باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد عرض كل المقالات

ليل السودان: سهر العشاق وحراسة النجوم

اخر تحديث: 31 أغسطس, 2026 10:34 مساءً
شارك

ليل السودان: سهر العشاق وحراسة النجوم
للسودان ليلٌ آخر.
ليس هو ذلك الجزء المعتم من دورة النهار، ولا تلك الساعات التي تنطفئ فيها حركة الطرقات وتغفو المدن. ليل السودان كائن حي له صوته وإيقاعه وذاكرته؛ يبدأ أحيانًا من حلقة مديح، حين يستيقظ الطار في كف المادح ويتصاعد النغم في الفضاء، ثم يمضي بعيدًا حتى يبلغ مجالس الأنس ومسامرات العشاق وضفاف النيل وقرى الشمال وليالي الشايقية المضمخة بالشجن والهوى.
والليل، في أصله، سكن وستر. وقد جاءت الإشارة القرآنية البديعة: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. فالنهار للمعاش والحركة ومغالبة ضرورات الحياة، أما الليل فلباس الكون وسكينته، وفي هذه السكينة بالذات تتاح للروح فرصة أن تسمع نفسها.
ولذلك فإن الليل في الوجدان السوداني ليس نقيض النهار فحسب، بل هو زمن آخر للحياة.
إذا كان النهار زمن السعي والأسواق والعمل، فإن الليل زمن انكشاف الروح. فيه تخف وطأة الأشياء، وتصمت ضوضاء العالم قليلًا، فيسمع الإنسان ما كان النهار يحجبه عنه: خفقة القلب، ونداء الغائب، ووقع الذكرى، ورجفة الطار، وصوت المغني وهو يرسل حنجرته في فضاء لا تحده الجدران.
ولعل ذلك يفسر هذا الحضور الكثيف لمفردة «الليل» في الشعر والغناء السودانيين. فالليل عندنا ليس مفردة واحدة ذات معنى واحد؛ إنه مجموعة من الليالي: ليل العابد، وليل المادح، وليل العاشق، وليل المهجور، وليل المريض، وليل المغترب، وليل الشاعر، وليل المنتظر.
وقديماً قيل إن ليل العاشقين طويل. لكن السودانيين لم يكتفوا بطول الليل؛ لقد جعلوه صديقًا وشاهدًا وخصمًا وحارسًا ومسرحًا كاملًا للعشق.
حين يسهر الطار: ليل المدّاحين
لعل أول أبواب الليل السوداني هو باب المديح.
هناك لا يأتي الليل لكي يطفئ الأشياء، بل لكي يشعلها.
دائرة من الرجال، وطار، وأكف، وأصوات تتعالى بالصلاة والمديح، ووجوه يأخذها الوجد شيئًا فشيئًا بعيدًا عن المكان.
إنها مفارقة سودانية آسرة:
يحل الظلام، فيبدأ البحث عن النور.
وللمديح النبوي في السودان صلة خاصة بالليل؛ فكثير من مجالس الذكر والحوليات والليالي الدينية تبلغ ذروة وجدها حين يهدأ المكان وتنسحب أصوات النهار.
ومن هنا تأتي العبارة الشعبية الغنائية الآسرة:
«الليل الليل يا ليلى… للبقيموا الليل يا ليلى»
فالليل هنا ليس ليل العاشق الذي ينتظر محبوبته، وإنما ليل الذين يقيمونه: عبادةً وذكرًا وتبتلًا.
وهنا نكتشف أولى المفارقات الجميلة في الوجدان السوداني: المفردات نفسها تستطيع أن تعبر من العشق الإنساني إلى المحبة الروحية.
«ليلى» قد تكون اسم المحبوبة.
والليل قد يكون موعد العاشق.
ثم يتحول الليل نفسه إلى محراب، والسهر إلى عبادة، والشوق إلى حال من أحوال الروح.
وفي تراث حاج الماحي وود سعد وغيرهما من المداح، ظل الشوق إلى الرسول، والمدينة والروضة والزيارة، من المعاني التي تستدعي السهر والوجد.
فالمادح مشتاق.
والعاشق مشتاق.
المادح يريد الوصول.
والعاشق يريد الوصول.
وكلاهما يطيل الليل بالشوق.
غير أن جهة المحبوب تختلف.
ومن هنا يصبح الطار في ليل السودان أكثر من آلة إيقاع.
إنه مصباح صوتي.
لا يضيء للعين، ولكنه يضيء للقلب.
الليل الذي صار شخصًا
ومن أغرب ما فعله الخيال الغنائي السوداني أنه لم يكتف بوصف الليل، وإنما شخّصه.
ناداه.
وخاطبه.
وشكا إليه.
واستدعاه ليشهد.
حتى كأن الليل شخص يجلس إلى جوار العاشق ويسمع اعترافاته.
يقول المغني:
«يا ليل أبقى لي شاهد…»
وهذه العبارة وحدها تكشف منزلة الليل في المخيلة الغنائية. فما دام البشر قد لا يعرفون مقدار ما يعانيه المحب، فليكن الليل شاهد الإثبات.
وتأتي مناداة أخرى:
«حنين يا ليل ويا حنين…»
ثم يتكرر النداء في صور مختلفة، حتى يصبح «يا ليل» واحدًا من أكثر النداءات التصاقًا بالغناء العاطفي.
وليس ذلك غريبًا.
فمن الذي كان حاضرًا ساعة البكاء؟
الليل.
ومن رأى الساهر وهو يقلب جسده على الفراش؟
الليل.
ومن أحصى النجوم معه؟
الليل.
ومن سمع اسم المحبوب حين لم يكن هناك أحد؟
الليل.
ولهذا اكتسب الليل حق الشهادة.
الكاشف: «طول يا ليل»
ويبلغ تشخيص الليل درجة أخرى عند إبراهيم الكاشف.
ففي «طول يا ليل» لا يطلب العاشق انقضاء الليل، كما نتوقع ممن أتعبه السهر، وإنما يحدث العكس: إنه يستعذب امتداده.
فالليل عند الكاشف نسيم وسكون وجمال وتأمل في الأفلاك ومناجاة للأرواح، حتى يبلغ العاشق حالة لا يعود معها متعجلًا للصباح.
وهنا تنقلب الصورة التقليدية.
العاشق في كثير من الشعر يريد للفجر أن يأتي لينهي العذاب.
أما هنا فالليل نفسه أصبح محبوبًا.
لماذا؟
لأن الليل هو الزمن الذي يستعيد فيه العاشق حريته الداخلية.
إنه الزمن الذي يستطيع فيه أن يتذكر ويتخيل ويناجي من يحب بلا رقابة النهار.
ومن هنا يصبح امتداد الليل امتدادًا للحلم.
حقيبة الفن: الحقيبة التي حملت الليل
وإذا أردنا أن نتتبع الجذور الغنائية لهذا الليل، فلا بد أن نفتح حقيبة الفن.
وسوف نكتشف أن الحقيبة لم تحمل في داخلها الورود والرياض والنسيم والنيل والعيون والخدود وحدها؛ لقد حملت معها سماء كاملة:
ليلًا،
وقمرًا،
ونجومًا،
وسهادًا،
وطيفًا،
ونسيمًا،
وانتظارًا.
فالليل أحد المسارح الكبرى لشعر الحقيبة.
وفي عالم شعرائها، من أبو صلاح وسيد عبدالعزيز وعبيد عبدالرحمن وعمر البنا وغيرهم، لا يشترط أن ترد كلمة «الليل» نفسها حتى نعرف أننا فيه.
إذا حضر الطيف، حضر الليل.
إذا حضر السهاد، حضر الليل.
إذا ناجى العاشق النجوم، حضر الليل.
إذا جاء النسيم رسولًا إلى المحبوب، حضر الليل.
وإذا نام الناس وبقي عاشق واحد مستيقظًا، فقد اكتمل المسرح.
لقد بنت الحقيبة ما يمكن أن نسميه جغرافيا الليل العاشق.
نافذة، وقمر، ونسيم، ونجمة، وطيف، وقلب لا ينام.
والطيف خصوصًا حل شعري بديع لمشكلة الغياب: إذا تعذر حضور المحبوب في الواقع، حضر في الخيال.
لكن المفارقة أن العاشق الذي ينتظر الطيف قد لا ينام أصلًا!
وهكذا يظل بين النوم واليقظة، بين الحضور والغياب، وهي المساحة التي صنعت منها الحقيبة كثيرًا من سحرها.
حين يصبح السواد جمالًا
ولم يستخدم الشاعر الغنائي الليل زمنًا فقط، بل استعار منه لونه وصفاته.
فسواد شعر المحبوبة يستدعي الليل:
«شعرك الليل الطويل…»
والعيون قد تصبح من فرط جمالها قادرة على أن «تضوي الليل».
والرموش تصبح مكانًا يقضي عنده العاشق سهره.
وهنا تحدث مفارقة جمالية أخرى:
الليل الذي يعني السواد يصبح وسيلة لوصف الجمال، ثم تستطيع عينا المحبوبة أن تهزما ذلك السواد وتضيئاه.
بل يستطيع الحب نفسه أن يحوّل الليل إلى نور:
«من يوم ما شفتك ليلي ضوي…»
وهي صورة شديدة البساطة وشديدة العمق في آن.
فلم يتغير الليل في الخارج.
الذي تغير هو الإنسان.
الحب أشعل فيه ضوءًا، فأضاء العالم كله.
عثمان حسين: «أسهر ليلي وحدي»
ثم يأتي عثمان حسين، فنصل إلى واحدة من أنقى صور الليل السوداني حزنًا ورهافة:
«أسهر ليلي وحدي».
العنوان نفسه يكاد يكون قصيدة مكتملة.
أسهر.
ليلي.
وحدي.
ثلاث دوائر من العزلة تحيط بالإنسان.
فهو أولًا لا ينام.
وثانيًا هو في الليل، حين نام الآخرون.
وثالثًا هو وحده.
ومع عثمان حسين لا يبقى الليل خارج النافذة؛ يدخل إلى داخل الإنسان.
يصبح الليل حالة نفسية.
ولهذا فإن «أسهر ليلي وحدي» لا تصف الأرق بقدر ما تصف وجودًا كاملًا في الغياب.
فالغائب غير موجود في المكان، لكنه يحتل الذاكرة كلها.
وهذه إحدى مفارقات العشق:
كلما ابتعد المحبوب عن اليد، ربما اقترب أكثر من القلب.
وصوت عثمان حسين نفسه يعرف كيف يقيم في تلك المنطقة الدقيقة بين الحزن والجمال؛ فلا يجعل الحزن يأسًا، ولا يجعل الطرب نسيانًا.
جمهورية الساهرين
ولو جمعنا عبارات الليل المتناثرة في الغناء السوداني، لأمكن أن نقيم منها وطنًا كاملًا للساهرين.
هذا يقول:
«الليل ما بنومو لأني أنا حارس نجومو».
وآخر يستدعي النجوم:
«يا نجوم الليل اشهدي…»
وثالث يجعل الليل رفيقًا له في الشكوى، فيناجي الأفلاك.
ورابع يختصر حالته كلها في أن حب الجميل أبقاه ساهرًا والدنيا ليل.
وخامس يسهر وحده:
«أساهر الليل برايا».
وسادس لا يأتيه الليل إلا جاء معه الشوق:
«أنا ليلي كلما يجن… بشتاق».
وسابع بلغ به الأرق مبلغًا جعله يتمنى زيارة النوم ولو ليلة واحدة.
وثامن يخاطب شمعة ساهرة ويسألها: أأنت عاشقة مثلنا؟ هل تذكرين غائبًا كما نذكر؟
ويا لها من صورة!
حتى الشمعة أصبحت واحدة من جماعة العشاق.
هي أيضًا ساهرة.
وهي أيضًا تحترق.
ولذلك يسألها العاشق كما يسأل إنسانًا:
لماذا لم تنامي؟
هل تحبين؟
وهكذا لا يعود العاشق السوداني وحيدًا تمامًا.
معه الليل.
والنجوم.
والقمر.
والشمعة.
والنسيم.
والنيل.
وكلها تتحول في الأغنية إلى كائنات تشاركه المحنة.
إنها، إن شئنا، جمهورية الساهرين.
«يا ليالي»… حين نخاطب الزمن نفسه
ومن الصور الجديرة بالتوقف أغنية «يا ليالي» للشاعر محمد عثمان عبدالرحيم، صاحب النص الوطني الشهير «أنا سوداني أنا»، ولحن الخير عثمان.
والنداء هنا لا يتجه إلى ليلة واحدة، وإنما إلى الليالي.
إن الزمن نفسه أصبح مخاطبًا.
وما الفرق بين «يا ليل» و«يا ليالي»؟
في الأولى قد يكون الشاعر داخل محنة ليلة بعينها.
أما الجمع فيوحي بالتراكم: ليالٍ مضت، وليالٍ تأتي، وليالٍ حملت قصصًا ووجوهًا ومواعيد.
كأن الإنسان لا يناجي الزمن في لحظة واحدة، بل يناجي ذاكرته كلها.
ليل النيل والخرطوم
