باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 9 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

مؤرّخ السودان محمد عبد الرحيم، الذاكرة التي دافعت عن المهدية

اخر تحديث: 9 سبتمبر, 2026 10:19 مساءً
شارك

مؤرّخ السودان محمد عبد الرحيم، الذاكرة التي دافعت عن المهدية
قراءةٌ عن ثلاث مؤلَّفات، «نفثات اليراع» و«النداء في دفع الافتراء» و«أبطال السودان»

د. الرشيد خليفة
رجلٌ يُحصي ذاكرة أمّة
في بلادٍ اعتاد مؤرّخوها الأوائل أن يكونوا إمّا حاكماً يكتب لنفسه المجد، أو غريباً يكتب عن أهلها ما يشتهي، يطلّ علينا محمد عبد الرحيم (1878–1966) بوصفه استثناءً لطيفاً: محاسبٌ في خدمة الإدارة الاستعمارية بالنهار، ومؤرّخٌ لذاكرة مقاوِميها فيما تبقّى من العمر. وظّفته الحكومة لتَضبط بقلمه دفاترها، فاستعمل ما أتاحته له الوظيفة من أسفارٍ في أن يضبط شيئاً آخر تماماً: أخبار وطنٍ، وأشعاره، وقبائله، وأبطاله. ولعلّ في ذلك أطرف مفارقات التأريخ السوداني: أن يُنفِق الاستعمار، من حيث لا يحتسب، على تدوين الذاكرة التي ستُخاصمه لاحقاً.
المحاسب الذي صار «مؤرّخ السودان»
وُلد محمد عبد الرحيم في قرية «كبر الهبوب» شمالي مدينة الأُبيِّض بكردفان، وتلقّى تعليمه الأوّل في الخلوة على عادة أهل زمانه، ثمّ حمل في شبابه السلاح في صفوف المهدية، فكان من القلّة الذين جمعوا بين صفتَي الشاهد والمؤرّخ [1]. والتحق عام 1904 بخدمة الحكومة محاسباً، فنقلته الوظيفة بين مدن السودان وتخومه، وكان حيثما حلّ يجمع الأخبار ويدوّن أنساب القبائل وسِيَر الرجال [2]. ولغزارة ما كتب لُقّب بـ«مؤرّخ السودان» [1].
ولم يقنع بالتأليف وحده، بل، أسّس مجلة «أم درمان» ووقفها على تاريخ البلاد، فأصدر منها عشرة أعداد في عامَي 1936 و1937، وكان قد ألقى في القاهرة عام 1935 محاضرةً بعنوان «العروبة في السودان» أمام «رابطة الشباب العرب» [2]، [3]. وقد بلغ من مكانته الأدبية أن خصّه الشاعر المجدّد التجاني يوسف بشير بقصيدةٍ سمّاها «رسول التاريخ» [2]. وحين رحل عام 1966 كرّمته الدولة بجائزتها التقديرية في حفلٍ بالقصر الجمهوري مطلع 1967، وأفردت له دار الوثائق كُتيّباً في سيرته وآثاره [2]. رجلٌ قضى عمره يكتب سِيَر غيره، فانتهى به المطاف سيرةً تُكتَب.
المنهج والمصادر، تاريخٌ يُروى ويُنشَد
منهج عبد الرحيم، إن جاز لنا أن نمنح «الذاكرة» اسم منهج، قائمٌ على ثلاثة روافد: الرواية الشفاهية التي جمعها من أفواه الناس، وخاصةً في كردفان؛ والوثيقة المكتوبة؛ والشعر بوصفه سِجِلّاً للوقائع والمواقف [3]. وهو في هذا امتدادٌ للتقليد العربي-الإسلامي في «الأخبار» و«الطبقات» و«الخطط»؛ حتى إنّ عنوان أحد كتبه، «الهدية في الخطط السودانية»، يُحيل مباشرةً إلى «الخطط التوفيقية» لعلي مبارك، وقبلها «خطط المقريزي» [3]. أضِف إلى ذلك رافداً رابعاً لا يملكه سواه: شهادته الشخصية بوصفه مقاتلاً سابقاً عاش الأحداث ولم يقرأ عنها في مذكّرات الآخرين.
