منذ متى ونحن نسأل- ما الإسلام؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفضح كل مرة ضيق الأفق الذي نعيش فيه. فكلما اتسع حضور المسلمين في العالم، وتنوعت ممارساتهم ولغاتهم وفنونهم، زاد الإصرار على اختزال الإسلام في قالب واحد ضيق- فقه، أو عقيدة، أو هوية سياسية. كأن التاريخ كله لم يكن سوى هامش على متن فقهي <في هذا السياق يأتي كتاب شهاب أحمد What Is Islam? The Importance of Being Islamic (ما الإسلام؟ أهمية أن تكون إسلامياً)، الصادر عن جامعة برينستون عام 2016، بعد رحيل مؤلفه بعام واحد. كتاب لم يُكتب ليكون مجرد دراسة أكاديمية، بل ليكون وصية فكرية صادمة، ودعوة إلى إعادة النظر في كل ما ظنناه بديهياً عن الإسلام
شهاب أحمد لا يهادن. هو يرفض منذ الصفحات الأولى التعريفات الاختزالية التي تجعل الإسلام مرادفاً للشرع والفقه وحدهما. ويرى أن هذه النظرة، حتى لو بلغت أقصى تطرفها عند بعض التيارات السلفية، قد تسللت بهدوء إلى وعي كثير من الباحثين الغربيين أنفسهم. النتيجة؟ استبعاد هائل لتجربة المسلمين التاريخية- الشعر، والفلسفة، والتصوف، والفن، والعمارة، وحتى رمزية الخمر في الأدب الفارسي والتركي. كل ذلك يُرمى في خانة (الانحراف) أو الهامش، كأن ملايين البشر عبر القرون كانوا يعيشون وهماً
لكن نقد أحمد لا يتوقف عند الفقهاء. هو يوجه سهامه أيضاً إلى الأنثروبولوجيا الغربية، وتحديداً إلى مفهوم -التقليد الخطابي الذي روّجه طلال أسد , فأسد، رغم ذكائه في الابتعاد عن الجوهرية، ظل أسير فكرة السلطة والأرثوذكسية
أما أحمد فيسأل بسخرية مريرة: كيف نفسر إذاً شعر حافظ الشيرازي؟ وكيف نستوعب فلسفة السهروردي أو ابن عربي؟ هل ننتظر من فقيه أن يمنحها صك الإسلامية حتى نعترف بها؟ أم أنها كانت إسلامية لأنها نشأت في قلب العالم الإسلامي، وتغذت من مصادره، وعبّرت عن بحثه عن المعنى؟
هنا يقدم أحمد بديله الجريء: ما يسميه «مركّب البلقان إلى البنغال». هذه المنطقة الشاسعة الممتدة من جنوب شرق أوروبا إلى البنغال، في الفترة بين القرن الرابع عشر والتاسع عشر، لم تكن مجرد جغرافيا، بل كانت فضاءً حضارياً حياً تهيمن فيه الفارسية والتركية إلى جانب العربية، ويتعايش فيه الفقيه مع الشاعر، والفيلسوف مع الصوفي، دون أن يشعر أحدهم أن وجود الآخر يلغي شرعيته
في هذا المركّب كان الإسلام أكبر بكثير من مجموع أحكام الحلال والحرام. كان عملية مستمرة لخلق المعنى
ولكي يفسر هذه العملية، يقترح أحمد إطاراً ثلاثياً بديعاً- النص (القرآن والسنة)، ما قبل النص (الحقيقة الوجودية والعقل الكلي الذي ينبثق منه الوحي)،وما بعد النص (التاريخ والتجربة الإنسانية المعيشة)
الفقيه يقف عند النص ليستنبط الحكم. أما الفيلسوف والصوفي والشاعر فيعبرون النص ليصلوا إلى ما قبله، ثم يعودون ليترجموا ما وجدوه في سياقهم الخاص شعراً أو فلسفة أو سلوكاً , بهذا المعنى، يصبح التصوف والفلسفة والفن ليست «مسموحة» أو «غير ممنوعة»، بل إسلامية أصيلة لأنها طرق مختلفة لاستكشاف الوحي نفسه
هذه الرؤية محرّرة، لكنها ليست بلا ثمن. فأحمد، في حماسه لفتح الأبواب المغلقة، يكاد يجعل الشريعة مجرد بُعد واحد بين أبعاد أخرى متساوية, وهنا يكمن أخطر ما في مشروعه: خطر تحويل الإسلام إلى ظاهرة جمالية أو ثقافية فضفاضة، بلا عمود فقري أخلاقي أو قانوني. كما يُؤخذ على الكتاب تجاهله شبه التام للبعد الجندري، وضعف انخراطه مع النظرية التأويلية الحديثة.
ومع ذلك، يبقى الكتاب من تلك الأعمال النادرة التي تغيّر قواعد اللعبة. بعد قراءته، يصعب على أي باحث جاد أن يعود إلى الحديث عن «الإسلام» ككتلة صماء أو كقائمة أحكام
لقد أعاد شهاب أحمد طرح السؤال بطريقة لا تسمح بالإجابات السهلة، وذكرنا بأن الإسلام التاريخي كان دائماً أغنى وأكثر تركيباً وتناقضاً مما نريد الاعتراف به ,ربما لهذا السبب يبدو الكتاب اليوم أكثر إلحاحاً مما كان عليه وقت صدوره
فنحن ما زلنا نعيش زمن الاختزال- اختزال الإسلام في السياسة، أو في الهوية، أو في الخوف منه. وشهاب أحمد، بصوته الذي جاء متأخراً ورحل مبكراً، يذكّرنا أن السؤال الحقيقي ليس «ما الإسلام؟» فحسب، بل «كيف نتحمل غناه؟»
زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