ثم يخرج الليل من غرفة العاشق إلى المدينة.
وهنا نسمع معنى من قبيل:
«يا جمال النيل والخرطوم بالليل».
فليل السودان ليس دائمًا ليل حزن.
قد يكون ليل جمال.
وللنيل في الليل سحر مختلف.
في النهار نراه ماءً وحركة ومعاشًا.
أما في الليل فيصبح مرآة للسماء.
القمر فيه قمران.
والنجمة نجمتان.
والضوء طريق طويل مرتعش فوق الماء.
والخرطوم حين تجاور النيل في الليل تصبح هي الأخرى جزءًا من المشهد الغنائي: أضواء على الماء، ونسمة، ومجلس، وصوت يأتي من بعيد.
وهكذا يستطيع الليل أن يحول المكان المألوف إلى مكان آخر.
أحمد المصطفى… حين يصبح الليل صوتًا
ثم يأتي أحمد المصطفى.
وعنده لا نستمع إلى أغنية فحسب، بل إلى شيء من تاريخ المزاج الحضري السوداني نفسه: أناقة العبارة، ورهافة الشجن، وتلك المسافة الدقيقة بين الحزن والطرب التي يصعب أحيانًا أن تعرف عندها: هل أنت مسرور بما تسمع أم موجوع به؟
وهذه إحدى أسرار الأغنية السودانية:
إنها تستطيع أن تجعل الحزن جميلًا.
ويجد هذا الجمال بيئته الطبيعية في الليل.
فبعض الأصوات لا تكتمل إلا حين تهدأ الدنيا؛ تحتاج إلى مصباح بعيد، أو قمر على نافذة، أو مجلس أصدقاء، أو شارع خفتت أصواته، لكي تسترد سلطانها القديم على القلب.
وحين يجيء صوت أحمد المصطفى من الذاكرة، لا يجيء وحده.
تأتي معه الخرطوم القديمة، والمجالس، والأصدقاء، وأناقة زمن مضى، وليل كان الناس يملكون فيه متسعًا لكي يصغوا.
الليل عند الشايقية
ثم نصعد مع النيل شمالًا.
هناك يختلف الليل ولا يختلف.
في بلاد الشايقية، حيث النيل والنخيل والجروف والجبال والصحراء في جوار عجيب، يأخذ الليل مذاق المكان.
وحين نقول «ليلنا» فإن ضمير الجماعة هنا بالغ الدلالة.
ليس «ليلي» وحدي.
إنه ليلنا.
ليل الجماعة والقرية والمغني والسامعين؛ ليل الذين جلسوا في المكان نفسه وتقاسموا الحكايات نفسها وعرفوا أسماء النجوم ومواضع النخيل ورائحة الطين بعد الماء.
وصوت الطنبور نفسه ملائم لهذا الليل؛ ففي رنين أوتاره شيء من البعد، وشيء من الصحراء، وشيء يشبه وقع خطى مسافر بمحاذاة النيل.
وهنا تنهض ليالي الشجون والهوى، ويغدو الليل مستودعًا لذاكرة المكان.
عاشق ومادح… والوجد واحد
وهنا نعود إلى السؤال الذي ظل يتردد تحت المقال كله:
ما الذي يجمع العاشق بالمادح؟
قد يبدو السؤال غريبًا، لكن تراثنا الغنائي يقدم إجابة شديدة الجمال.
كلاهما مشتاق.
هذا يسهر لأن محبوبه غائب.
وذاك يسهر شوقًا إلى المصطفى والمدينة والزيارة.
هذا يذكر اسم محبوبته فيرق قلبه.
وذاك يسمع اسم النبي فتأخذه الحضرة.
هذا ينتظر اللقاء.
وذاك ينتظر الوصول.
هذا قد يبكي.
وذاك قد يبكي.
وكلاهما وجد في الليل زمنًا صالحًا لانكشاف الشوق.
ومن هنا تتجاور في الذاكرة السودانية عبارتان تبدوان متباعدتين:
«الليل ما بنومو…»
و
«الليل الليل يا ليلى للبقيموا الليل…»
الأول عاشق لا ينام.
والثاني عابد لا ينام.
وبينهما يمتد ليل السودان كله.
أبو فراس: الليل العربي القديم
وعند هذه النقطة يفتح الليل السوداني نافذته على التراث العربي الأوسع.
فالليل رفيق قديم للشاعر العربي؛ مرآة للوحشة والعشق والأسر والحنين.
ويجيء أبو فراس الحمداني مثالًا باهرًا على هذا الليل.
فعندما يحضر الليل عند أبي فراس، يحضر معه الغياب. يصبح الظلام مساحة تتضخم فيها الذكرى، ويصبح البعيد أقرب إلى القلب كلما ابتعد عن اليد.
وهنا يلتقي عاشق عربي عاش قبل قرون بمغنٍ سوداني حديث.
كلاهما عرف السر نفسه:
أن الليل يكبّر صوت الغائب.
في النهار نستطيع الهرب من الذاكرة.
في الليل يصعب ذلك.
التيجاني… حين يسمع الليل
ثم نصل إلى التيجاني يوسف بشير.
وهنا يتغير كل شيء.
فالليل عند التيجاني ليس مجرد خلفية يقف أمامها العاشق، ولا زمنًا مناسبًا للشكوى فحسب.
إنه كائن شعري يكاد يمتلك أذنًا وروحًا ووعيًا.
ومن هنا تأتي تلك المخاطبة المدهشة:
«في أذن الليل يا نبي المشاعر…»
إننا أمام خيال لا يكتفي بأن يرى الليل.
إنه يريد أن يهمس في أذنه.
ولليل أذن تسمع!
وهذه واحدة من خصائص عالم التيجاني الشعري: الأشياء عنده لا تبقى أشياء. الضوء يتحرك، والظلمة تتنفس، والكون يصغي، والشاعر لا يقف خارجه وإنما يدخل في حوار معه.
ومن هنا يختلف ليل التيجاني عن كثير من ليالي الشعر.
إنه ليل الرؤيا.
الليل الذي تستطيع الروح أن ترى فيه ما يحجبه الضوء العادي.
ولعل هذا يعيدنا، من طريق آخر، إلى ليل المديح الذي بدأنا منه.
فهناك أيضًا كان الظلام طريقًا إلى النور.
وكأن الدائرة قد اكتملت.
الليل الذي يضيء
من حاج الماحي والمداح والطار إلى حقيبة الفن، ومن «يا ليل» إلى «يا ليالي»، ومن الكاشف وهو يتمنى امتداد الليل إلى عثمان حسين وهو يسهر ليله وحده، ومن «حارس نجومو» إلى الشمعة الساهرة، ومن أحمد المصطفى إلى ليل النيل والشايقية، ومن أبي فراس إلى التيجاني يوسف بشير، تتعدد الليالي وتبقى حقيقة واحدة:
الإنسان يبحث في الليل عن شيء غائب.
المادح يبحث عن نور المحبوب المصطفى.
والعاشق يبحث عن حبيب.
والمنتظر يبحث عن موعد.
والمغترب يبحث عن وطن.
والشاعر يبحث عن معنى.
والساهر يبحث، ربما، عن نفسه.
لهذا لا أستطيع أن أرى ليل السودان مجرد ظلام.
إنه فضاء واسع تتجاور فيه الطارات والدفوف والطنابير والأعواد، وتلتقي عنده أصوات المداح بأصوات العشاق، كأن بين الفريقين عهدًا قديمًا بأن يكون الليل مملكتهما المشتركة.
هذا يقول للمحبوب: طال غيابك.
وذاك يقول: طال شوقي إلى الزيارة.
هذا يسهر منتظرًا طيفًا.
وذاك يسهر منتظرًا نفحة.
هذا يرفع عينيه إلى النجوم.
وذاك يرفع قلبه إلى النور.
وعلى ضفاف النيل، حين يهدأ الماء قليلًا، وتستقر القرى تحت ظلال النخيل، ويصعد القمر من وراء الأفق، يبدو كأن البلاد كلها تدخل في قصيدة.
هناك طار بعيد.
وهناك طنبور يأتي صوته من قرية على النيل.
وهناك عود يستعيد شيئًا من ليالي الحقيبة.
وهناك الكاشف يطلب من الليل أن يطول.
وهناك صوت عثمان حسين كأنه ما زال يسهر ليله وحده.
وهناك عاشق يحرس النجوم.
وهناك شمعة تسهر معه.
وهناك مادح أخذته الحضرة فلم يعد يدري كم بقي من الليل.
وهناك شاعر يتهيأ لكي يضع كلماته في أذن الليل.
ولعل أجمل ما في ليل السودان أنه، مهما اشتدت عتمته، ظل السودانيون يعرفون كيف يشعلون فيه شيئًا:
طارًا،
أو عودًا،
أو طنبورًا،
أو مديحًا،
أو أغنية،
أو ذكرى،
أو قصيدة،
أو نجمةً يحرسونها حتى الصباح.