على أنّ لهذا المنهج ثمنه: فالذاكرة الشفاهية سخيّةٌ في التفاصيل، شحيحةٌ في التوثيق؛ تمنحك اللون والنبرة، وتبخل عليك أحياناً بالتاريخ الدقيق والسند المتّصل. وهكذا يقف صاحبنا في منتصف الطريق بين الحكّاء الذي يمتلك القصّة كاملة، والمحقّق الذي يطالبها بأوراقها الثبوتية.
ما يتفرّد به
يمتاز عبد الرحيم بخصلةٍ نادرة في أدب المرافعات: أنّه دافع عن المهدية، ثم أثبت في كتابه ما قيل ضدّها. ففي «نفثات اليراع» أورد كثيراً من الأخبار والأشعار التي تهاجم المهدية وتقدح في الإمام محمد أحمد المهدي (1844–1885) وخليفته وكبار أمرائها [1]. وهذه أمانةٌ توثيقية لا تخطر إلا لمن يثق أنّ قضيّته أقوى من أن تهدمها قصيدة خصم؛ فالمؤرّخ الذي يحفظ لخصومه هجاءهم كاملاً ثم يودعه بطون كتبه، إنّما يصنع لهم من حيث لا يتوقعون أرشيفاً يعجزون هم أنفسهم عن حفظه.
ويتفرّد ثانياً بأنّه كتب من الداخل: من داخل الجغرافيا (كردفان ودارفور وأعالي البلاد)، ومن داخل التجربة (مقاتلاً ثم موظفاً)، في زمنٍ كان جُلّ ما يُكتب عن السودان يُصاغ في لندن والقاهرة، على موائد لم يجلس إليها سودانيّ.
الأطروحات الأساسية في المؤلّفات الثلاثة
لكلٍّ من المؤلّفات الثلاثة أطروحةٌ ناظمة، وإن جمعتها كلَّها فكرةٌ واحدة كبرى: أنّ للسودان تاريخاً وذاكرةً وأبطالاً، وأنّ الأولى بكتابتها أبناؤه لا خصومه.
أوّلاً، «نفثات اليراع في الأدب والتاريخ والاجتماع» (الخرطوم، 1936)
نشأ هذا الكتاب [4] من رحم الوظيفة لا المكتبة: فبعد نقل المؤلّف مطلع مارس 1930 إلى بلدة «كتم» بشمالي دارفور، شرع في تدوين مقالاتٍ عن دارفور ووداي ونيجيريا، ثمّ جمعها في هذا السِّفر [3]. وقد طُبع منه الجزء الأوّل وحده سنة 1936، وبقي الثاني مخطوطاً لأسبابٍ لم تتّضح [3]، [2]. وصدّره المؤلّف بقصيدةٍ في مديح الأمير المصري عمر طوسون، أحد رُعاة الأدب في زمانه [2]، في إشارةٍ إلى أنّ التأريخ السوداني الوليد كان لا يزال يستظلّ بمظلّةٍ ثقافية مصرية.
أمّا مادّته فموسوعية النَّفَس: تاريخ الغناء العربي والسوداني، ومختاراتٌ من الشعر القومي وأغراضه، وأنساب القبائل وأصولها، وتاريخ العهد التركي، وفصولٌ في المهدية دفاعاً عنها [1]. وأطروحته المركزية تتجاوز الجمع إلى الموقف: إثبات عروبة السودان وإسلاميّته في وجه من طعن فيهما، في سياق صراع الهوية الذي أعقب ثورة 1924 [5]. حتى حين وصف، فيما نُقل عنه، مزاج «الإنسان السوداني» بأنّه سريع الانفعال شديد التأثّر، يشتعل كالنار بأيسر تحريض، فإنّما كان يرسم صورةً لأمّةٍ يريد أن يُثبت أنّ لها طبعاً وذاكرةً وكياناً قائماً بذاته [4].
