عاطف عبدالله
في الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب، لا أحد ينكر دوره الإيجابي في الحركة الوطنية السودانية.
دوماً كان الحزب منحازاً لقضايا العمال والمزارعين والطلاب، ومؤثراً في تشكيل الوعي الديمقراطي، ودافع ثمناً باهظاً من الاعتقالات والملاحقات والتشريد. كما ظل هدفاً لحملات حلٍّ وقمع، أبرزها أزمة حل الحزب عام 1965، ومحاولات تصفيته في عهود مختلفة.
هذا الرصيد النضالي حقيقة لا يمكن إنكارها.
لكن الاعتراف بالتاريخ لا يُغني عن مساءلة الحاضر.
فالسؤال اليوم ليس: من يهاجم الحزب؟
بل: لماذا تراجع تأثيره؟ ولماذا اهتزت صورته؟ ولماذا بدا معزولاً في لحظة كانت تتطلب أوسع جبهة مدنية لوقف الانهيار الوطني؟
أولاً: هل كل نقد مؤامرة؟
صحيح أن الحزب تعرّض تاريخياً لمحاولات تصفية، لكن إسقاط تلك اللحظات على كل اختلاف سياسي لاحق يفرغ السياسة من معناها.
بعد ديسمبر 2018 لم يعد الحزب يعمل في فضاء استبدادي مغلق، بل في ساحة سياسية تعددية تتنازعها قراءات مختلفة لميزان القوى وسبل إدارة الانتقال. لذلك فإن توصيف كل اختلاف بأنه “هجوم تصفوي” يُغفل حقيقة أن القوى الثورية نفسها كانت مختلفة في تقديرها للمرحلة.
النقد السياسي ليس عداءً وجودياً.
وهو يصبح ضرورة حين تتعلق المسألة بمصير ثورة ودولة.
ثانياً: الشراكة مع العسكريين… بين التخوف المشروع والحاجة السياسية
اتخذ الحزب موقفاً رافضاً للشراكة منذ توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، انطلاقاً من تخوف منطقي:
أن أي تقاسم للسلطة مع اللجنة الأمنية قد يُبقي نفوذها داخل الدولة ويمنحها فرصة لإعادة إنتاج السيطرة.
هذا التخوف لم يكن وهماً، بل قراءة سياسية معتبرة.
لكن في المقابل، كانت هناك قراءة أخرى ترى أن الشراكة – رغم اختلال ميزان القوى – تمثل ضرورة انتقالية لتجنب الانقلاب الفوري، ولفتح مساحة تدريجية لتفكيك بنية النظام السابق من داخل مؤسسات الدولة.
المشكلة لم تكن في وجود خيارين.
ولا في اختيار أحدهما.
فالخياران لم يكونا أخلاقيين بالمعنى الثنائي (صواب/خيانة)، بل سياسيين تحكمهما عوامل موضوعية.
ما هي هذه العوامل الموضوعية التي كان ينبغي تحديدها والاتفاق عليها؟
· ميزان القوة الحقيقي بين المدنيين والعسكر
· درجة تماسك المؤسسة العسكرية
· قدرة الشارع على الاستمرار في الضغط طويل الأمد
· مدى استعداد المجتمع الدولي لدعم التحول المدني
· حجم تغلغل شبكات النظام السابق في الدولة
· المخاطر الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على انهيار الانتقال
لو تم الاتفاق أولاً على “مِسطرة” موضوعية لقياس هذه العوامل، لأصبح الاختلاف حول تقديرها اختلافاً سياسياً قابلاً للحوار.
لكن لغياب معايير مشتركة، تحوّل الخلاف إلى انقسام أخلاقي حاد:
خائن مقابل ثائر.
متخاذل مقابل نقي.
وهنا خرج النقاش من السياسة إلى الأخلاق، ومن التحليل إلى التخوين.
السياسة إدارة احتمالات ضمن شروط معقدة.
وليست اختباراً للنقاء الثوري.