abdelrmohd@hotmail.com

دعبدالرحيم عبد الحليم محمد

Author

د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
البحث عن موقع في عالم متغير .. بقلم: د. حسن بشير محمد نور
منبر الرأي
اللواء برمة ناصر !! العقلية العسكرية لن تستوعب المدنية .. بقلم: جمال الصديق الامام /المحامي
منبر الرأي
هدية الغازي صلاح الدين للأحزاب .. بقلم: سارة عيسى
منبر الرأي
حوار فكري مع المفكر والرئيس السابق للشؤون الدينية والاوقاف بتركيا ورئيس معهد التفكر الإسلامي
منشورات غير مصنفة
حقيقة الحرب !

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

السيد البدوي .. جورج غالاوي المصري .. بقلم: سارة عيسى

سارة عيسى
منبر الرأي

منظمة لا للإرهاب تدعم موقف الرئيس فرنسوا هولاند فى مواجهة الرئيس الأمريكى دونالد ترمب

عثمان الطاهر المجمر طه
منبر الرأي

الاستفتاء والمفاهيم الدينية المغلوطة … بقلم: بابكر فيصل بابكر

بابكر فيصل بابكر
منبر الرأي

الى متى تحتكر مصر الجامعة العربية !؟ .. بقلم: آدم خاطر

أدم خاطر
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss