قراءة نقدية في “المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم”
عاطف عبدالله
الجزء الخامس
التناقض بين أولوية وقف الحرب وشروط استعادة الثورة
تعلن الورقة أن المهمة المرحلية الآنية هي وقف الحرب واسترداد الثورة، وأن الوسيلة الأساسية هي النضال السلمي الديمقراطي الجماهيري الواسع. لكنها ترفض الاتفاق على وقف الحرب باعتباره هدفاً مستقلاً عن برنامج استعادة الثورة، وترفض الحياد بين طرفي الحرب، كما ترفض الاتفاق مع القوى المدنية التي لا تتخلى عن مشروع الهبوط الناعم.
هذا الموقف يطرح واحدة من أهم المعضلات في الرؤية السياسية للسكرتير السياسي.
- هل استعادة الثورة شرط لوقف الحرب أم أن وقف الحرب شرط لاستعادة الثورة؟
من الضروري التمييز بين الأهداف الاستراتيجية للحزب وبين المهام العاجلة التي تفرضها الحرب.
فوقف الحرب ليس غاية إنسانية منفصلة عن السياسة، لكنه أيضاً ليس مجرد خطوة ثانوية في طريق استعادة السلطة. إنه ضرورة مستقلة لإنقاذ الأرواح، ووقف التدمير، وتمكين الإغاثة، وإعادة النازحين واللاجئين، وتهيئة الظروف لاستعادة الحياة العامة.
وقد لا تتوفر في اللحظة نفسها موازين القوى التي تسمح باستعادة الثورة وفق التصور الاستراتيجي للحزب. فهل ينبغي، في هذه الحالة، تعليق العمل المشترك من أجل وقف الحرب إلى أن تتوافر تلك الموازين؟ أم يمكن العمل على وقف الحرب بالتوازي مع بناء القوى المدنية والديمقراطية القادرة على منع إعادة إنتاج الأزمة؟
تتبنى الورقة الخيار الأول عملياً حين تجعل اتفاق الحد الأدنى مشروطاً بالاتفاق على برنامج استعادة الثورة والتغيير الجذري. لكنها لا تقدم دليلاً كافياً على أن هذا الشرط، بدلاً من توسيع التحالف المناهض للحرب، سيؤدي فعلاً إلى تغيير موازين القوى لمصلحة الثورة.
الخلل هنا هو عدم الفصل الواضح بين ما يجب أن يتضمنه المشروع النهائي، وما يمكن الاتفاق عليه الآن لإنقاذ البلاد من الكارثة.
يمكن للحزب الشيوعي أن يتمسك باستعادة الثورة هدفاً سياسياً، وأن يرفض التسويات التي تعيد إنتاج الحكم العسكري، وفي الوقت نفسه ينسق مع قوى لا تتبنى رؤيته الاقتصادية كاملة، من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين.
فليس من الضروري أن يتفق الجميع على شكل الدولة والاقتصاد في المستقبل كي يتفقوا على وقف القتال، أو إيصال الإغاثة، أو رفض شرعنة الاستيلاء العسكري على السلطة، وبسط العدالة الانتقالية وإصلاح الأجهزة الأمنية، وتشكيل جيش مهني واحد.
- ماذا يعني رفض الحياد بين طرفي الحرب؟
تذهب الورقة إلى أن الحياد بين طرفي الحرب لا يمكن قبوله، لأنه قد يؤدي إلى القبول بمشروع الهبوط الناعم إذا انتهت الحرب بانتصار أحدهما أو بالتسوية بينهما.
لكن هذه الحجة تخلط بين معانٍ مختلفة للحياد.
هناك حياد سياسي قد يعني عدم اتخاذ موقف من قضية الحكم المدني أو من انتهاكات أطراف الحرب. وهناك رفض للاصطفاف العسكري مع أي من الطرفين، مع اتخاذ موقف سياسي وأخلاقي واضح ضد الحرب والانتهاكات، والعمل من أجل إنهائها.
النوع الثاني ليس حياداً بين الحرب والسلام، ولا مساواة تلقائية بين كل الأفعال والمسؤوليات. إنه موقف مستقل يرفض تحويل القوى المدنية إلى امتداد لأي من المعسكرين العسكريين.
والأدق أن يحدد الحزب موقفه على أساس مبادئ معلنة: رفض الاستيلاء العسكري على السلطة، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ورفض استخدام القوة لفرض شرعية سياسية، والعمل من أجل تسوية تنهي الحرب ولا تعيد إنتاج أسبابها.
وبهذا المعنى، فإن رفض الاصطفاف مع طرفي الحرب لا ينبغي أن يكون بديلاً عن استراتيجية لإنهائها، بل أساساً لبناء تلك الاستراتيجية.
- إشكالية الاعتماد على النضال الجماهيري وحده
تعطي الورقة الأولوية للنشاط الجماهيري المنظم داخل السودان، وتؤكد أن الدعم الخارجي ينبغي أن يظل عاملًا مساعداً لا بديلاً عن إرادة الشعب وقواه الحية. وهذا مبدأ سليم من حيث رفض الوصاية الخارجية، والتأكيد على أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يستمد قوته وشرعيته من الداخل.
ومن الإيجابي أن الحزب الشيوعي بدأ مؤخراً خطوات للتواصل مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، سواء في إطار الخماسية أو الرباعية، بعد فترة من العزلة السياسية، أو بالأحرى من الانكفاء الذي اختاره لنفسه، مراهنًا على الداخل وحده، ومبتعداً عن الانخراط الفاعل في المبادرات والجهود الإقليمية والدولية. فصحيح أن الرهان الأساسي ينبغي أن يكون على الشعب وقدرته على إحداث التغيير، لكن ذلك لا يستلزم إهمال البيئة الإقليمية والدولية أو الاستغناء عن التواصل مع القوى والجهات المؤثرة فيها. فالتفاعل مع الخارج، متى استند إلى استقلال القرار الوطني وخدم أهداف وقف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي، لا ينتقص من دور الداخل، بل يمكن أن يعززه ويوسّع فرص نجاحه.
وأي اعتماد شبه حصري على الحركة الجماهيرية في ظل حرب مستمرة، وقيود أمنية، ونزوح، وتدمير لمؤسسات الإنتاج، وانهيار خدمات أساسية؟ يضعف بناء حركة جماهيرية واسعة وفعالة، ليس المطلوب أن تحل الدبلوماسية الدولية محل الفعل السوداني، بل أن تتكامل المسارات الداخلية والخارجية، وفق أولويات وطنية واضحة.
فالعمل الدبلوماسي يمكن أن يضغط على داعمي أطراف الحرب، ويدعم وقف تدفق السلاح، ويوفر ضمانات لحماية المدنيين، ويساعد في إيصال المساعدات الإنسانية، ويدعم مسارات المساءلة. كما تستطيع القوى المدنية السودانية استخدام هذه المسارات دون التنازل عن استقلال قرارها.
وإذا كانت الورقة نفسها تقر بالحاجة إلى دعم السودانيين في المهجر وشعوب العالم والمجتمعين الإقليمي والدولي، فإنها تحتاج إلى تحديد أكثر دقة لكيفية تحويل هذا الدعم إلى أدوات سياسية ودبلوماسية فعالة، بدلاً من الاكتفاء بالتحذير من تدخلات الخارج.
إن الاستقلال الوطني لا يتحقق بعزل السودان عن العالم، بل بامتلاك القدرة السياسية والمؤسسية على إدارة علاقاته الخارجية وفق مصالح شعبه.