ثانياً، «النداء في دفع الافتراء»
هو إلى المرافعة أقربُ منه إلى المؤلَّف الهادئ: كتبه المؤلّف ردّاً على ما عدّه افتراءً على السودان وأهله، وفي صدارة ما ردّ عليه كتاب «السودان بين يدي غردون وكتشنر» لضابط الجيش المصري إبراهيم فوزي باشا [1]. وهو في بنيته ونبرته من روّاد أدب المذكّرات عند الجيل الذي وُلد في العهد التركي وعاصر المهدية وشطراً من الحكم الثنائي، وهو جيلٌ عُدّ تدوينه رائداً بالغ الأثر في الدراسات التاريخية السودانية [6]. وأطروحته أنّ روايات الضبّاط والرحّالة الأجانب شهاداتُ خصومٍ لا محاضرُ قضاة؛ تُقرأ بميزان، ويُردّ عليها بالحُجّة والوثيقة والشعر، لا بالصمت ولا بالتسليم.
ثالثاً، «أبطال السودان» (مخطوطة بدار الوثائق القومية بالخرطوم)
سِفرٌ ضخم لم يُطبع قطّ، يقع في أكثر من ألف صفحة (تُحيل الدراسات إلى صفحاتٍ تتجاوز 1180)، محفوظٌ بأرقامه الأرشيفية في دار الوثائق القومية [7]، [2]. خصّصه المؤلّف لسِيَر أمراء المهدية وقادتها ومواقفهم في حقبة 1881–1898، حتى غدا مرجعاً وثائقياً يعود إليه الدارسون في تحرير مواقف الأمراء وأنسابهم وبطولاتهم [7]. وأطروحته الصريحة: انتشال رجال الثورة من عتمة «الدراويش» المجهّلين في الأدبيات الأجنبية إلى متن التاريخ الوطني بأسمائهم ووجوههم وأنسابهم، أي ردّ الاعتبار للفرد السوداني بوصفه فاعلاً في التاريخ لا رقماً في جيش.
بين يدَي القارئ، في تعذّر بلوغ الأصول
وهنا لا بدّ من مصارحة القارئ: لم يتيسّر لي أن أضع الأصول الثلاثة كاملةً بين يديّ. فـ«أبطال السودان» مخطوطةٌ لم تُطبع، ولا وجود لها إلّا في دار الوثائق القومية بالخرطوم؛ وهي الدار التي وقعت منذ الأيام الأولى للحرب في أبريل 2023 في قلب منطقة القتال قرب القيادة العامة، فأصاب مبناها الحريقُ والدمار والتصدّع، وفُقد أرشيفها الإلكتروني، وبات الوصول إلى مخطوطاتها الهشّة متعذّراً [8]. أمّا «نفثات اليراع» فلم يُطبع منه إلّا جزؤه الأوّل سنة 1936، في طبعةٍ قديمة نادرة لم تُرقمَن، وبقي جزؤه الثاني مخطوطاً [3]. و«النداء في دفع الافتراء» طبعةٌ قديمة عزيزة المنال لم تجد بعدُ طريقها إلى النشر الرقمي. ولذلك اعتمدتُ في تحرير أطروحاتها على ما نقله الدارسون والمحقّقون من نصوصها وفهارسها، وعلى شهادة من عاينها قبل الحرب؛ وهو منهجٌ يُغني عن الأصل بقدْرٍ ولا يُغني عنه بالكامل، وأمانةُ القول تقتضي الإفصاح عنه لا إخفاءه.
الفترة والأحداث المغطّاة، من كردفان إلى كرري
تمتدّ تغطية عبد الرحيم على قرنٍ كامل من تاريخ السودان الحديث: من أواخر العهد التركي-المصري (1821–1885)، مروراً بقيام الثورة المهدية (1881) وتأسيس دولتها (1885–1898) ومعاركها، وصولاً إلى الحكم الثنائي (1899–1956) الذي عاش في كنفه وكتب. غير أنّ الإنصاف يقتضي تمييزاً دقيقاً بين ما شهده الرجل بعينه وما رواه عن شهوده.
شاهدٌ متأخّر… وابنُ شاهد
وُلد عبد الرحيم سنة 1878؛ فحين سقطت الأُبيِّض في يد المهدي (يناير 1883)، وأُبيدت حملة هكس في شيكان (نوفمبر 1883)، ثمّ سقطت الخرطوم وقُتل غردون (يناير 1885)، كان صبيّاً لم يبلغ السابعة. فمعارك التأسيس هذه لم يشهدها مقاتلاً، بل، استقاها من أفواه المشاركين ومن الرواية الشفاهية، ومن أقربها إليه أبوه، الذي تذكر سيرته أنّه انضمّ إلى جيش الأنصار عقب سقوط الأُبيِّض في يناير 1883 [3]. أمّا ما عاصره شابّاً بالغاً فمعارك النهاية: حملة الاسترداد من فركة (1896) إلى كرري (1898). وبهذا كان في التأسيس ابنَ شاهد، وفي الخاتمة شاهداً؛ وكلا الأمرين مصدرٌ، وإن اختلفت درجةُ القرب. وهنا يُفهَم قوله إنّه وثّق المعارك «بدقّةٍ لافتة»: فالدقّة هنا دقّةُ من جمع شهادات الأحياء وقابل بينها، لا دقّةُ من رأى كلّ شيء بعينه.
معارك التأسيس، كردفان وشيكان وسقوط الخرطوم
وثّق عبد الرحيم سلسلة معارك كردفان وسقوط الأُبيِّض في يد المهدي (يناير 1883)، ثمّ كارثة شيكان (نوفمبر 1883) حيث أُبيد جيش هكس باشا عن بكرة أبيه في غابات كردفان، فمقتل غردون وسقوط الخرطوم (26 يناير 1885) الذي توّج قيام الدولة المهدية. وهي وقائع نقلها عن جيلٍ عاصرها، فجاءت عنده روايةً سودانية من الداخل تُوازن روايات المنتصرين اللاحقين وتكسر احتكارهم لسرد ما جرى.
إنقاذٌ لم يصل، أبو طليح
وفي غمار محاولة الإنجليز إنقاذ غردون عبر حملة النيل (1884–1885)، دارت معركة أبو طليح، أبو كِلْية، في 17 يناير 1885، حيث اصطدم الأنصار بالطابور البريطاني المتّجه نحو الخرطوم في واحدةٍ من أعنف مواجهات الصحراء. وقد وصلت طلائع الحملة إلى الخرطوم متأخّرةً بأيامٍ عن سقوطها ومقتل غردون، وهو إنقاذٌ أدرك الأطلال ولم يُدرك الرجل، ومفارقةٌ لم تفت مؤرّخنا.
حملة الاسترداد، من فركة إلى كرري
ثمّ يبلغ التوثيق ذروته فيما عاصره الرجل بنفسه: حملة كتشنر لاسترداد السودان، من أولى معاركها في فركة (7 يونيو 1896)، مروراً باسترداد دنقلا (1896)، فمعركة عطبرة (8 أبريل 1898)، وصولاً إلى المعركة الفاصلة في كرري، أم درمان (2 سبتمبر 1898)، التي انهار فيها جيش الخليفة أمام نيران المدافع الرشّاشة والبنادق الحديثة، ثمّ دخول الخرطوم. وهنا يفترق التوثيق عن التهليل: فبينما تُقدَّم كرري في كثيرٍ من الأناشيد بطولةً خالصة، تكشف القراءة النقدية عن مأساةٍ عسكرية سقط فيها نحو عشرة آلاف من الأنصار مقابل مئاتٍ قليلة من خصومهم، شجاعةٌ بلا استراتيجية، وإقدامٌ في غير موضعه أمام سلاحٍ لم يكن للصدور أن تردّه.
على لسانه، المهدي والخليفة والأمراء، ومحتوى المخطوطتين
في «بدائع الأثر في أخبار المهدي المنتظر»، وهي مخطوطة لم تُنشر، تناول عبد الرحيم فكرة المهدية في تاريخ الإسلام حتى ظهور مهدي السودان، وأسباب ظهوره وعوامل نجاح ثورته، ثمّ سيرته وسِيَر من كانوا حوله، وختمها بوصفٍ حيٍّ ليوم وفاة المهدي في 22 يونيو 1885 ومراسم دفنه [3]؛ وهو من أدلّ ما كُتب على بقاء ولائه للمهدية رغم تطاول السنين. ومع ذلك لم يُصادر خصومها: ففي «نفثات اليراع» أورد ما يمدح المهدي والخليفة عبد الله التعايشي وكبار الأمراء، وما يقدح فيهم على السواء [1]. أمّا «أبطال السودان» فسِفرُ تراجم بامتياز، خصّصه لسِيَر الأمراء والقادة ومواقفهم وأنسابهم وبطولاتهم في حقبة 1881–1898، حتى صار مرجعاً وثائقياً يفزع إليه الدارسون اليوم [7]. وبين المخطوطتين يكتمل المشروع: واحدةٌ لسيرة الإمام، وأخرى لسِيَر رجاله.
نماذج من الشعر المتبادَل
كان الشعر عند عبد الرحيم وثيقةً لا زينة. فمن شعر التمجيد الذي أورده في «نفثات اليراع» دوبيتٌ للشاعر محمد عثمان جقود في بطولات فرسان الأنصار وغاراتهم نحو سواكن، يُشيد فيه بالأمير شايب ود أحمد:
نحن الخيلنا غارَا في نواحي سواكن
ونحن صغيرنا بخطف العلوج الماكن
وشايبنا عالِمٌ بالحروب وعِراك
يدخل في الصواريخ قلبه ثابت وساكن
(النموذج موثّقٌ في «نفثات اليراع» [9].) وفي مقابل هذا التمجيد أثبت عبد الرحيم أشعار الهجاء التي نظمها خصوم المهدية في المهدي وخليفته وأمرائه [1]، على أنّ نصوص هذا الشِّقّ المضادّ ما زال جُلّها رهين الأصول التي تعذّر بلوغها، كما أسلفتُ في فقرة الأصول؛ فأمانة القول إن أذكر النوع دون أن أنسب إليه ما لم أتحقّق من متنه.
من هم المعارضون؟ في تصنيف الخصوم
لم تكن المهدية بلا خصوم، ولم يكن خصومها صنفاً واحداً؛ ويمكن ردّهم إلى أربع طبقات. أولاها الخصم السياسي-العسكري: الدولة التركية-المصرية وجيشها، ومن قاده من ضبّاطٍ أجانب (هكس في شيكان، وغردون في الخرطوم، ثمّ كتشنر في الاسترداد). وثانيتها الخصم الديني: علماء المؤسسة الرسمية الذين أنكروا دعوى المهدوية وأفتوا ببطلانها، والطرق الصوفية المنافسة وعلى رأسها الختمية (بيت المراغنة) التي اصطفّت مع الحكم القائم. وثالثتها الخصم الاجتماعي-القبلي: أعيانٌ وقبائل ظلّت على ولائها للحكم أو تضرّرت مصالحها بقيام الدولة الجديدة. ورابعتها، وهي الأدقّ والأكثر مرارة، الخصم الداخلي في زمن الخليفة: التوتّر بين «أولاد البلد» أهل النهر و«أولاد الغرب» من التعايشة والبقّارة، وصراع «الأشراف» أهل بيت المهدي مع الخليفة عبد الله على السلطان. وقد حفظ عبد الرحيم من أخبار هؤلاء وأشعارهم ما جعل كتابه أرشيفاً للخصمَين معاً [1]، وتلك مفارقةٌ أخيرة: أنّ أدقّ ما نعرفه اليوم عن خصوم المهدية، محفوظٌ بقلم أحد أنصارها.
موقفه من المهدية، مُدافِعٌ لا مُطبِّل
موقفه من المهدية موقف المؤيّد، لكنّه تأييد المؤرّخ لا هُتاف المريد. دافع عنها في مؤلّفاته، وردّ عن رجالها تُهم الأجانب، وأفرد لأبطالها سِفراً كاملاً [2]. غير أنّه، وهنا لبّ الحكاية، لم يُمارس الرقابة على الذاكرة، فأثبت في كتابه هجاء خصومها كما هو، دون أن تهتزّ يده [1]. وهكذا اجتمع في الرجل ما ندر اجتماعه: عاطفة المُنتمي، وأمانة الشاهد، وبرودة الأرشيف. هو يدافع عن قضيّةٍ، لكنّه يأبى أن يدافع عنها بحذف الوثيقة، وتلك، على بساطتها، أرفع درجات الإنصاف.
في نقد المؤلّفات، قيمتها وحدودها
من حيث القيمة، تُعدّ كتاباته مصدراً أوّليّاً نادراً: صوتٌ سودانيٌّ داخليٌّ في مواجهة سيلٍ من الروايات الأوروبية التي صاغت صورة المهدية في المخيال الغربي على مقاس منتصريها. وأهميّتها مضاعفة لأنّها حفظت روايةً شفاهيةً وشعراً كان مصيرهما الضياع لولا قلمه. وقد أدرك الأكاديميون هذه القيمة، فأفرد له علي صالح كرار ويحيى محمد إبراهيم ور. س. أوفاهي دراسةً علميةً في مجلة Sudanic Africa عام 1995 [10].
أمّا الحدود فأربعٌ ينبغي وضعها في الحسبان: أوّلها أنّ «النداء» مرافعةٌ بطبعها، والمرافع خصمٌ لا قاضٍ، فيُقرأ بوصفه وثيقة موقفٍ لا حُكماً نهائياً. وثانيها اعتماده الكثيف على الرواية الشفاهية، وهي مصدرٌ ثمينٌ لكنّه قابلٌ للتضخّم والنسيان وإعادة التلوين بمرور الأجيال. وثالثها أنّ منهجه أقرب إلى الجمع والتصنيف منه إلى التحليل النقدي وتمحيص الأسانيد، فهو يراكم الشهادات أكثر ممّا يزنها؛ ولعلّ أوضح ثمار ذلك أنّ بطولة كرري ظلّت عنده وعند مَن تبعه بطولةً، بينما هي في ميزان الاستراتيجية هزيمةٌ صافية. ورابعها أنّ جُلّ تراثه ظلّ مخطوطاً حبيس دار الوثائق، فحُرم كثيرٌ منه من النشر والمراجعة والنقد العلني، ثمّ زادت الحربُ الطينَ بلّةً حين هدّدت الأصول نفسها في مظانّها.
على أنّ هذه الحدود لا تُسقط قيمته، بل، تُحدّد طريقة قراءته: لا بوصفه الكلمة الأخيرة في تاريخ المهدية، بل، بوصفه شاهدها الوطنيّ الأوّل الذي فتح الباب، بمفتاح المحاسب لا بمبضع الأكاديمي، لكلّ من جاء بعده.
ترك محمد عبد الرحيم للسودان ما هو أثمن من كتابٍ محكم المسائل: ترك له عادةَ أن يكتب تاريخه بنفسه، وبلغته، وعن أبطاله بأسمائهم. ولعلّ أطرف ما في سيرته، وأكثره مرارةً في آنٍ، أنّ الرجل الذي وُظِّف ليضبط حسابات الإدارة، أنفق عمره في ضبط حسابٍ آخر لم تُغلَق دفاتره إلى اليوم: حساب الذاكرة؛ حسابٌ لا يزال بعض أصوله رهينَ مبنىً متصدّعٍ في الخرطوم، ينتظر من يُنقذه قبل أن تُنقذه منّا النيران.
المراجع
[1] «محمد عبد الرحيم». الموسوعة العربية (Arabica)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، معهد الدوحة للدراسات العليا. https://arabica.dohainstitute.org/pages/mohammed-abdul-rahim.aspx
[2]. «محمد عبد الرحيم وجهوده في توثيق وتدوين تاريخ السودان». صحيفة التحرير، 2023. https://www.alttahrer.com/archives/86570
[3] الهاشمي، بدر الدين حامد (ترجمة وتلخيص). «حياة وكتابات مؤرّخ سوداني: محمد عبد الرحيم (1878–1966م)». صحيفة الراكوبة، 24 سبتمبر 2016. https://www.alrakoba.net/709372/
[4] عبد الرحيم، محمد. نفثات اليراع في الأدب والتاريخ والاجتماع (الجزء الأوّل). الخرطوم: شركة الطبع والنشر، 1936.
[5] «كيف برز الصراع على الهوية السودانية بعد ثورة 1924؟». صحيفة الراكوبة. https://www.alrakoba.net/32132408/
[6] حمدنا الله، عبد الله. «همبتة المذكّرات: المجذوب والذكريات نموذجاً». صحيفة الصحافة، 18 فبراير 2004 (منشور على موقع الفكرة). https://www.alfikra.org/article_page_view_a.php?article_id=1139
[7] «أمراء المهدية والثبات على المبدأ (دراسة وثائقية لمواقف أمراء المهدية 1881–1898م)». مجلة جامعة أم درمان الإسلامية للعلوم الإسلامية والقانونية. https://www.journal.oiu.edu.sd/index.php/oiuj/article/view/1622
[8] «حرب السودان تُهدّد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة». صحيفة الشرق الأوسط، 13 يونيو 2026. https://aawsat.com/
[9] «القطينة مدينة العلم والعلماء تعود إلى حضن الوطن». صحيفة النيلين، 2025 (نقلاً عن دوبيت محمد عثمان جقود في نفثات اليراع). https://www.alnilin.com/13369255.htm
[10] Karrar, Ali Salih; Yahya Muhammad Ibrahim; and R. S. O’Fahey. “The Life and Writings of a Sudanese Historian: Muhammad ‘Abd al-Rahim (1878–1966).” Sudanic Africa 6 (1995): 125–136.،

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
مبادرة السيد الأمام ….. بقلم: ثروت قاسم
الأخبار
«شهادتان» لوطن واحد… الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان
منبر الرأي
“سهر الجداد ولا نومه” .. بقلم: نورالدين مدني
منبر الرأي
شعراء الكتيبة: مراجعة للتاريخ الأدبي للشعر السوداني المعاصر .. بقلم: د.احمد عكاشة احمد فضل الله
الأخبار
تدهور قياسي.. ارتفاع الواردات يعمق أزمة الجنيه السوداني (تقرير)

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الأزمة الخليجية والأزمة الإعلامية .. بقلم: د. ياسر محجوب الحسين

طارق الجزولي
منبر الرأي

خسة “الإرهاب” .. بقلم: نور الدين عثمان

نور الدين عثمان
منبر الرأي

العلمانيَّة وخيار الوحدة في السُّودان (10 من 10) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان

الدكتور عمر مصطفى شركيان
منبر الرأي

ما بين حميدتي والكباشي … حكاية الجنرالات والسلطة .. بقلم: د. زاهد زيد

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss