توصل الانسان الي( تقنيات ذات) عديدة
لاستنساخ روحه من خلال الابناء
البعث بعد الممات ودخول الجنة
فكرة فيثاغورث (تقريبا) عن تدوير
الروح بين الكائنات
وهناك تقنيات الالم المبرح ، تقود
الي تمنيات الموت ، مثل من يطالبون
بالموت الرحيم..قد يعتقد انسان
انه كائن متعالي لايموت او يقلل
من شأن الموت بسبب نفس الفكرة
وهناك من يقبل علي الموت من اجل
مبدأ يؤمن به او يفضل الموت
علي حياة لاتليق به الخ
نضع هذه الخارطةً الانثروبولوجية
لـ “تقنيات مواجهة
وتدجين الموت”. بهذا الجرد الانموذجي
لـ “المخارج الوجودية” التي يبتكرها
الإنسان لنوضح كيف يحاول
“الوعي البشري” (الخطابي)
قهر العناد المادي للبيولوجيا
(غير الخطابي).
إن التقنيات التي ذكرناها يمكن تصنيفها
وفهمها إبستمولوجياً كآليات لإعادة
هيكلة “الوعي بالموت” وتفكيك ثنائية
(الفناء/الخلود):
1. تقنيات التخليد والامتداد
(الالتفاف على الفناء)
هنا يتحول الوعي من التسليم بالموت
الخاطف (بعد 60 عاماً) إلى ابتكار
مسارات للامتداد، وهي تتدرج من المادي
الصرف إلى الميتافيزيقي:
الامتداد البيولوجي (الأبناء كاستنساخ):
هي “تقنية الجين الأناني” بامتياز.
يرى الإنسان في أبنائه “نسخة متجددة”
من شفرته الوراثية، ملامحه، واسمه.
الأبناء هنا هم آلية دفاعية مادية يُقنع
بها الإنسان نفسه أنه لن يزول تماماً، بل
سيبقى جزء منه حياً يتنفس
في المستقبل.
البعث والجنة (الخلود الميتافيزيقي
القاطع): هذه أعلى تقنيات
“العقل الغربالي” كفاءة. إنها تقلب الطاولة
على البيولوجيا عبر خطاب ديني
حاسم: الموت ليس نهاية، بل هو مجرد
“جسر عبور” أو بوابه فيزيائية للانتقال
من عالم الفناء الضيق إلى عالم الخلود
اللامتناهي (الجنة). هنا يتم إفراغ
الموت من رعبه وتحويله إلى “أداة وصل”
بالمركز المطلق.
تناسخ الأرواح وتدويرها (فيثاغورث
والشرق القديم): تقريباً، كما
، رأى فيثاغورث (مستلهماً من النزعة
الأورفية والشرقية) أن الروح جوهر
رياضي خالد لا يفنى، بل يُعاد تدويره
عبر أجساد كائنات أخرى
(بشر أو حيوانات) بناءً على درجة نقائها.
هذه التقنية تحول الموت من
“عدم مرعب” إلى “محطة تصفية
وإعادة تدوير” داخل شبكة الكون المتصلة
2. تقنيات “الألم” وتدمير غريزة البقاء
في المقابل، هناك واقع مادي
(غير خطابي) آخر يملك سلطة كسر
“أنانية الجين” ورغبته في التمسك
بالحياة، وهو الألم الفيزيائي المبرح:
الموت الرحيم كمطالبة بالعدم المؤقت:
الألم الجسدي الشديد الناتج عن المرض
يعيد تعريف الأولويات البيولوجية.
هنا، يصبح “العدم” والنسيان
(الذي كان مرعباً ومرفوضاً) هو المطلب
والملجأ المريح للتخلص من جحيم
المادة الساخنة. الألم يفكك خطاب
الخلود ويجعل الجسد يطالب بإطفاء
الوعي نهائياً.
3. تقنيات “التعالي الإرادي” على الموت
(الخطاب يصرع البيولوجيا)
هذه هي النقطة الأكثر إثارة؛ ففي حالات
معينة، ينجح “الخطاب الفكري” في
السيطرة تماماً على “التصميم البيولوجي”
وقهر غريزة البقاء:
وهم التعالي الكوني: قد يتشرب الإنسان
فكرة فلسفية أو عرفانية تجعله يشعر
أنه “كائن نوري أو كوني” فوق المادة،
فيحتقر جسده الفاني ويستصغر الموت
كحدث عابر لا يمس جوهره.
الاستشهاد والتضحية من أجل المبدأ:
هنا نرى المعجزة الإبستمولوجية؛ حيث
يقوم “الميم” (الفكرة، الوطن، العقيدة،
الكرامة) بطحن “الجين” وإلغاء سلطته.
الكائن الذي يقبل على الموت مبتسماً
من أجل قضية، أو يفضل الانتحار/الموت
على “حياة لا تليق به”، يثبت أن
الخطاب والمعنى في الوعي البشري
يمكن أن يصبحا أقوى من شبكة
الأعصاب والغرائز البيولوجية. إنه
يختار إفناء غلافه المادي (الجسد)
في سبيل تخليد رمزيته الفكرية في
وعي الآخرين.
الخلاصة الكلية:
الإنسان كائن تراجيدي؛ فهو محاصر بين
“حتمية فيزيائية” تطحن جسده
وتعده بالنسيان، وبين “وعي متأهب”
يملك قدرة هائلة على اختراع تقنيات
لتدجين هذا المصير.
سواء أمسك بالسبحة، أو أنجب الأبناء
، أو مات في سبيل مبدأ، أو طالَب بالموت
الرحيم فراراً من الألم؛ فإن كل هذه
السلوكيات هي مناورات يخوضها
“غربال العقل” ليثبت للطبيعة غير
المبالية أنه ليس مجرد “أثر رمل على
شاطئ البحر”، بل هو كائن قادر على
صياغة معناه الخاص، حتى لو كان
ثمن هذا المعنى هو مواجهة الموت
واعتناقه إرادياً.
لنأخذ مثالا لتصريح دونالد
ترامب(يهدد خوفا بتدمير ايران عندما سمع بانها تحاول تصفيته) يضعنا مباشرة أمام تجسيد سياسي
حي لكل ما ناقشناه اعلاه حول “تقنيات تدجين
الموت” وصراع “الخطابي وغير الخطابي
ننفذ إلى عمق السيكولوجية البشرية؛
فكيف نفكك هذا السلوك الغريب والمذهل
من أعلى سلطة في العالم؟
يمكننا قراءة “وصية ترامب الانتقامية”
وتحليل هذا الوضع الشاذ أخلاقياً وإنسانياً
عبر الأبعاد التالية:
1. “وهم الامتداد” وقهر العدم بعد الموت
من المنظور المادي الصرف (غير الخطابي)
، يعلم ترامب —كأي إنسان— أنه بمجرد
توقف علاماته الحيوية ودخوله في
الموت والنسيان، لن يشعر ولن يستفيد
ماديّاً من دكّ إيران أو فنائها؛ فلن يعود
للحياة ولن يتلذذ بالانتقام.
ولكن، السلوك يثبت أن الموت ليس نهاية
في وعيه؛ هو يمارس هنا تقنية
“الخلود الرمزي”:
ترامب لا يرى نفسه مجرد جسد بيولوجي
سيفنى بعد 80 أو 90 عاماً، بل يرى نفسه
“ميماً” (Meme) أو رمزاً سياسياً وتاريخياً
كبيراً.
“الوصية بالانتقام” هي محاولة لفرض إرادته
وكلمته (الخطاب) على العالم حتى
بعد أن يتحول جسده إلى تراب. إنه يريد
أن يقول للكون: “أنا لست كائناً عابراً يمكن
محوه ببساطة؛ إرادتي وسلطتي
ستظلان فاعلتين ومؤثرتين في حركة
الجيوسياسية العالمية حتى وأنا في قبري”.
2. فكرة الانتقام كـ “غربال عقلي” لترميم
النرجسية
لماذا يضع نفسه في هذا الوضع الشاذ
إنسانياً بالتهديد بإبادة شعب بالكامل؟
النرجسية السياسية والذاتية تلتقي هنا
مع غريزة البقاء للجين الأناني؛ فالإحساس
بأنه “مستهدف” يثير رعب الفناء لديه.
ولأن العقل الغربالي لا يتحمل فكرة أن
يكون ضحية ضعيفة تنتهي بمجرد رصاصة
أو تفجير، فإنه يخترع آلية دفاعية موازية:
(الردع المطلق كبديل للخلود).
التهديد بـ “الدكّ العنيف” هو محاولة
لرفع قيمته الذاتية؛ وكأن لسان حاله يقول:
“حياتي الفردية تعادل دولة بأكملها”. هذا
الشذوذ الأخلاقي هو النتيجة الحتمية
عندما تضخم الذات مركزيتها الفلسفية
وتعتبر الآخرين مجرد “هامش” في رقعة
شطرنج تملكها.
3. “الوصية قبل الموت” كأرشيف سلطوي
“فكرة الوصية
وفكرة الانتقام من عجائب البشر” تضرب
في عمق “القبلي التاريخي”. فالوصية
تاريخياً هي الأداة التي اخترعها الوعي
البشري لـ “مأسسة الموت”.
الوصية هي النص (الخطاب) الذي يربط
بين عالم الأحياء وعالم الأموات. من خلال
الوصية، يظل الميت قادراً على
توزيع الثروة، أو قيادة الجيوش، أو إعلان
الحروب. ترامب هنا يستخدم
“سلطة الوصية” لضمان ألا يُغلق ملفه بموته
، بل ليبقى حاضراً كـ “فاعل مستمر” في
السياسة الأمريكية.
خلاصة المشهد:
تصريح ترامب هو البرهان العملي على أن
الإنسان يرفض تصميمه البيولوجي
القصير ويأبى أن يكون منسياً.
البروفيسور يهرب من رعب الموت
بالتمسك بـ “السبحة” والتفسير الديني،
والسياسي النرجسي يهرب من نفس
الرعب بالتمسك بـ “أزرار الترسانة النووية”
ووصايا الدمار الشامل. كلاهما محكوم
بـ “عقل غربالي” يرفض التسليم بالعدم،
ويحاول —بشتى الطرق، سواء بالصلاة أو
بالانتقام الشاذ— أن يبني لنفسه مركزاً خالداً
يتحدى به حتمية الفناء والنسيان الكوني
عبداللطيف سويكت
asuiket74@gmail.com
