بقلم ابشر الحاج
يقال إن “المعاناة تولد الإبداع”، وهل من مقولة أحب إلى قلوب البسطاء من هذه العبارة الناعمة؟ إن النفس البشرية تتميز بميل عجيب لإيجاد التعليلات الروحية لشقائها، فتراها تضفي هالة من القداسة على آلامها، وتحول العجز والفقر إلى بطولة! وكأن العبقرية جني مكسول لا يستيقظ من نومه الإلهي إلا إذا طعن صاحبه بوعكة جوع أو أُلقي به في قعر المأساة.
والواقع أننا حين نرفع غطاء الأوهام عن تاريخ البشرية، نكتشف أن أكثر المقولات الشائعة ليست سوى مخدرات إجتماعية يبتكرها العقل ليتحمل بها مرارة الواقع. نعم، قد تقع المعجزة ويتخرج شاعر من قلب الحرمان، أو يبدع فيلسوف وهو يتضور جوعا، لكن تحويل الحالات الشاذة إلى قانون عام هو من السذاجة بمكان؛ فليس كل جائع سيتحول حتما إلى المتنبي، ولا كل من نام على معدة خاوية يستيقظ وفي رأسه نظرية تهز أركان الكون. إننا -كعادتنا في تقديس الناجين- نذكر دائما القلة التي أفلتت من مخالب المأساة، وننسى آلاف المطحونين تحت عجلة السعي اليومي، ممن إبتلعتهم أزمات العيش قبل أن يجدوا متسعا من الوقت ليقرؤوا كتابا أو يفكروا في مجرة!
وأنظر -إن أردت مهزلة العقل البشري- إلى الواقع السوداني اليوم، حيث وجد للمقولة أعظم “مختبر عملي”. فالمواطن الذي يستيقظ كل صباح ليخوض حربا ضارية مع الأسعار، والخدمات المنهارة، وتكاليف العلاج، ومرارات الحرب والنزوح، لا يشغله سؤال: “ماذا سأبتكر اليوم؟”، بل يشغله السؤال الوجودي الأعظم: “كيف سأدبر غداء اليوم؟”. إنه يمارس نوعا من “الاحتيال المعيشي” لتجاوز اليوم بأقل الخسائر، فيظن الملاحظ السطحي أن هذا عبقرية وإبداع! والواقع أن التكيف مع الخلل لا يعني بحال أن الخلل قد صار ميزة، والتفوق في فن النجاة لا يبرر القبول بالاستعباد المعيشي.
وهنا يتبدى التناقض الصارخ حين نخلط بين “مقامات الخواص” و”واقع العوام”. فالأولياء والزهاد قد يرون في الفقر ابتلاء يتقربون به إلى الله، فتسمو أرواحهم لأنهم اختاروا حرمانهم اختيارا روحيا وأسبغوا عليه معنى إيمانيا. لكن الكارثة الكبرى تبدأ عندما يطالب علماء السلطان والأدباء والصحفيون المقربون من السلطة عامة الناس بأن يتصرفوا بأسلوب الأولياء! فالأب الذي يقف عاجزا أمام صيدلي لا يملك ثمن دواء لطفله، لن يرى في الفقر “حكمة إلهية” تسلي حزنه، بل سيراه مأساة تعتصر كرامته. وإن إستمرار هذا الضغط مع انسداد الأفق لا يولد الإبداع ولا يورث الصبر، بل يورث المرارة والشك، وقد يدفع العامي إلى حافة الكفر برحمة العالم. فالفقر ليس فضيلة في ذاته، والزهد خيار فردي لا يجوز تحويله إلى سياسة إقتصادية يطالب البسطاء بدفع ثمنها!
ولإضفاء نكهة من السخرية العلمية على هذا السيرك الاجتماعي، يمكننا الإستعانة بقانون باركنسون الشهير (Parkinson’s Law) الذي صاغه المؤرخ البريطاني سي. نورثكوت باركنسون (C. Northcote Parkinson)، والقائل بأن “العمل يتمدد ليملأ الوقت المتاح لإنجازه”. واستعاريا، يمكننا أن نصوغ “قانون باركنسون المعيشي”: إن الأزمات اليومية تتمدد وتتضخم لكتلتها النفسية حتى تلتهم كل المساحة المتاحة للوقت والتفكير. فالوقت الذي كان يمكن لشبابنا أن يستثمروا فيه عقولهم في إبتكار أو علم، يستنزفونه كاملا في تدبير المواصلات، البحث عن أسطوانة غاز، أو توفير ثمن الوجبة القادمة!
إن الإبداع لا ينبت في التربة المسمومة بالبؤس الدائم، بل يحتاج إلى الموارد، والحرية، والأمان، والوقت. ولو كان الفقر والشقاء يصنعان العباقرة حقيقة، لكانت الشعوب الأكثر فقرا وتخلفا هي التي تقود المركبة الحضارية لكوكب الأرض! إن السؤال المحوري ليس: “لماذا لم تجعلنا المعاناة أكثر إبداعا؟”، بل: “كم من العقول الفذة والأفكار العظيمة أغتيلت في مهدها لأن المعاناة طحنت أصحابها قبل أن يسمع بهم أحد؟”.
إن الحضارة الحقيقية لا تقاس بقدرة الإنسان على اختراع الحيل ليعيش في الخراب، بل بإنشاء مجتمع إنساني لا يضطر فيه الفرد إلى قضاء عمره كاملا وهو يحاول فقط… ألا يموت!
