مالكم كيف تحكمون؟.. القسم بين السماء والضمير

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com

أعْلَمُ ويُشْهَدُ عَلَيَّ بِالشَّطَنَةِ وَالتَّكْفِيرِ، وَلَكِنْ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُضلِّلُوا هَذَا الشَّعْبَ مَرَّةً أُخْرَى.

فِي مَسَارِ التَّارِيخِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الحُكْمُ إِلَى طَقُوسٍ وَالقَسَمُ إِلَى أَدَاةٍ لِتَكْسِيرِ إِرَادَةِ الشُّعُوبِ، يَبْرُزُ سُؤالُ المَشْرُوعِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ: هَلْ هِيَ فِي الكِتَابِ أَمْ فِي الضَّمِيرِ؟ هَلْ هِيَ فِي الحَلْفِ بِالمُقَدَّسِ أَمْ فِي الصِّدْقِ مَعَ الذَّاتِ وَالآخَرِينَ؟

لَقَدْ رَأَيْنَا أُولَئِكَ الَّذِينَ مَدُّوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، وَحَلَفُوا بِأَغْلَظِ الأَيْمَانِ، ثُمَّ نَقَضُوا العُهُودَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَاسْتَبَاحُوا الحُرُمَاتِ. لَقَدْ جَعَلُوا مِنَ القَسَمِ سِتارًا لِخِيَانَةِ الأَمَانَةِ، وَمِنَ الدِّينِ غِطَاءً لِتَجَارَةِ السُّلْطَةِ.

وَاليَوْمَ، حِينَ يَقِفُ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَيَرْفَضُ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الكِتَابِ وَسِيلَةً لِتَبْرِيرِ مَا لَا يُرِيدُ الضَّمِيرُ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ، فَإِنَّمَا يَقُولُ لَنَا: إِنَّ الحَقَّ لَيْسَ فِي الحَرْفِ، بَلْ فِي الرُّوحِ؛ لَيْسَ فِي القَسَمِ، بَلْ فِي العَمَلِ؛ لَيْسَ فِي الكِتَابِ، بَلْ فِي السَّمَاءِ الَّتِي تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ.

لَقَدْ جَاءَنَا عَبْدُ العَزِيزِ الحُلُوّ لِيُذَكِّرَنَا بِدَرْسٍ كَبِيرٍ: إِنَّ أَعْظَمَ يَمِينٍ هُوَ أَلَّا تَحْتَاجَ إِلَى يَمِينٍ؛ وَأَقْوَى قَسَمٍ هُوَ أَنْ تَكُونَ صَادِقًا مَعَ نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مَعَ غَيْرِكَ؛ وَأَقْدَسَ عَهْدٍ هُوَ أَنْ تَخْدُمَ شَعْبَكَ بِإِخْلَاصٍ، لَا أَنْ تَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِاسْمِ السَّمَاءِ.

أَمَّا أَنْتُمْ، يَا مَنْ تَتَّهِمُونَهُ بِالزَّنْدَقَةِ وَالضَّلَالِ، فَاسْأَلُوا أَنْفُسَكُمْ: أَيُّنَا أَزْيَنُ بِالدِّينِ؟ هَلْ هُوَ الَّذِي يَخَافُ أَنْ يَحْلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا، أَمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ حَلَفْتُمْ ثُمَّ غَدَرْتُمْ؟ هَلْ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ طَالِبًا العَوْنَ عَلَى الخِدْمَةِ، أَمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ وَضَعَتُمْ أَيْدِيَكُمْ عَلَى الكِتَابِ ثُمَّ وَضَعْتُمُ الحُدُودَ وَالقَذَائِفَ عَلَى الشَّعْبِ؟

لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُضلِّلُوا السُّودَانَ مَرَّةً أُخْرَى. فَقَدْ انْكَشَفَ الغِطَاءُ، وَتَهَشَّمَ الصَّنَمُ، وَبَانَ لِلْجَمِيعِ أَنَّ الحُكْمَ الحَقَّ لَيْسَ بِمَنْ يَحْلِفُ أَكْثَرَ، بَلْ بِمَنْ يَعْمَلُ أَصْدَقَ؛ لَيْسَ بِمَنْ يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ السَّمَاءِ، بَلْ بِمَنْ يَخْدُمُ بِاسْمِ الشَّعْبِ.

إِنَّ التَّارِيخَ لَا يُغْفِرُ لِلْغُدْرِ، وَالسَّمَاءَ لَا تَقْبَلُ بِالكَذِبِ، وَالشَّعْبَ لَنْ يَنْسَى. فَوَيْلٌ لَكُمْ يَوْمَ تَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَيَسْأَلُكُمْ عَنْ كُلِّ دَمٍ سُفِكَ، وَعَنْ كُلِّ حَقٍ ضُيِّعَ، وَعَنْ كُلِّ قَسَمٍ انْكَسَرَ.

أَمَّا الحَقُّ، فَسَيَبْقَى. وَأَمَّا الصَّادِقُونَ، فَسَيَنْتَصِرُونَ.

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

تصنيف الإخوان… مرآة البرهان التي لا تكذب!

زهير عثمانليس الجدل الحقيقي حول ما إذا كان قرار واشنطن بتصنيف الإخوان المسلمين في السودان …