زهير عثمان
بينما تستنفد الدبلوماسية الدولية رصيدها الأخلاقي في فنادق الفارة الافريقية والمنطقة العربية، في محاولةً إعادة تدوير “اتفاق سلام” جديد تحت سقف تقاسم المغانم بين أمراء الحرب، يصدر صوت المعاناة من تحت الركام ليعلن حقيقة ثابتة- الحرب في السودان ليست أزمة حكم، بل هي محطة فاصلة في صراع وجودي بين مشروع استبدادي متجذّر وإرادة شعبية ثائرة ترفض الاستسلام
السلام كفعل تصحيح جذري، لا كصفقة وسطاء
إن ما يروج له الوسطاء تحت مسمى “الواقعية السياسية” هو إهانة لعقول الضحايا , السلام في قاموس الثوار لا يُختزل في توقيعات رطبة على مناضد المؤسسات الدولية، بل هو مشروع تفكيك كامل لدولة المليشيات
نحن نرفض قاطعاً أي اتفاق يعيد إنتاج النخبة العسكرية في ثياب مدنية، فالمطلوب ليس إعادة توزيع الكعكة، بل تحطيم الفرن الذي خبز هذه الكعكة
السلام الحقيقي هو: غرس العدالة، وتجريد الآلة العسكرية من مفاصل الدولة الاقتصادية، وإخضاع الجنرالات للمحاكمة لا لمائدة المفاوضات
لن نقبل بصفقة تُبقي على هيكل الدولة المريض، لأن ذلك يعني تأجيل الحرب إلى الجولة القادمة
خارطة الطريق الثورية- السيادة للقاعدة، لا للقمة
لا يكتفي هذا المشروع بتشخيص الداء، بل يقدم وصفة جراحية للخروج من النفق المسدود
أولاً- السيادة تنبع من الأحياء، لا من القصور
آن الأوان لنزع الشرعية عن النخب المتآكلة، وتسليم السلطة لمن أثبتوا جدارتهم في الميدان- لجان المقاومة، والنقابات، والتجمعات الميدانية هذه الكيانات هي من أدارت المجازر الإنسانية بأقل الإمكانات، وهي الأحق وحدها بقيادة المرحلة الانتقالية، لأنها الوحيدة التي لم تتلوث أيديها بدماء الشهداء أو صفقات الفساد
ثانياً- تحرير الاقتصاد من قبضة “الجيش التاجر”
إن أعمق جراح السودان هي تحول المؤسسة العسكرية إلى إمبراطورية اقتصادية تمتلك مفاصل الثروة (الذهب، الموانئ، الأراضي)
إن إخضاع اقتصاد الحرب لسلطة الخزانة العامة ليس مجرد إجراء مالي، بل هو ضربة استباقية لأي انقلاب مستقبلي، وكسر لظهر الاستبداد الذي يتغذى على موارد الشعب ليدير حربه ضده
ثالثاً- العدالة الانتقالية التي لا تقبل المساومات
عهد الإفلات من العقاب قد انتهى إلى غير رجعة , لا سلام في غياب العدالة، ومحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية ليست خياراً بل أولوية قصوى
نطالب بدستور يكتب من القاعدة إلى القمة، بصياغة شعبية لا تمليها دبابات العسكر، بل تُصاغ في نقاش وطني حر يضع كرامة المواطن فوق أي اعتبار فئوي
رسالة إلى العالم- شراكات، لا وصايات
إلى القوى الدولية والإقليمية التي تراهن على “استقرار” هش بثمن باهظ: استقرار النظام الفاسد هو وصفة للحرب الدائمة. دعوتنا واضحة وصريحة- لا نريد وساطات تمنح صكوك الغفران وتطبيعاً مع الجرائم
نريد تضامناً دولياً يحمي إرادة السودانيين في بناء دولتهم المدنية، الديمقراطية، والعلمانية، التي تنتصر للتنوع وتنهي التهميش الممنهج لأطراف البلاد
نطالب المجتمع الدولي بقراءة التاريخ جيداً: المراهنة على العسكر هي رهان خاسر، والثورة السودانية هي الضمانة الوحيدة لاستقرار حقيقي في منطقة مضطربة
مشروع طويل الأمد- من ثورة حدث إلى دولة أبدية
إن الثورة السودانية ليست موجة عابرة، بل هي مشروع تأسيسي طويل الأمد لإعادة تعريف الدولة والأمة , و نناشد جميع قوى التغيير بتكثيف التنظيم، وبناء تحالفات استراتيجية تعبر فوق حدود الجهوية والعرق، ومواجهة آلة التضليل الإعلامي بصوت حر وصادق
لقد أثبتت التجربة أن الرهان على النخب العسكرية هو رهان على الهاوية. اليوم، يقف السودان أمام مفترق طرق مصيري – إما تسليم البلاد لإرادة شعبها التي لا تلين، فنبني دولة المؤسسات والمواطنة المتساوية
أو الغرق في مستنقع الحروب الأبدية التي لا تخدم إلا مصالح السماسرة وتجار السلاح
السلطة للشعب.. والعدالة للشهداء.. والنصر للحياة.
zuhair.osman@aol.com