ثالثاً: من إضعاف الانتقال إلى انهياره
مع تصاعد خطاب “إسقاط الشراكة” قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021، تعمق الانقسام داخل المعسكر المدني.
في ظل:
· تفتت القوى المدنية
· بطء تفكيك التمكين
· تدخلات إقليمية مكثفة
· أزمة اقتصادية خانقة
أصبح إسقاط الانتقال نفسه احتمالاً مفتوحاً على كل السيناريوهات.
صحيح أن الانقلاب لم يكن نتيجة موقف حزب واحد، لكن الانقسام المدني أضعف القدرة على مقاومته. وعندما يُرفع شعار إسقاط السلطة الانتقالية دون امتلاك أدوات عملية لحماية البديل، فإن النتيجة قد لا تكون “تصحيحاً للمسار”، بل ترك الساحة للقوة المسلحة الأكثر تنظيماً.
وهكذا تحوّل الخلاف التكتيكي إلى فراغ سياسي استثمرته القوى المعادية للثورة. وذلك حين تحوّل شعار إسقاط الشراكة – الذي رُفع باسم حماية الثورة – إلى عاملٍ أسهم، بصورة غير مباشرة، في إضعاف الانتقال وتهيئة المسرح لانهياره الكامل لمصلحة القوى المعادية للثورة وللتحول المدني الديمقراطي!
رابعاً: الاختلاف الداخلي… برنامج أم محاكمة أخلاقية؟
لم تقتصر الأزمة على الخلاف مع قوى مدنية أخرى، بل امتدت إلى داخل الحزب نفسه، حيث برزت انقسامات عميقة في الرؤية والتقدير.
في الخلاف مع قيادات تاريخية مثل الشفيع خضر، ومع عدد من الأطباء والكوادر التي تم فصلها، يطرح سؤال جوهري ينبغي تناوله بهدوء ومسؤولية:
هل كان الخلاف حول البرنامج الأساسي والأهداف الاستراتيجية للحزب؟
هل أعلن هؤلاء تراجعهم عن مبادئه الجوهرية؟
أم أن الخلاف انحصر في تقدير الموقف السياسي، وقراءة ميزان القوى، واختيار التكتيكات الأنسب للمرحلة؟
التمييز هنا بالغ الأهمية.
فإذا كان الخلاف في تقدير سياسي، فهو اختلاف رأي داخل الإطار العام نفسه، لا اختلافاً في الحقائق أو المبادئ المؤسسة. أما إذا جرى تصويره باعتباره صراعاً بين “أنقياء” و”متخاذلين”، فإن النقاش ينتقل من ساحة السياسة إلى ساحة المحاكمة الأخلاقية.
وحين يصبح الفصل التنظيمي أداةً لـ“تنقية” الحزب من “المنحرفين” أو “المتخاذلين”، يتحول التنظيم من فضاء تعددي يسمح بالاجتهاد، إلى دائرة مغلقة لا تحتمل التباين. وهنا لا يعود الخلاف نقاشاً حول برنامج، بل معركة حول السمعة والشرعية الأخلاقية.
الأحزاب التي تعجز عن إدارة خلافاتها بوصفها اختلافات برامجية قابلة للنقاش والتطوير، تنزلق تدريجياً إلى بنى أخلاقية مغلقة ترى نفسها معيار الحقيقة، لا طرفاً في جدل سياسي مشروع. وهذا المسار أخطر على أي تنظيم من خصومه الخارجيين.
فأي تنظيم سياسي يفقد قدرته على استيعاب التعدد داخله، أو يضيق صدره بالرأي المخالف، يدخل تدريجياً في دائرة انغلاق تقوده إلى العزلة، مهما كان تاريخه أو صلابته التنظيمية.
الخطر الحقيقي على الأحزاب العقائدية لا يأتي غالباً من الهجوم الخارجي، بل من تراكم عناصر الضعف الداخلي، وأبرزها:
· الجمود الفكري.
· مركزية القرار المفرطة.
· ضعف التجديد القيادي.
· العجز عن قراءة التحولات الاجتماعية بمرونة وواقعية.
وعندما يتحول التاريخ إلى مرجعية مغلقة لا تقبل المراجعة، تصبح الذاكرة عبئاً بدلاً من أن تكون مصدر إلهام.
في السنوات الأخيرة، بدا أن قيادة الحزب الشيوعي السوداني وقعت – بدرجات متفاوتة – في بعض هذه المحاذير: تضييق مساحات النقاش الداخلي، حساسية مفرطة تجاه الرأي المختلف، وتكريس مركزية تحدّ من إمكان التجديد الحقيقي في الرؤية والأدوات. وبدلاً من تحويل التباين إلى مصدر قوة، جرى التعامل معه أحياناً بوصفه تهديداً ينبغي احتواؤه أو تحجيمه أو إخراجه من الإطار التنظيمي.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في إدارة الخلاف مع الشفيع خضر ورفاقه، حيث لم يُنظر إلى التباين باعتباره اجتهاداً سياسياً مشروعاً داخل إطار مشترك، بل كخروج يستوجب الإقصاء. ولم يتوقف الأمر عند حدود الإجراءات التنظيمية، بل امتد – في بعض الخطابات – إلى استخدام توصيفات تجريمية أو عبارات تشهيرية، على نحو يُقارب أساليب التخوين التي عانى منها الحزب نفسه في مراحل سابقة.
إن تحويل الخلاف السياسي إلى معركة أخلاقية، ثم إلى معركة سمعة، لا يعكس ثقة تنظيم واثق من أدواته وبرنامجه، بل يشير إلى أزمة إدارة داخلية تحتاج إلى مراجعة عميقة. فالحزب الذي لا يحتمل التعدد في داخله، سيجد صعوبة في الإسهام في إدارة تعددية وطن بأكمله.
خامساً: العزلة والتحولات الاجتماعية
ما بعد ديسمبر كشف تحولات عميقة:
· جيل جديد خارج الأطر الأيديولوجية التقليدية
· لجان مقاومة ترفض الوصاية الحزبية
· مزاج شعبي يبحث عن حلول معيشية ملموسة
في هذا السياق، بدا خطاب الحزب أحياناً أقرب إلى إعادة إنتاج صراعات الستينيات، دون تطوير أدوات تحليل اقتصادي وبرامج تنفيذية مفصلة تناسب اقتصاداً منهاراً ودولة شبه فاشلة.
تاريخ الحزب مصدر قوة،
لكنه لا يكفي وحده لاستعادة الثقة.
سادساً: في لحظة الحرب… ما الأولوية؟
اليوم يعيش السودان كارثة وجودية:
نزوح واسع، جرائم حرب، انهيار اقتصادي، وانقسام سلطوي.
في مثل هذه اللحظة يصبح السؤال مختلفاً:
هل الأولوية لتصفية حسابات مع مرحلة انتقالية فاشلة؟
أم لبناء أوسع جبهة مدنية ممكنة لوقف الحرب واستعادة المسار الديمقراطي؟
التمسك بموقف حدّي بدعوى نقاء الموقف قد يبدو ثورياً نظرياً،
لكنه عملياً قد يعمق العزلة ويخدم دعاة الحرب.
خاتمة: المراجعة ليست ضعفاً
ثمانون عاماً من التاريخ لا تعفي أي حزب من المراجعة.
والخطر الحقيقي ليس في النقد،
بل في تحويل كل نقد إلى مؤامرة،
وكل اختلاف إلى خيانة،
وكل مراجعة إلى ضعف.
التحدي اليوم أمام الحزب – كما أمام بقية القوى السياسية – ليس إثبات من كان على حق في الماضي،
بل الإجابة عن سؤال المستقبل:
كيف يمكن استعادة ثقة الشارع؟
كيف تُبنى جبهة مدنية توقف الحرب؟
وكيف يتحول البرنامج الديمقراطي من شعار إلى مشروع قابل للتحقق؟
من دون هذه المراجعة، سيبقى الخطر الحقيقي ليس في الهجوم من الخارج…
بل في انسداد الأفق من الداخل.
atifgassim@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم