في جنوب السودان، لا تُكتب القوانين بالحبر وحده، بل تُنقش على جسد التاريخ، وتُوقّع بمداد البنادق. حين يُستدعى رياك مشار إلى المحاكمة، لا يُستدعى بوصفه متهمًا، بل بوصفه مرآة لصراع لم يُحسم، وسردية لم تُكتب بعد. هذا المقال لا يسعى إلى تبرئة أو إدانة، بل إلى تفكيك بنية المحاكمة ذاتها، بوصفها أداءً سياسيًا يُعيد إنتاج السلطة، لا تحقيق العدالة.
رياك مشار، بوصفه أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي الجنوب سوداني، لا يُحاكم كشخص منفرد، بل كتمثيل لتحالف سياسي-عسكري يتجاوز فردانيته. الصراع الذي اندلع بينه وبين الرئيس لم يكن مجرد خلاف إداري أو دستوري، بل تجلٍ لانقسام بنيوي داخل النخبة الحاكمة، حيث تتصارع مراكز القوة على إعادة تعريف من يملك الحق في احتكار أدوات الدولة، ومن يُسمح له بإعادة صياغة سرديتها. محاكمته، إذًا، لا تُفهم كإجراء قانوني مستقل، بل كأداة لإعادة ضبط ميزان القوى داخل هذه النخبة. إنها لحظة تُستخدم فيها لغة القانون لتثبيت شرعية طرف على حساب آخر، ولإعادة إنتاج سردية الدولة بوصفها كيانًا موحدًا، رغم ما يعتمل في داخله من تناقضات.
دستور جنوب السودان، رغم تبنيه لمبادئ حقوق الإنسان، وُلد في سياق تفاوضي بين أطراف الحرب. لم يُصغ من قاعدة شعبية، بل من فوق، كوثيقة تهدف إلى تهدئة الصراع لا إلى تأسيس عدالة مستقلة. المؤسسات القضائية، في هذا السياق، لا تعمل بوصفها سلطة ثالثة، بل كامتداد للسلطة التنفيذية. حين يُستدعى القانون لمحاكمة مشار، لا يُستدعى بوصفه معيارًا أخلاقيًا، بل كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة. تُستخدم التهم الفضفاضة مثل “التحريض على التمرد” دون تفاصيل دقيقة، ما يكشف عن الطابع السياسي للمحاكمة، وعن هشاشة البنية القانونية التي تسمح بتوظيف القضاء لتصفية الخصوم.
في المجتمعات الخارجة من الحرب، لا تكون المحاكمات لحظة عدالة، بل لحظة سردية. تقديم مشار للمحاكمة يُعيد إنتاج سردية الدولة كضحية للتمرد، لا كفاعل في الصراع. يُستخدم الخطاب القانوني لتبرير القمع باسم “الوحدة الوطنية” و”الاستقرار”، وهي مفاهيم تُستخدم غالبًا لتكميم المعارضة. المحاكمة، بهذا المعنى، ليست حدثًا قانونيًا بل طقسًا سياسيًا. إنها أداء رمزي يُعيد تعريف من هو “الوطني”، ومن هو “الخارج عن القانون”، دون أن تُطرح الأسئلة الجوهرية: من كتب هذا القانون؟ ومن يملك حق تفسيره؟
غياب آليات العدالة الانتقالية في جنوب السودان يجعل من المحاكمات أدوات انتقام لا أدوات مصالحة. لم تُفتح ملفات الجرائم الجماعية، ولم يُحاسب أي طرف على انتهاكاته. في هذا السياق، تصبح محاكمة مشار حدثًا انتقائيًا، يُستخدم لتصفية الحسابات لا لتأسيس ذاكرة جماعية. العدالة، حين تُمارس بشكل انتقائي، تفقد شرعيتها. وتتحول من أداة للإنصاف إلى أداة للهيمنة. ما يُحاكم ليس الجريمة، بل الموقع السياسي للمتهم.
في كثير من الأحيان، تُقدَّم الدولة بوصفها ضحية للتمرد، لكن هذا التوصيف يُخفي حقيقة أن الدولة نفسها كانت فاعلًا في الصراع. استخدمت القوات الحكومية العنف ضد المدنيين، وارتكبت انتهاكات واسعة. محاكمة مشار، دون محاكمة الأطراف الأخرى، تُعيد إنتاج سردية أحادية، تُبرئ الدولة وتُدين خصومها. هذا التحيّز في السردية القانونية يُعيد إنتاج السلطة، ويُكرّس منطقًا أحاديًا للعدالة، يُقصي كل من لا ينتمي إلى التحالف الحاكم.
حين يُستخدم القانون لتصفية الخصوم، يتحول إلى قناع يُخفي الوجه الحقيقي للسلطة. لا يُستخدم لتحقيق العدالة، بل لتبرير القمع. تُصبح المحاكمة وسيلة لإعادة تعريف الشرعية، لا لتحقيق الإنصاف. هذا الاستخدام السياسي للقانون يُفرغ العدالة من معناها، ويُحوّل القضاء إلى أداة في يد السلطة، لا إلى سلطة مستقلة.
حين تُنتقى شخصية بعينها لتُقدَّم للمحاكمة، دون فتح ملفات الانتهاكات الجماعية، يُصبح القانون أداة للانتقاء لا للإنصاف. تُحاكم الجريمة حين تكون خصمًا سياسيًا، وتُغضّ عنها الطرف حين تكون جزءًا من التحالف الحاكم. في هذا السياق، تُصبح المحاكمة وسيلة لإعادة تعريف “العدو”، لا لتحقيق العدالة. وتُستخدم لغة القانون لتبرير الإقصاء، لا لتأسيس ذاكرة جماعية تُعترف فيها كل الأطراف بجرائمها.
لا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة دون وجود قضاء مستقل، قادر على مقاومة الضغوط السياسية. في جنوب السودان، القضاء لا يتمتع بهذه الاستقلالية، بل يُدار غالبًا من قبل السلطة التنفيذية، ويُستخدم لتصفية الحسابات أو تثبيت الشرعية. هذا الغياب للبنية القانونية المستقلة يجعل من كل محاكمة حدثًا سياسيًا، مهما كانت التهم. ويُفرغ القانون من وظيفته الأخلاقية، ليُصبح أداة تقنية تُستخدم حسب الحاجة، لا حسب المبدأ.
حين تُقدَّم شخصية مثل رياك مشار للمحاكمة، تُعيد الدولة إنتاج سرديتها الخاصة للتاريخ: أنها كانت ضحية للتمرد، وأنها تمثل الوحدة والاستقرار. هذه السردية تُقصي روايات أخرى: رواية المجتمعات التي عانت من عنف الدولة، ورواية الضحايا الذين لا صوت لهم في المحكمة. المحاكمة، بهذا المعنى، ليست لحظة قانونية بل لحظة سردية. تُستخدم لتثبيت رواية واحدة، تُقصي الروايات الأخرى، وتُعيد تعريف من يملك حق الكلام، ومن يُحاكم بالصمت.
في ظل غياب المصالحة، واستمرار الانقسامات السياسية، لا يمكن للعدالة أن تتحقق عبر المحاكمات الانتقائية. العدالة تحتاج إلى اعتراف جماعي، إلى فتح ملفات الماضي، إلى مساءلة كل الأطراف، لا طرف واحد. محاكمة مشار، دون محاكمة الأطراف الأخرى، تُعيد إنتاج منطق الانتقام، لا منطق الإنصاف. وتُكرّس سردية الدولة بوصفها فوق التاريخ، لا جزءًا منه.
في هذا السياق، يُصبح القانون طقسًا يُمارس لتثبيت الهيمنة، لا أداة لتحقيق العدالة. تُستخدم المحاكمات كأداء رمزي، يُعيد إنتاج السلطة، ويُكرّس منطقًا أحاديًا للشرعية. هذا الطقس القانوني لا يُسائل الجريمة، بل يُعيد تعريف من يملك الحق في تسمية الجريمة. وتُصبح المحكمة مسرحًا، يُكتب فيه النص مسبقًا، ويُؤدى فيه الحكم قبل أن يُنطق به.
لكي نفهم محاكمة رياك مشار، علينا أن نفكك سرديتها: من كتب النص؟ من يملك المنصة؟ من يُسمح له بالكلام؟ ومن يُحاكم بالصمت؟ هذه الأسئلة تُعيد تعريف المحاكمة، لا بوصفها حدثًا قانونيًا، بل بوصفها لحظة سياسية، تُستخدم لإعادة إنتاج السلطة، لا لتحقيق العدالة.
صوت القاضي:
“باسم القانون، نحكم على المتهم بما ارتكبه من تحريض وتمرد.”
_
صوت المتهم:
“هل يُحاكم الصوت أم الصدى؟ هل يُدان التاريخ حين يُروى من جهة واحدة؟”
_
صوت الضحية الصامتة:
“لم يُسمع اسمي في المحكمة، ولم تُعرض صورتي. كنت هناك، حين أُحرقت القرى، لكن لم أكن في نص الاتهام.”
_
صوت الدولة:
“أنا القانون، وأنا الجريمة. أنا من يكتب الحكم، وأنا من يُحاكم به.”
_
صوت الغائب:
“العدالة ليست في الحكم، بل في من لم يُستدعَ للشهادة.”
في جنوب السودان، لا تُنطق الأحكام في قاعات المحكمة وحدها، بل تُرتّل في صمت الضحايا، وتُوشم على جدران الذاكرة.
كل محاكمة هي رقصة بين القانون والسلطة، وكل متهم هو مرآة لا وجه.
وحين يُحاكم الصوت، يُحاكم الصدى معه.
العدالة لا تُنطق، بل تُرتّل.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم