احتفى كثيرون احتفاءً كبيرًا ببيان الرباعية؛ (الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية). وهو بيانٌ أتى بعد أن تعدَّت الحرب قرابة العامين والنصف، وأحدثت من الخراب والدمار، ومن التشرُّد والمسغبة، ما لم يكن يخطر على بال أحد. ويبدو أن تطاول أمد الحرب وانفتاح حالة التشرُّد والضياع على أفقٍ يظل باستمرارٍ مبهمًا، واحتدام المجاعة، وتفاقم حدة الأمراض والأوبئة، واضطراب حياة كل السودانيين، بلا استثناء، وتزايد وتيرة الخراب والدمار، قد جعل كثيرين يعلِّقون آمالاً عراضًا على هذه المبادرة، ظنًّا منهم أن بيان الرباعية سيجري تطبيقه على الأرض وفقًا للخطة الزمنية التي رسمها البيان. وهي ثلاثة أشهرٍ من وقف العدائيات، يجري خلالها إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين في كل أرجاء القطر، ثم تسعة أشهر يتحقق فيها وقفٌ دائمٌ لإطلاق النار. ثم، مشاوراتٌ لإقامة حكمٍ مدنيٍّ، لا يشارك فيه طرفا الحرب.
لربما ظنَّ كثيرون تحت وطأة هذه الضغوط الهائلة أن هذه المبادرة هي الوصفة الختامية الناجعة لإيقاف الحرب. ويبدو أن هذا الظن قد قام على تصوُّرٍ خاطئٍ شائعٍ ينسب للولايات المتحدة الأمريكية الاستعداد والرغبة الدائمتين للتدخل الفاعل في الأزمات. وهو تصوُّرٌ طالما سيطر على أذهان كثيرٍ من السودانيين وعلى غيرهم من شعوب الأرض، التي ترزح تحت حكم الطغاة. يتمثُّل هذا التصور الخاطئ في أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك على الدوام كل أوراق الضغط، كما تملك أيضًا الرغبة والاستعداد والعزيمة ودافعية المصلحة لفرض المبادرات التي تكون هي طرفًا فيها. وأنها يمكن أن تستخدم من أجل إنجاحها كلَّ ما في ترسانتها من أسلحة الضغط؛ بما في ذلك القوة العسكرية. وفي تقديري، أن كل هذه ظنونٌ تغذيها لدى المنكوبين من أهل العالم النامي، ونحن على رأسهم الآن، القراءةُ غير الصحيحةِ لموقع أزمتنا في سلم أولويات الحل لأزمات العالم.
مستشار الرئيس الأمريكي ومفوضية الاتحاد الإفريقي
من إيجابيات بيان الرباعية، رغم ما شابه من انعدام الأسنان والآليات، أنه نزع الشرعية المدَّعاة من جانب حكومة بورتسودان. فقد اعترف البيان، ضمنًا، بالطرف الآخر في معادلة الحرب، وهو تجمُّع تأسيس. ولعل هذا هو ما رفع سقف التوقعات لدى الكثيرين من أنصار الثورة ومعارضي استمرار الحرب. لكن، من أقوى الدلائل على أن الولايات المتحدة الأمريكية لن يكون لها وجودٌ على الأرض لتطبيق هذه الخطة، دمجها لخطة الرباعية ضمن ما يجري من جانب المفوضية التابعة للاتحاد الأفريقي، التي يرأسها محمود علي يوسف. وقد دلَّت على ذلك تصريحاتُ كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، التي أدلى بها في المؤتمر الصحفي الذي ظهر فيه مع رئيس المفوضية الأفريقية قبل أيام في أديس أبابا. فقد ذكر كبير المستشارين أن الرباعية لا تتجه إلى فرض أي حلٍّ على الشعب السوداني. وأن ما تقوم به ليس سوى جهدٍ يقف إلى جانب جهودٍ أخرى تقوم بها جهاتٌ ودولٌ عدة. فقد قال إن خطة الرباعية عملٌ مكمِّلٌ لأعمالٍ أخرى لما يقوم به الاتحاد الأفريقي، أو أي جهةٍ، أو بلدٍ آخر، وأنها ليست بديلاً للجهود الأخرى. وألمح إلى أن الرباعية ستتولى جهود الدعم والإسناد.
يبدو من كل ما تقدم، أن مسار الرباعية لتحقيق أهداف المبادرة سوف يمر من خلال جولة المشاورات التي ستُعقد بمقر الاتحاد الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في الفترة ما بين 6 – 10 أكتوبر القادم. وقد ذكرت صحيفة “سودان تربيون” أن مصادر دبلوماسية في الاتحاد الأفريقي أكدت لها تقديم دعواتٍ إلى تحالفات “صمود”، و”تأسيس”، و”الكتلة الديمقراطية”، إضافة إلى مجموعة من الأحزاب؛ من بينها الحزب الشيوعي، وحزب البعث، والاتحادي الأصل، وكذلك إلى مجموعاتٍ وقوى مدنية أخرى. وذكرت الصحيفة أن تحالف صمود بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك قد وافق مبدئيًا على المشاركة في هذه الجولة من المفاوضات. وأنه يدرس حاليًا، مع الاتحاد الأفريقي، قوائم المشاركين ونِسَب المشاركة في الجولة المزمع انعقادها. غير أن “سودان تربيون” ذكرت، أيضًا، أن التيار الثوري الديمقراطي بقيادة ياسر عرمان قد تحفظ على الدعوة، قائلاً إن الدعوة المرسلة من الإتحاد الأفريقي والإيقاد والجامعة العربية والأمم المتحدة لاجتماع أديس أبابا في الفترة من 6 – 10أكتوبر القادم، لم يجر إشراك الأطراف في تصميمها. كما لم يجر تحديد من يحضرها والاتفاق على أجندتها. وأوردت الصحيفة أيضًا أن التجاني السيسي، رئيس قوى الحراك الوطني، قد قال لموقع “المحقق”: إن القوى الوطنية السودانية لديها تحفظات على الدعوة والطريقة التي قُدمت بها من الإتحاد الأفريقي. مضيفًا، إن من الصعب جداً أن تحضر قوى الحراك الوطني لقاءً لم تشارك في وضع أجندته، ولم تعلم مـَن هم المشاركين فيه، ولا الطريقة ولا المنهج الذي سيُدار به.
لقاءٌ يحمل بذورَ فشلِه في حناياه
بناءً على كل ما تقدم، أرى أن هذه اللقاء المزمع قيامه في أكتوبر القادم في أديس أبابا، سوف لن يسفر عن أي شيء يقود إلى وقف الحرب. فبالإضافة إلى الإعراب عن التحفظات عليه من أكثر من جهة، فإن تحالف الكتلة الديمقراطية ليس سوى حصان طروادة الذي صنعه النظام المصري داخل السودان لإفشال ثورة ديسمبر 2018. وهو في نفس الوقت حصان طروادة الذي اعتمد عليه الجيش السوداني، ومن ورائه تنظيم الإخوان المسلمين المسمى “الحركة الإسلامية السودانية” في الالتفاف على أهداف ثورة ديسمبر. ولسوف يسير هذا الحلف المناهض لثورة ديسمبر على طريق الفريق البرهان الذي سبق أن أفشل، من قبل، العديد من المبادرات منصاعًا لضغوط تنظيم الإخوان المسلمين الذي يقف ضد إيقاف الحرب. فهدف هذا التنظيم هو العودة إلى السلطة منفردًا، بلا أي شريك. وهذا هو ما دفعه في المقام الأول إلى إشعال الحرب. وقد أعاد الفريق البرهان تأكيد هذا التوجه، قبل أيام، في مخاطبته للجالية السودانية في الدوحة، أثناء حضوره القمة العربية الإسلامية الطارئة. وقد لخَّص الصحفي الإنقاذي، عادل الباز، موقف الفريق البرهان من بيان الرباعية في مقالٍ نشره في موقع “الرواية الأولى”، جاء نصه كالآتي: “قال الرئيس إنه ابتداءً لم يتم التشاور معهم في البيان، وهم ليسوا طرفًا فيها أصلاً، وبذا هم غير معنيين بما تعلن عنه من نتائج وبرامج ولا تلزمهم بشئ”.
في الجانب الآخر من المعادلة نجد أن حكومة تأسيس قد رحَّبت بحرارة بهذه المبادرة. وهو ما سبق أن قامت به قوات الدعم السريع مع كل المبادرات السابقة لإنهاء الحرب، كجدة الأولى والثانية وجيبوتي والمنامة وجنيف. وقد ذكرت صحيفة “سودان تربيون” أن الدعوة لم يجر تقديمها لكيانات الإسلاميين خشية أن ترفض الأطراف الأخرى المدعوة الحضور. غير أن دعوة الكتلة الديمقراطية تعني بالضرورة حضور أجندة الإخوان المسلمين وأجندة النظام المصري، داخل هذه المشاورات. وهذا هو ما سيوجه مخرجات هذا اللقاء المرتقب نحو أن تصب في تحقيق الأهداف المتطابقة تمامًا للحلف، الذي يضم كلاًّ من الفريق، عبد الفتاح السيسي، والفريق، عبد الفتاح البرهان. وهو ما سيقود إما إلى فشل المشاورات، أو إلى إجهاض كل أهداف الثورة، في حالة أن يتوافق المشاركون على صيغةٍ ما، وهم بهذه الحالة من تعارض المنطلقات.
مبادرةٌ بلا أسنانٍ ولا آليات
خلاصة القول، إن هذه المبادرة بلا أسنان وبلا آليات. وأغرب ما فيها أنها دعت بالإضافة إلى إنهاء الحرب، إلى إنشاء حكومةٍ مدنيةٍ لا يشارك فيها الطرفان المتحاربان! فما هي، يا ترى، القوة العسكرية الثالثة التي ستنشأ منها المنظومة العسكرية والأمنية الجديدة التي ستقوم بحراسة الأمن العام وضمان ديمومة الحكم المدني الديمقراطي المزمع إقامته، ملتزمةً بدورها الدستوري ولا تتعداه؟ إلى جانب ذلك، فإن إسناد تقديم الدعوة لحضور مشاورات أكتوبر في أديس أبابا إلى منظومة الاتحاد الأفريقي، والإيقاد، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، سوف يحوِّل، في تقديري، بيان الرباعية إلى مجرَّد قولٍ بلا عمل، أو إلى ما يُسمى بالإنجليزية lip service.
ينبغي ألا يغيب عن بالنا أن لكل واحدةٍ من هذه الدول الأربع المكونة للرباعية أهدافها الخاصة. كما لا ينبغي أن نظن أن هذا التداعي لإنهاء المأساة في السودان هو، بالضرورة، صادقٌ وأصيل. فأحيانا يجري تقديم المبادرات لمجرد تبييض الوجه، وحفظ السمعة، وإنامة الضمير، وربما ذر الرماد في العيون. في حين يكون استمرار الحرب هو الهدف الأساسيٌّ للجهة التي تتداعى، مبديةً التعاطف الإنساني والإحساس بالمسؤولية تجاه إنهاء المأساة. الشاهد أن حل هذه الأزمة لن يكون إلا من الداخل. ولكنني أعني أن يكون الحل قائمًا على إدراكٍ صحيحٍ لطبيعة الصراع الجاري. فالصراع الجاري بين قوى الثورة وتنظيم الإخوان المسلمين وجيشه منذ 2018، هو صراعٌ وجوديٌّ مع جهةٍ لا تتسم بأي قدرٍ من المرونة. وهو صراعٌ وصل حدَّ أن تكون الدولة السودانية أو لا تكون. فمشكلتنا تكمن في أن مختلف القوى المدنية، خارج تحالف تأسيس، لم تدرك بعد طبيعة هذا الصراع. فهي تعتقد، فيما يبدو، أن القوى الدولية والإقليمة تقف حقيقةً مع أهداف الثورة. كما تعتقد أن بالإمكان استيعاب أجندة الإخوان المسلمين والنظام المصري في صيغة الحل المرتجى، مع الاحتفاظ بأهداف الثورة. وهذا ضربٌ من ضروب: (خياطة القحف مع القرع). ما تحتاجه البلاد هو وقوف القوى المدنية والعسكرية المؤمنة بثورة ديسمبر على صعيدٍ واحدٍ. بهذا تنوجد الكتلة الوازنة التي يمكن أن تجر بوزنها وانسجامها القوى الخارجية لكي تتضافر معها بفعالية لتحقيق سلامٍ حقيقيٍّ عادلٍ ومستدام.
لقد فرض الإخوان المسلمون علينا جميعًا هذه الحرب. فأصبحت رغماً عنا حربًا للتحرير الشامل والمستدام، وهذا من نعم الله التي تأتي ملفوفةً في دثار النِغْمَة. فهذه الحرب الكارثية لم تعد نزاعًا بين أقوامٍ تجمع بينهم ثوابت مشتركة، بقدر ما أصبحت معركةً تتسم إلى حدٍّ كبيرٍ بالصفرية. بناءً على هذا، فإن تحالف صمود وغيره من القوى السياسية الأخرى الواقفة خارج تحالف تأسيس، إنما يواجهون تحديًا حاسمًا. فهم إما أن يكونوا في الجانب الصائب من حركة التاريخ، فيصنعون التاريخ، وإما أن يكونوا في الجانب الخاطئ منه، فينسربون من ثقوب غرباله، الذي لم يكف يومًا عن العمل في إسقاط الشوائب.
elnourh@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم