زهير عثمان
حدود الوساطة الدولية في البحث عن طريق للخروج من الحرب
في خضم الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، عاد الجدل حول الآلية الخماسية الدولية الخاصة بالسودان إلى واجهة النقاش السياسي. فقد تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى دورها، حيث يرى بعض الفاعلين أن الخماسية لم تعد مظلة محايدة لرعاية الحوار، وإنما أصبحت طرفاً مؤثرًا في تحديد شكل العملية السياسية وأطرافها
غير أن اختزال الأزمة السودانية الراهنة في سؤال: “هل فقدت الخماسية حيادها؟” يحجب سؤالاً أعمق- لماذا أصبح السودان عاجزًا عن إنتاج عملية سياسية وطنية دون وسيط خارجي؟
فالوساطة الدولية لا تستطيع أن تصنع توافقًا سياسيًا من العدم. إنها تستطيع تسهيل الحوار وتقريب وجهات النظر، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية الداخلية. وكلما ازداد الانقسام، تحولت الوساطة من أداة للمساعدة إلى ساحة صراع حول الشرعية والتمثيل
ومن هنا فإن أزمة الخماسية ليست سوى جزء من أزمة أكبر: أزمة السياسة السودانية نفسها، حيث لا يزال الخلاف قائمًا حول من يمثل القوى المدنية، وكيف تُدار العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسياسة، وما هي قواعد ما بعد الحرب.
الخماسية- بين التيسير والوصاية
من المهم التمييز بين دور الوسيط وصانع القرار. فالمبدأ الأساسي للآليات الدولية هو التيسير وليس الوصاية. الوسيط لا يملك شرعية فرض قائمة المشاركين، لكنه لا يستطيع العمل إذا عجز السودانيون عن الاتفاق على قواعد الحوار
ولهذا فإن أي تعديل في آليات المشاورات لا يعني التخلي عن الحياد، بل قد يكون محاولة للخروج من حالة الجمود التي صنعتها الخلافات الداخلية. وإذا اختلف السودانيون حول من يحق له المشاركة، فمن يملك حق تحديد الممثلين؟ الإجابة لا يمكن أن تكون الخماسية وحدها، فشرعية العملية تأتي من توافق سوداني واسع
أزمة تعريف القوى المدنية
تكشف قضية المشاركة عن أعقد أزمات السياسة الحالية- من هو المدني؟
بعض القوى ترى أن القرب من المؤسسة العسكرية يفقد أي طرف صفته المدنية. لكن المدنية في معناها السياسي لا تعني موقفًا محددًا من الحرب، بل ترتبط بطبيعة الفاعل- هل هو تنظيم غير مسلح؟ وهل يقبل قواعد العمل السلمي؟
تحويل الخلاف السياسي إلى معيار لتحديد من يحق له المشاركة يعيد إنتاج ثقافة الإقصاء. المشكلة إذن في غياب اتفاق سوداني على معنى التمثيل السياسي
هل الانتصار العسكري يصنع شرعية سياسية؟
من القضايا التي تفرض نفسها العلاقة بين الميدان والمستقبل السياسي. فبعض التحليلات ترى أن أي تقدم عسكري للجيش يمنحه شرعية واسعة ويضعف الحاجة للسياسة
لكن التاريخ يقدم صورة أكثر تعقيدًا؛ فكثير من الأطراف حققت انتصارات عسكرية لكنها اضطرت لتسويات بسبب صعوبة إدارة الدولة بالقوة وحدها. فالشرعية لا تقوم على القوة وحدها، بل على القبول الداخلي، إدارة المؤسسات، تقديم الخدمات، والاعتراف الخليجي والدولي
لذلك، فإن التقدم العسكري لا يلغي الحاجة إلى السياسة بل يجعلها أكثر إلحاحًا
دروس الوساطة الدولية: لماذا تنجح وتفشل؟
تظهر تجارب النزاعات أن نجاح الوساطة يعتمد على استعداد الأطراف المحلية لصناعة تسوية. في تجارب كولومبيا وموزمبيق، لعب الوسطاء دورًا مهمًا بارتباطهم بوجود إرادة سياسية داخلية
أما في تجارب جنوب السودان وليبيا، فتحولت الوساطة إلى ساحة صراع لأن الأطراف لم تتفق على الأسئلة الأساسية
الدرس الأهم هو أن الوسيط لا يستطيع تعويض غياب السياسة الداخلية. فعندما تختلف الأطراف على قواعد اللعبة، يصبح الوسيط متهمًا من الجميع
السودان- الحاجة إلى مشروع سياسي
المشكلة الأساسية ليست في الخماسية، بل غياب مشروع وطني متفق عليه. الجيش يريد وساطة تعترف بمكانته، والقوى المدنية تريد ضمان عدم عودة الحكم العسكري، وقوى أخرى تريد الاعتراف بوزنها
وهكذا يتحول السؤال من “كيف نبني الدولة؟” إلى “من يملك حق تصميم العملية السياسية؟”. السودان لا يحتاج فقط إلى وسيط، بل يحتاج لاتفاق على قواعد الحوار ومفهوم الدولة
تقييم الخماسية يجب ألا يكون بمدى توافقها مع رؤية هذا الطرف أو ذاك، بل بقدرتها على تسهيل حوار سوداني حقيقي لكن المسؤولية الأساسية تقع على الفرقاء أنفسهم
أزمة السودان اليوم ليست أزمة حرب فحسب، بل أزمة سياسة فقدت قدرتها على إنتاج التوافق. فالمشكلة في جوهرها ليست في الوسيط… بل في غياب السياسة.
zuhair.osman@aol.com
