مراكز القوة التابعة لها ستنفذه.

لكن إدارة المخربين لا تعني إقصاء كل طرف يمتلك سلاحاً من العملية السياسية، كما لا تعني منح كل حامل للسلاح حق الفيتو. المطلوب هو التمييز بين الأطراف التي يمكن تحويل مصالحها إلى التزام سياسي، والأطراف التي يكون استمرار الحرب بالنسبة إليها أكثر ربحاً من السلام، ثم تصميم حوافز وضمانات وعقوبات وفق ذلك.

  1. الاقتصاد السياسي للحرب

يوفر مفهوم «السوق السياسي» تفسيراً أكثر عمقاً. فقد وصف دي وال السودان باعتباره سوقاً سياسياً تتبادل فيه النخب الولاءات والمنافع والموارد، وحيث تمول السلطة السياسية عبر موارد ريعية وشبكات محسوبية وقوى عسكرية وشبه عسكرية (de Waal, 2016; 2019).

وتتعامل أدبيات أحدث مع إطار السوق السياسي باعتباره ليس فقط نظرية لفهم السياسة السودانية، بل أداة نقدية لممارسات صنع السلام، لأنه يسأل عمن يملك الموارد التي تجعل التسوية ممكنة أو غير ممكنة، ومن يستفيد من استمرار الحرب، وكيف تتحول الالتزامات السياسية إلى صفقات قابلة للتبادل.

في هذه البيئة يمكن أن يصبح السلام نفسه صفقة توزيع موارد. فالحركة المسلحة قد تدخل التفاوض للحصول على منصب أو موارد أو إقليم أو امتيازات، وقد ترى مجموعة أخرى أن استمرار الحرب أفضل طريق للحصول على شروط تفاوضية أكبر.

وتصبح المشكلة أخطر عندما توجد موارد قابلة للتحويل إلى قوة سياسية، مثل الذهب والتجارة العابرة للحدود والتمويل الخارجي والاقتصادات العسكرية. عندها لا يكون السؤال فقط: «هل يريد القائد السلام؟» بل: كم تبلغ تكلفة السلام بالنسبة إلى شبكته الاقتصادية والعسكرية؟

  1. السلام كنخبة مقابل السلام كمؤسسة اجتماعية

أظهرت الخبرة السودانية أن كثيراً من الاتفاقات كانت «اتفاقات نخبة». يوقع قادة الحكومة وقادة الحركات، لكن المجتمعات المحلية والنساء والشباب والمهنيين والنازحين والإدارات الأهلية والضحايا والسلطات المحلية لا يكون لهم تأثير كافٍ على تصميم الاتفاق.

وتؤكد الأدبيات المقارنة أن المشاركة الواسعة ليست مسألة أخلاقية فقط؛ بل يمكن أن تزيد فرص استدامة الاتفاق عندما تؤدي إلى توسيع قاعدة الالتزام وتحديد القضايا المحلية التي قد لا تستطيع المفاوضات المركزية اكتشافها (Nouwen et al., 2020).

لكن المشاركة لا تعني مجرد إضافة عشرات الأشخاص إلى قاعة التفاوض. المشاركة الفعالة تعني القدرة على التأثير في الأجندة، والوصول إلى المعلومات، والتفاوض على المصالح، ومراقبة التنفيذ.

وتقدم عملية جوبا مثالاً واضحاً على الفجوة بين التمثيل الشكلي والمشاركة المؤثرة؛ فقد تحسن حضور النساء في بعض مراحل العملية، لكن منظمات المجتمع المدني النسائية لم تكن جزءاً متكافئاً من المفاوضات الرسمية، وظلت قدرتها على التأثير محدودة.

  1. مشكلة الترتيب الزمني

تشير الأدلة المقارنة إلى أن ترتيب تنفيذ بنود اتفاق السلام يمكن أن يحدد نجاحه. فالانتخابات المبكرة مثلاً قد تصبح خطرة إذا أجريت قبل معالجة المخاوف الأمنية والسياسية الأساسية، بينما يمكن أن تساعد ترتيبات الاستيعاب وتقاسم السلطة والإصلاح الأمني قبل الانتخابات على تقليل مخاطر العودة إلى الحرب (Joshi, Melander and Quinn, 2017).

في السودان كثيراً ما جرى التعامل مع الانتخابات أو تشكيل الحكومات أو توزيع المناصب قبل حل السؤال الأكثر حساسية: من يحتكر القوة المسلحة؟

  1. مشكلة التنفيذ

الاتفاق الذي لا يملك آلية تنفيذ مستقلة يتحول إلى إعلان نوايا. وهذه ليست مشكلة سودانية فقط، لكن السودان يقدم حالات متكررة توضحها بحدة. فالاتفاقات عادة تحتوي على جداول زمنية ولجان مشتركة ومفوضيات، لكن هذه المؤسسات لا تعمل إذا كانت تعتمد على الأطراف نفسها التي تستفيد من تأخير التنفيذ.

لذلك فإن التنفيذ ينبغي أن يكون جزءاً من تصميم الاتفاق منذ اليوم الأول، مع مؤشرات واضحة، ومواعيد، وتمويل، ونظام تحقق مستقل، ونشر دوري لما نُفذ وما لم يُنفذ.

عاشراً: النتيجة المشتركة لجميع التجارب ــ السودان حاول توزيع السلطة قبل أن يوحد أدوات القوة

إذا جرى وضع مؤتمر المائدة المستديرة وأديس أبابا وكوكادام والميرغني–قرنق والخرطوم وأبوجا والدوحة وجوبا وجدة في مصفوفة تاريخية، تظهر نتيجة شديدة الوضوح.

في معظم الحالات، تم التفاوض على واحد أو أكثر من الآتي: الحكم الذاتي، المناصب الوزارية، المقاعد البرلمانية، الموارد، الولايات، التعويضات، الاستفتاءات، أو الترتيبات الأمنية. لكن السؤال الأعمق ظل مؤجلاً: كيف تصبح الدولة صاحبة السلطة الوحيدة المشروعة في استخدام القوة؟

وعندما جرى تناول المسألة الأمنية، غالباً ما تم التعامل معها كـ«ترتيبات دمج» أو «نزع سلاح وتسريح وإعادة دمج» أو «دمج قوات الحركات»، بينما لم تتم معالجة الاقتصاد السياسي للمؤسسات العسكرية وشبه العسكرية، ولا استقلاليتها الاقتصادية، ولا علاقاتها بالشركات والأسواق، ولا مكانتها السياسية.

وهذا يفسر لماذا يمكن أن تنجح اتفاقية في إدخال قائد حركة مسلحة إلى مجلس أو وزارة، بينما يبقى السلاح في المجتمع. فالمشكلة لم تكن دائماً في هوية الأشخاص، وإنما في بنية الدولة التي تجعل القوة المسلحة مورداً سياسياً.

ويؤكد تحليل دي وال للمفاوضات وتنفيذ اتفاقات السودان بين 2002 و2011 أن السيطرة على المؤسسة العسكرية كانت من صميم الحسابات السياسية للنخب، وأن الترتيبات الأمنية لم تكن مجرد ترتيبات فنية، بل كانت مرتبطة بحسابات قواعد القوة الداخلية وتوقعات الصراع المستقبلي.

ولهذا فإن إصلاح القطاع الأمني ليس بنداً لاحقاً بعد توقيع اتفاق السلام، بل هو أحد الشروط المؤسسة للسلام نفسه.

حادي عشر: أساطير وشائعات ومعلومات مضللة حول فشل السلام السوداني

الأسطورة الأولى: «كل اتفاقات السلام السودانية فشلت بالكامل»

هذه العبارة غير دقيقة. اتفاقية أديس أبابا أوقفت الحرب الأولى لنحو أحد عشر عاماً، واتفاقية السلام الشامل أوقفت الحرب الشمالية–الجنوبية، واتفاق شرق السودان خفف الصراع المسلح في الشرق، كما حققت بعض الاتفاقات والهدنات مكاسب إنسانية وسياسية مؤقتة. المشكلة أن هذه النجاحات الجزئية لم تتحول إلى نظام وطني مستدام. لذلك الأدق هو القول إن معظم الاتفاقات نجحت في إدارة أو إنهاء نزاع محدد لفترة، لكنها فشلت في بناء تسوية وطنية تمنع إنتاج نزاع جديد (Johnson, 2016; Nouwen et al., 2020).

الأسطورة الثانية: «المشكلة أن السودانيين لا يعرفون كيف يتحاورون»

الأدلة لا تؤيد ذلك. فقد أنتج السودانيون وثائق تفاوضية متقدمة جداً، وبعضها سبق كثيراً من الصيغ التي أصبحت لاحقاً شائعة في أدبيات بناء السلام، مثل كوكادام والميرغني–قرنق وإعلان مبادئ الهيئة الحكومية للتنمية. المشكلة كانت في القدرة على تحويل التوافق المكتوب إلى تغيير في ميزان السلطة والمؤسسات.

الأسطورة الثالثة: «كل الفشل سببه التدخل الأجنبي»

التدخل الخارجي عامل حقيقي ومهم، لكنه ليس تفسيراً كافياً. فحتى المبادرات التي قادها سودانيون لم تنجح، كما أن كثيراً من الاتفاقات الدولية فشلت بسبب اختلالات داخلية سودانية. التدخل الخارجي قد يساعد أو يعرقل، لكنه لا يستطيع وحده تفسير استمرار بنية سياسية تجعل الانقلاب والحرب والتفاوض أدوات متكررة للسياسة.

الأسطورة الرابعة: «كل الحركات المسلحة كانت تبحث فقط عن السلطة والمال»

هذا تبسيط مضلل. كانت للحركات مطالب حقيقية تتعلق بالتهميش، والتنمية، والهوية، وتقاسم السلطة، والعدالة، والأمن. لكن وجود مطالب مشروعة لا يعني أن كل سلوك لقادة الحركات كان ديمقراطياً أو أن اقتصاد الحرب لم يؤثر في سلوك بعضهم. التحليل الجيد يجب أن يميز بين شرعية المظالم وشرعية الوسائل المستخدمة للتعبير عنها.

الأسطورة الخامسة: «إذا وقّعت القيادات فقد انتهت الحرب»

التجربة السودانية تناقض ذلك بوضوح. التوقيع ليس سوى بداية التنفيذ. وتظهر البيانات المقارنة أن مستوى تنفيذ بنود اتفاقات السلام يرتبط بصورة قوية باستمرار السلام؛ فالسلام الذي لا يتحول إلى ترتيبات مؤسسية وأمنية وسياسية قابلة للتحقق يظل هشاً (Joshi and Quinn, 2015).

الأسطورة السادسة: «الانتخابات تحل مشكلة الشرعية بعد اتفاق السلام»

الانتخابات قد تكون جزءاً من الحل، لكنها ليست بديلاً عن السلام. وإذا أجريت قبل بناء المؤسسات الأمنية والقضائية وقواعد المنافسة السياسية، فقد تتحول إلى مرحلة جديدة من الصراع. وتشير الأدلة المقارنة إلى أهمية تنفيذ ترتيبات الاستيعاب وتقاسم السلطة والأمن قبل الانتخابات عندما تكون مخاطر العودة إلى العنف مرتفعة (Joshi, Melander and Quinn, 2017).

الأسطورة السابعة: «الحل هو انتصار أحد الجيشين»

الحرب الحالية تجعل هذه الفكرة أكثر خطورة من أي وقت مضى. قد يؤدي انتصار عسكري إلى تغيير ميزان القوة، لكنه لا يعالج بالضرورة أسباب الحرب السياسية والاقتصادية والمؤسسية. وإذا انتهت الحرب بانتصار قوة مسلحة من دون إصلاح الدولة، فإنها قد تنتج دورة جديدة من التمرد والانقلاب والعنف.

الأسطورة الثامنة: «الحوار معناه مساواة أخلاقية بين جميع الأطراف»

التفاوض لا يعني منح الشرعية الأخلاقية لكل طرف. يمكن التفاوض مع أطراف ارتكبت انتهاكات من أجل وقف الحرب، مع استمرار المساءلة القانونية والسياسية. بل إن ربط السلام بالإفلات الكامل من العقاب قد يقوض السلام نفسه، لأن الضحايا والجماعات المحلية قد يرون الاتفاق باعتباره صفقة فوقية بين النخب.

الأسطورة التاسعة: «المشكلة كلها صراع بين المركز والهامش أو بين مجموعات إثنية»

هذه الصيغة تلتقط جزءاً من الحقيقة لكنها تختزلها. فالصراعات السودانية تتداخل فيها الجغرافيا مع الهوية والموارد والسلطة والأرض والمؤسسات العسكرية والتاريخ الاستعماري وما بعد الاستقلال والاقتصاد السياسي والشبكات الإقليمية. اختزال الحرب إلى ثنائية واحدة يمنع تصميم تسوية تعالج تعدد أسبابها.

الأسطورة العاشرة: «زيادة عدد الوسطاء تعني بالضرورة زيادة فرص السلام»

ليست المشكلة في عدد الوسطاء وحده. قد تكون مشاركة عدة أطراف مفيدة إذا كانت أدوارها منسقة، لكنها تصبح ضارة عندما تتنافس المنصات على الأطراف أو تقدم حوافز متناقضة أو تسمح للفاعلين بالانتقال من مسار إلى آخر بحثاً عن شروط أفضل. وقد وثقت دراسات حديثة أن تداخل الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية ومنصة جدة أضعف في بعض المراحل وضوح المسار الدبلوماسي.

ثاني عشر: ما الذي تقوله الأدلة الحديثة عن الطريقة الأفضل للخروج من الحلقة؟

أهم درس من الأدبيات الحديثة هو أن السودان لا يحتاج إلى «مؤتمر سلام آخر» بالمعنى التقليدي، بل إلى هندسة سلام متعددة المراحل.

المرحلة الأولى يجب أن تكون وقفاً فعلياً ومستداماً لإطلاق النار، لا مجرد إعلان سياسي. ويستلزم ذلك آلية مستقلة للتحقق من الخروقات، وخرائط دقيقة للقوات، وخطوط اتصال مباشرة، وترتيبات للمناطق الحساسة، وآلية للتعامل السريع مع الخروقات. الهدنة التي لا تملك نظام مراقبة وعقوبات وحوافز هي مجرد توقف مؤقت للقتال.

المرحلة الثانية يجب أن تكون إنسانية قبل أن تكون دستورية: فتح الممرات الإنسانية، حماية المدنيين، استعادة الخدمات الأساسية، منع استخدام التجويع والحصار كسلاح، وتسهيل عودة النازحين عندما تكون العودة آمنة وطوعية.

المرحلة الثالثة هي التفاوض السياسي، لكن ليس بين القوتين المسلحتين فقط. يجب أن يضم المسار القوى المدنية الديمقراطية، والأقاليم، والنساء، والشباب، والنقابات والمجتمع المدني، والضحايا، والنازحين، والمكونات الاجتماعية المحلية، مع ضمان ألا تتحول المشاركة إلى محاصصة شكلية.

المرحلة الرابعة هي إعادة بناء القطاع الأمني على قاعدة واضحة: جيش وطني واحد تحت سلطة مدنية، لا جيشين، ولا جيوش حزبية، ولا قوات شبه عسكرية ذات استقلال اقتصادي وسياسي دائم.

المرحلة الخامسة هي معالجة الاقتصاد السياسي للحرب. فلا يمكن أن ينجح نزع السلاح إذا بقي حمل السلاح أكثر ربحاً من السياسة المدنية. ولذلك يجب إدماج إصلاح شركات القطاع الأمني والعسكري، وتنظيم تجارة الذهب والموارد، ومراقبة التمويل الخارجي، وإغلاق مصادر تمويل الحرب، وبناء موازنة دولة شفافة.

المرحلة السادسة هي العدالة الانتقالية. ليس المطلوب تأجيل السلام حتى تتحقق العدالة الكاملة، ولا تأجيل العدالة إلى أجل غير معلوم باسم السلام. الأفضل هو بناء مسار متوازٍ يضمن المحاسبة على الجرائم الجسيمة، وجبر الضرر، وكشف الحقيقة، وإصلاح المؤسسات، مع عدم استخدام العدالة أداة للانتقام السياسي.

المرحلة السابعة هي الاتفاق الدستوري. وهنا يجب ألا تتكرر تجربة الاتفاقات السابقة التي وزعت المناصب قبل الاتفاق على شكل الدولة. ينبغي أن يكون السؤال الأول: ما الدولة التي يريد السودانيون بناءها؟ كيف توزع السلطة بين المركز والأقاليم؟ ما حدود سلطة الجيش؟ كيف يدار الاقتصاد؟ كيف تضمن استقلال القضاء؟ كيف تمنع إعادة إنتاج الدولة الموازية داخل الدولة؟

ويجب أن تضاف إلى ذلك مرحلة ثامنة تتعلق بالتنفيذ والتعلم. ينبغي ألا ينتهي دور الوسطاء والضامنين عند توقيع الاتفاق، بل يستمر من خلال نظام مستقل لمراقبة التنفيذ، ونشر تقارير دورية، ومراجعة المؤشرات، وتعديل بعض البنود إذا أثبت التنفيذ أن افتراضاً معيناً كان خاطئاً. فالسلام المستدام ليس مشروعاً ثابتاً، بل عملية مؤسسية قابلة للتعلم.

ثالث عشر: من «السلام بين المسلحين» إلى «السلام الذي يعيد تأسيس الدولة»

تقدم تجربة السودان درساً مهماً في مفهوم السلام نفسه. السلام الذي ينهي إطلاق النار بين قائدين مسلحين قد يكون ضرورياً، لكنه ليس كافياً. والاتفاق الذي يوزع المناصب بين النخب قد يقلل الحرب مؤقتاً، لكنه قد يعيد إنتاج الأسباب التي أدت إليها.

لذلك فإن أفضل صيغة للسودان ليست «اتفاق سلام» واحداً، وإنما عقد سلام وطني متعدد الطبقات يجمع بين وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والمساعدات الإنسانية، والتسوية السياسية، والإصلاح الدستوري، وإعادة بناء القوات المسلحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، والعدالة الانتقالية، والإصلاح الاقتصادي، والتنمية الإقليمية، وآليات تنفيذ وضمان دولية وإفريقية.

وهنا يمكن الاستفادة من الأدبيات التي تؤكد أن عملية السلام ينبغي أن تُفهم باعتبارها امتداداً للسياسة لا لحظة نهائية تنتهي عند توقيع الوثيقة. فالفاعلون المحليون والدوليون يواصلون التفاوض على المصالح والموارد والمؤسسات بعد التوقيع، ولذلك يجب تصميم الاتفاق باعتباره آلية لإدارة التغيير لا مجرد وثيقة إعلان نهاية الحرب (de Waal, 2020).

كما ينبغي الانتقال من فكرة «الشمول» بوصفها مجرد عدد من المقاعد إلى مفهوم أكثر عمقاً هو القدرة على تشكيل الأجندة. فقد يكون مؤتمر السلام واسع الحضور لكنه يظل نخبوياً إذا كانت الأجندة محددة سلفاً ولا يستطيع المشاركون التأثير في القضايا الأساسية. لذلك فإن التمثيل الحقيقي يجب أن يقاس بقدرة المشاركين على تغيير مضمون التسوية، لا بعدد الأسماء في قوائم الوفود.

رابع عشر: الدرس الخاص بالحرب الحالية ــ لماذا لن يكفي اتفاق جدة أو جنيف أو أي عاصمة أخرى؟

الدرس التاريخي الأهم هو أن تغيير مكان التفاوض لا يغير بنية الصراع. فالانتقال من جدة إلى جنيف أو أديس أبابا أو القاهرة أو باريس أو برلين لا يحل مشكلة غياب الثقة أو تعدد الجيوش أو اقتصاد الحرب أو تضارب مصالح الرعاة الإقليميين.

وقد أصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحاً في 2026، إذ اتجه الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى تنسيق المسارات عبر «الخماسية»، مع التركيز على عملية سياسية سودانية يقودها السودانيون. وفي يونيو 2026 عقدت الخماسية مشاورات في أديس أبابا مع طيف واسع من الفاعلين السودانيين، في أعقاب مؤتمر برلين، وأكدت في بيانها المشترك دعمها لسيادة السودان ووحدته وسلامته الإقليمية ولمستقبل سلمي وديمقراطي ومستقر.

وكان مؤتمر برلين في أبريل 2026 محاولة لإعادة القضية السودانية إلى مركز الاهتمام الدولي، مع الجمع بين المساعدات الإنسانية والمسار السياسي وتعزيز دور المدنيين. وأكد البيان الختامي للمؤتمر أهمية إعطاء الفاعلين المدنيين السودانيين مساحة أكبر في النقاش حول إطلاق حوار سياسي سوداني داخلي يمكن أن يمهد لانتقال تقوده القوى المدنية بعد وقف إطلاق نار دائم.

وهذا يمثل تطوراً مهماً مقارنة ببعض مسارات الماضي: إدراك أن عملية السلام لا ينبغي أن تبدأ وتنتهي عند القادة العسكريين. لكنه لا يضمن النجاح وحده. فالمشكلة التاريخية المتعلقة بالتمثيل لا تزال قائمة: من يمثل السودان؟ من يملك حق تحديد أجندة الحوار؟ هل يمكن إشراك القوى المرتبطة بأحد طرفي الحرب من دون تحويل الحوار إلى غطاء سياسي؟ وكيف يمكن منع إقصاء قوى أخرى؟

ومع ذلك، فإن مسار 2026 يحمل فرصة مختلفة إذا تم تجنب أخطاء الماضي: أن يبدأ الحوار من المجتمع والدولة لا من المحاصصة بين قادة السلاح.

خامس عشر: نموذج سوداني جديد للسلام ــ من اتفاقية تتوقف عند التوقيع إلى نظام سلام قابل للتعلم والتنفيذ

يمكن استخلاص نموذج عملي من التجربة التاريخية السودانية ومن الأدبيات المقارنة يتكون من عشرة مبادئ مترابطة.

أولاً، يجب الفصل بين وقف الحرب والتسوية السياسية، مع الربط بينهما زمنياً ومؤسسياً. لا ينبغي انتظار التسوية النهائية لوقف القتل.

ثانياً، يجب أن تكون الهدنة قابلة للقياس والتحقق، لا مجرد صيغة سياسية عامة.

ثالثاً، يجب معالجة المخاوف الأمنية للطرفين بصورة متوازنة، لأن نزع سلاح طرف واحد قبل توفير ضمانات موثوقة يؤدي إلى انهيار التسوية.

رابعاً، يجب ألا يقتصر التفاوض على الموقعين المسلحين. فالسلام المستدام يحتاج إلى أصحاب المصلحة المتأثرين مباشرة بالحرب.

خامساً، يجب أن يكون المجتمع المدني قادراً على التأثير في الأجندة، لا مجرد حضور احتفالي في المؤتمرات.

سادساً، يجب أن تكون ترتيبات الأمن والجيش في قلب الاتفاق لا ملحقاً فنياً في نهايته.

سابعاً، يجب ربط السلطة بالمساءلة: لا ينبغي أن تكون المكافأة على حمل السلاح هي تلقائياً الحصول على منصب سياسي أو إقليم اقتصادي.

ثامناً، يجب أن تكون هناك آلية تنفيذ مستقلة، مع مؤشرات أداء وجداول زمنية قابلة للمراجعة، ونظام علني لتسجيل ما نُفذ وما لم يُنفذ.

تاسعاً، يجب أن يكون للسلام تمويل واضح، لأن الاتفاقات غير الممولة تتحول إلى وثائق نوايا.

عاشراً، يجب بناء آلية «تعلم من التنفيذ» تسمح بتعديل بعض بنود الاتفاق وفق بيانات مستقلة، بدلاً من انتظار انهيار الاتفاق كاملاً. وهذا يتوافق مع الاتجاه الحديث في دراسات السلام الذي ينظر إلى تنفيذ الاتفاق باعتباره عملية تكرارية يمكن مراقبتها وتعديلها وليس مجرد مرحلة لاحقة للتوقيع (Joshi, Quinn and Regan, 2015).

ويضاف إلى هذه المبادئ مبدأ حادي عشر بالغ الأهمية: يجب أن يكون السلام وطنياً في بنيته، حتى عندما يبدأ من نزاع إقليمي. فإذا كانت مشكلة دارفور أو الشرق أو جنوب كردفان أو النيل الأزرق مرتبطة ببنية الدولة المركزية، فلا يكفي توقيع اتفاق إقليمي من دون إصلاح وطني أوسع.

والمبدأ الثاني عشر هو أن الضمانات الخارجية ينبغي أن تدعم السيادة السودانية لا أن تحل محلها. المطلوب ليس سلاماً تصنعه العواصم الخارجية، وإنما تسوية سودانية تستفيد من الضمانات والموارد والضغط الخارجي عندما يكون ذلك ضرورياً.

الخاتمة: لم يفشل الحوار السوداني لأن السودانيين حاوروا كثيراً، بل لأنهم حاوروا غالباً حول توزيع السلطة داخل الدولة قبل الاتفاق على قواعد الدولة نفسها

تكشف مراجعة ستة عقود من الحوار والسلام في السودان أن المشكلة ليست كثرة الحوارات، بل طبيعة الحوارات. فمن مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الإثني عشر، مروراً بأديس أبابا وكوكادام والميرغني–قرنق، ومفاوضات التسعينيات واتفاقية الخرطوم، إلى اتفاقية السلام الشامل وأبوجا والدوحة وشرق السودان وجوبا، ثم جدة ومسارات ما بعد 2023، تكرر النمط نفسه بدرجات مختلفة: اتفاقات بين نخب، ضعف في معالجة أصل الدولة، تعدد في مراكز القوة المسلحة، فجوة بين النص والتنفيذ، غياب ضمانات موثوقة، تجزئة النزاعات، وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع.

وكانت هناك دائماً لحظات اقترب فيها السودان من حل حقيقي. مؤتمر المائدة المستديرة أدرك الحاجة إلى معالجة دستورية؛ كوكادام نقل النقاش من «مشكلة الجنوب» إلى «مشكلة السودان»؛ مبادرة الميرغني–قرنق ربطت السلام بالمؤتمر الدستوري؛ إعلان مبادئ الهيئة الحكومية للتنمية ربط الوحدة بالمساواة والعلمانية والديمقراطية وتقاسم الثروة؛ اتفاقية السلام الشامل أوقفت حرباً طويلة؛ واتفاق جوبا حاول معالجة التهميش بعد الثورة. لكن كل هذه الفرص اصطدمت بدرجة أو أخرى بالسؤال الذي ظل مؤجلاً: من يملك الدولة، ومن يملك السلاح، ومن يملك الاقتصاد، ومن يملك حق تعريف الشرعية؟

ولذلك لا ينبغي النظر إلى التاريخ السوداني باعتباره سلسلة متصلة من «الفشل». الأدق أنه سلسلة من النجاحات الجزئية التي لم تتحول إلى تحول مؤسسي شامل. فقد أثبتت أديس أبابا أن الحرب يمكن إيقافها، وأثبتت اتفاقية السلام الشامل أن حرباً طويلة يمكن إنهاؤها عبر تسوية تفاوضية، وأثبتت اتفاقات أخرى أن العنف الإقليمي يمكن خفضه. لكن أياً من هذه النجاحات لم ينجح في تغيير النظام السياسي الذي يسمح بعودة إنتاج القوة المسلحة خارج الدولة.

والسلام في السودان فشل، في جوهره، عندما جرى التعامل مع الدولة كأنها وعاء محايد يمكن داخله توزيع المناصب والموارد، بينما كانت الدولة نفسها موضع الصراع. فمن يسيطر على الجيش يستطيع حماية النظام السياسي أو إسقاطه؛ ومن يسيطر على الموارد يستطيع تمويل القوة؛ ومن يسيطر على المؤسسات يستطيع تعريف الشرعية؛ ومن يسيطر على الاقتصاد يستطيع تحويل السلطة إلى شبكة ولاءات. ولذلك فإن اتفاقاً لا يغير هذه العلاقات لا يستطيع أن يكون أكثر من تسوية مؤقتة.

وهذا يفسر كذلك لماذا لم يكن توقيع اتفاقات السلام كافياً. فالاتفاق قد ينجح عندما تتطابق مصالح الموقعين مؤقتاً، لكنه ينهار عندما تتغير موازين القوة إذا لم توجد مؤسسات تمنع أحد الأطراف من الاعتقاد بأن العودة إلى الحرب أكثر ربحاً من الالتزام بالسلام.

كما أن تجربة السودان تؤكد أن «الشمول» لا يعني فقط وضع أكبر عدد ممكن من الأطراف حول الطاولة. فقد تكون الطاولة مزدحمة لكنها غير شرعية اجتماعياً، وقد تكون المفاوضات بين أطراف مسلحة كثيرة لكنها تستبعد الضحايا والنساء والشباب والنازحين والمجتمعات المحلية والقوى المدنية. والشمول الحقيقي يعني أن الفاعلين المتأثرين بالحرب يمتلكون قدرة حقيقية على التأثير في الأجندة وفي مضمون الاتفاق وفي آليات تنفيذه.

وتكشف التجربة كذلك أن العدالة والسلام ليسا بالضرورة هدفين متعارضين. فالإفلات الكامل من العقاب قد يشجع على تكرار العنف، بينما يمكن لمسار العدالة الانتقالية أن يكون جزءاً من إعادة بناء الثقة إذا صُمم بصورة مستقلة ومتدرجة وغير انتقامية. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: السلام أم العدالة؟ بل كيف يُصمم السلام بحيث يجعل العدالة جزءاً من استدامته.

لذلك فإن فشل السلام السوداني ليس دليلاً على استحالة السلام، بل دليل على أن وقف الحرب دون تغيير البنية التي تجعل الحرب أداة للسياسة لا ينتج سوى سلام مؤقت.

والدرس الأكثر أهمية من الأدلة التاريخية والمقارنة هو أن السودان لن يخرج من دورة الحرب بمجرد إنتاج وثيقة جديدة تحمل اسماً جديداً أو بعقد مؤتمر جديد في عاصمة جديدة. المطلوب هو الانتقال من نموذج «السلام كصفقة بين المسلحين» إلى نموذج «السلام كإعادة تأسيس للدولة»، ومن نموذج «التوقيع ثم التنفيذ» إلى «التصميم والتنفيذ والمراقبة والتعلم»، ومن نموذج «تقاسم المناصب» إلى «إعادة توزيع السلطة والموارد والقوة بصورة مؤسسية وعادلة».

وفي هذا الإطار، فإن الهدف النهائي ليس فقط أن يتوقف الجيش والدعم السريع أو أي قوة مسلحة أخرى عن إطلاق النار. الهدف هو بناء دولة لا يكون فيها حمل السلاح أقصر طريق إلى السلطة، ولا يكون فيها الانقلاب وسيلة عادية لتغيير الحكم، ولا تكون فيها الحرب سوقاً للموارد والولاءات، ولا تكون فيها اتفاقية السلام مجرد هدنة تنتظر أول تغير في ميزان القوة.

لقد أثبت تاريخ السودان أن الهدنة ممكنة، والاتفاق ممكن، ووقف الحرب ممكن؛ لكن السلام المستدام لا يصبح ممكناً إلا عندما تصبح تكلفة العودة إلى الحرب أعلى من تكلفة الالتزام بالدولة الديمقراطية المدنية الموحدة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي حوار سوداني قادم: ليس كم عدد القوى التي ستجلس حول الطاولة، ولا كم عدد الصفحات التي سيحتويها الاتفاق، ولا كم عدد الدول التي سترعاه، وإنما هل سينجح في تغيير الحوافز والمؤسسات وموازين القوة التي جعلت السودان يعود إلى الحرب بعد كل سلام تقريباً.

إذا لم يفعل ذلك، فسيكون الحوار مجرد حلقة جديدة في تاريخ طويل من الاتفاقات التي تنهي حرباً واحدة، بينما تترك الدولة التي تنتج الحرب قائمة كما هي.

أما إذا نجح، فسوف يكون مختلفاً نوعياً عن معظم المسارات السابقة: لن يكون مجرد اتفاق بين أطراف متحاربة، بل عملية لإعادة بناء الدولة السودانية نفسها؛ دولة يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية خاضعة للسلطة المدنية، وتكون فيها السياسة المدنية أكثر ربحاً من الحرب، ويصبح الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات والمؤسسات أكثر جدوى من الوصول إليها عبر السلاح، وتصبح الموارد العامة ملكاً للدولة والمجتمع لا شبكات القوة المسلحة، وتصبح العدالة جزءاً من الاستقرار لا عقبة أمامه، وتصبح الأقاليم شركاء في الدولة لا ساحات دورية للتمرد، ويصبح السلام عملية مستمرة للتعلم والتصحيح والمساءلة.

ومن ثم فإن السؤال التاريخي الذي ينبغي أن يوجه أي عملية سلام سودانية جديدة ليس: «كيف نجعل الأطراف توقع؟» وإنما: «كيف نجعل الأطراف والمجتمع والدولة يملكون من الحوافز والضمانات والمؤسسات ما يجعل الالتزام بالاتفاق أكثر عقلانية واستدامة من العودة إلى الحرب؟»

وهذه هي النقطة التي تفصل بين اتفاق سلام جديد وسلام حقيقي.

المراجع

  1. Akol Ruay DD. The Politics of Two Sudans: The South and the North, 1821–1969. Uppsala: Scandinavian Institute of African Studies; 1987.
  2. Alier A. Southern Sudan: Too Many Agreements Dishonoured. Exeter: Ithaca Press; 1990.
  3. Assal MAM, Ali SAM. Eastern Sudan: Challenges Facing the Implementation of the Peace Agreement in Gedaref State. Pretoria: Institute for Security Studies; 2007.
  4. Beswick SF. The Addis Ababa Agreement: 1972–1983 Harbinger of the Second Civil War in the Sudan. Northeast Afr Stud. 1991;13(2–3):191–215.
  5. de Waal A. Mission without End? Peacekeeping in the African Political Marketplace. Int Aff. 2009;85(1):99–113.
  6. de Waal A. When Kleptocracy Becomes Insolvent: Brute Causes of the Civil War in South Sudan. Afr Aff. 2014;113(452):347–369.
  7. de Waal A. Sudan: A Political Marketplace Framework Analysis. Boston: World Peace Foundation, Fletcher School, Tufts University; 2019.
  8. de Waal A. Concluding Reflections: Sudan’s Comprehensive Peace Agreement and Theories of Change. In: Nouwen SMH, James LM, Srinivasan S, editors. Making and Breaking Peace in Sudan and South Sudan: The Comprehensive Peace Agreement and Beyond. Oxford: Oxford University Press; 2020. p. 320–344.
  9. de Waal A, Spatz B, Sarkar A. Situating the Contribution of the Political Marketplace Framework to Peace Processes. Edinburgh: PeaceRep, University of Edinburgh; 2023.
  10. Durham University Library. Juba Round Table Conference 1965: Papers and Records. Durham: Durham University Library, Sudan Archive; 1965.
  11. El-Battahani AH. National Dialogue in Sudan: Past Experiences and Current Challenges. Khartoum: Sudan Democracy First Group; 2014.
  12. Hartzell CA, Hoddie M. Institutionalizing Peace: Power Sharing and Post-Civil War Conflict Management. Am J Polit Sci. 2003;47(2):318–332.
  13. Haywood KS. Comparing the SPLA’s Role in Sudan’s 1997 and 2005 Comprehensive Peace Agreements: To Spoil or Not to Spoil. Afr Stud Rev. 2014;57(3):143–165.
  14. Hoddie M, Hartzell CA. Civil War Settlements and the Implementation of Military Power-Sharing Arrangements. J Peace Res. 2003;40(3):303–320.
  15. Idris A, Daqash M. The Failure of the Jeddah and IGAD Mediation Efforts for Sudan. Washington DC: Arab Center Washington DC; 2024.
  16. International IDEA. The Juba Peace Agreement and the Sudanese Transition: Power Sharing or Democracy Building? Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance; 2023.
  17. Johnson DH. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars: Old Wars and New Wars. 3rd ed. Woodbridge: Boydell & Brewer; 2016.
  18. Joshi M, Melander E, Quinn JM. Sequencing the Peace: How the Order of Peace Agreement Implementation Can Reduce the Destabilizing Effects of Post-Accord Elections. J Peace Res. 2017;54(1):33–49.
  19. Joshi M, Quinn JM. Implementing the Peace: The Aggregate Implementation of Comprehensive Peace Agreements and Peace Duration after Intrastate Armed Conflict. Br J Polit Sci. 2015;47(4):869–892.
  20. Joshi M, Quinn JM, Regan PM. Annualized Implementation Data on Comprehensive Intrastate Peace Accords, 1989–2012. J Peace Res. 2015;52(4):551–562.
  21. Marsden R. Peacemaking in Darfur and the Doha Process: The Role of International Actors. In: Nouwen SMH, James LM, Srinivasan S, editors. Making and Breaking Peace in Sudan and South Sudan: The Comprehensive Peace Agreement and Beyond. Oxford: Oxford University Press; 2020. p. 230–257.
  22. Moman P. A Flawed Formula for Peacemaking and Continued Violence in Darfur: The Abuja Negotiations, 2004–6. In: Nouwen SMH, James LM, Srinivasan S, editors. Making and Breaking Peace in Sudan and South Sudan: The Comprehensive Peace Agreement and Beyond. Oxford: Oxford University Press; 2020. p. 212–229.
  23. Nouwen SMH. Sudan’s Divided (and Divisive?) Peace Agreements. In: Nouwen SMH, James LM, Srinivasan S, editors. Making and Breaking Peace in Sudan and South Sudan. Cambridge: Cambridge University; 2009.
  24. Nouwen SMH, James LM, Srinivasan S, editors. Making and Breaking Peace in Sudan and South Sudan: The Comprehensive Peace Agreement and Beyond. Oxford: Oxford University Press; 2020.
  25. Omer M. The Jeddah Declaration Is Not Yet a Ceasefire. Washington DC: Washington Institute for Near East Policy; 2023.
  26. Rolandsen ØH, Daly MW. A History of the Sudan. Cambridge: Cambridge University Press; 2016.
  27. Stedman SJ. Spoiler Problems in Peace Processes. Int Secur. 1997;22(2):5–53.
  28. Sudan People’s Liberation Movement/Sudan People’s Liberation Army, Democratic Unionist Party. The Sudanese Peace Initiative. Addis Ababa: SPLM/SPLA and DUP; 1988.
  29. Tønnessen L, Abbas R. Tokens of Peace? Women’s Representation in the Juba Peace Process. Afr Conflict Peacebuilding Rev. 2023.
  30. United Nations. Comprehensive Peace Agreement between the Government of the Republic of the Sudan and the Sudan People’s Liberation Movement/Sudan People’s Liberation Army. New York: United Nations; 2005.
  31. United Nations. Darfur Peace Agreement. New York: United Nations; 2006.
  32. United Nations. Doha Document for Peace in Darfur. New York: United Nations; 2011.
  33. United Nations Security Council. Resolution 1574: Comprehensive Peace Agreement in the Sudan. New York: United Nations; 2004.
  34. United Nations Security Council. Resolution 1679: Implementation of the Darfur Peace Agreement. New York: United Nations; 2006.
  35. Wakoson EN. Sudan’s Addis Ababa Peace Treaty: Why It Failed. Northeast Afr Stud. 1990;12(2–3):19–53.
  36. Walter BF. Committing to Peace: The Successful Settlement of Civil Wars. Princeton: Princeton University Press; 2002.
  37. Young J. Sudan: A Flawed Peace Process Leading to a Flawed Peace. Review of African Political Economy. 2005.
  38. Young J. The Fate of Sudan: The Most Unstable of States. London: Zed Books; 2012.
  39. Zartman IW. Ripeness: The Hurting Stalemate and Beyond. In: Stern PC, Druckman D, editors. International Conflict Resolution After the Cold War. Washington DC: National Academy Press; 2000. p. 225–250.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

للانتقال السلمي للنظام المدني الديمقراطي  .. بقلم: نورالدين مدني 
منبر الرأي
الرسالة الثانية وتطوير التشريع- قراءة تحليلية في فكر محمود محمد طه من داخل النص
عفواً دولة الامارات العربية الشقيقة .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان
منبر الرأي
شَرَطوا عِينَا ! .. بقلم: د. عبدالله البخاري الجعلي
عصاميون

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أين اغنياتك الخاصة. وينو انتاجك مع الرجال؟ .. بقلم: طه مدثر

طارق الجزولي
منبر الرأي

فلتدم أنت أيها الوطن (2) … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

دعوة من مركز يونس للأطفال والأسرة

طارق الجزولي
منبر الرأي

جهد يستحق التشجيع والمساندة .. بقلم: سعيد عبدالله شاهين

سعيد عبدالله سعيد شاهين
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss