مرثية ثقيلة في دفاتر المستشفيات

نزار عثمان السمندل

تُكتب المأساة هذه المرة في دفاتر المستشفيات، على أسرّة تُركت باردة، وعلى جدران لم تعد تعرف سوى ارتطام القذائف. فحرب السودان لم تكتفِ بابتلاع المدن، مضت إلى ما هو أعمق، إلى قلب المعنى الإنساني ذاته، حيث يتحول العلاج إلى هدف، والطبيب إلى رقم في سجل الضحايا، والمريض إلى قصة ناقصة.
أرقام منظمة الصحة العالمية لا تُروى كإحصاءات باردة، وإنما كمرثية ثقيلة. السودان يتصدر العالم بنسبة وفيات تبلغ 82 في المئة جراء الهجمات على المرافق الصحية. منذ أبريل 2023، أكثر من 213 اعتداءً، 1042 قتيلاً، و784 جريحاً.
أرقام تبدو وكأنها تُحصي انهيار فكرة الرعاية نفسها، لا مجرد خسائر بشرية. خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، تتضاعف الفاجعة، كأن العنف تعلّم كيف يرفع منسوبه ويختبر حدود القسوة، فيسقط أكثر من 180 قتيلاً في 12 هجوماً فقط.
في مدينة الضعين، شرق دارفور، تتكثف الحكاية إلى حدّها الأقصى. مركز صحي كان يتنفس عن أكثر من مليوني إنسان، يتحول إلى ركام. سبعون قتيلاً، بينهم نساء وأطفال، طبيب وممرضتان، وكأن الرسالة تُكتب بدم من يفترض أنهم حماة الحياة.
ذلك المكان الذي كان يقاوم المرض، أُخرج من الخدمة، فانسحب معه شريان كامل من الأمل، تاركاً فراغاً يتسع كجرح مفتوح في جسد الإقليم.
المشهد لا يقف عند حدود الأرض. الطائرات المسيّرة تدخل على الخط كفاعل جديد، تضيف عنصراً آخر من الرعب. مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان توثق مقتل أكثر من 500 مدني خلال أسابيع قليلة، في ضربات تُصيب مناطق مأهولة، وتُعيد تعريف الخطر بوصفه قدراً يومياً يهبط من السماء.
في الدبة، تنقطع الكهرباء بالكامل، وكأن الظلام لم يعد مجازاً، بل واقعاً يُفرض على مدن بأكملها. وفي قافلة تجارية بالضعين، يتحول الطريق إلى فخ، يسقط فيه 23 قتيلاً، بينهم نساء وأطفال، في مشهد يختصر هشاشة الحياة تحت هذا النوع من الحروب.
تتسع الدائرة، تتجاوز حدود السودان، وتفتح الباب أمام أسئلة أكبر من الجغرافيا. السلاح يتدفق، والدم يتكاثر، والنداءات الدولية تتردد في فضاء مزدحم بالعجز.
الحديث عن جرائم حرب لم يعد توصيفاً قانونياً فحسب، وإنما محاولة للإمساك بلحظة انفلات أخلاقي شامل، حيث تتآكل الخطوط الفاصلة بين المقاتل والإنسان، بين الهدف والملاذ.
وسط هذا الحطام الشامل، يقف القطاع الصحي شاهداً على سقوط مضاعف: سقوط البنية، وسقوط المعنى. حين يُستهدف المستشفى، تتعرض فكرة النجاة نفسها للقصف. وحين يُقتل الطبيب، تُغتال إمكانية الشفاء. وحين يُهجّر المرضى، يُعاد تعريف الضعف كقدر جماعي.
السودان لا يواجه اليوم حرباً فقط، يواجه اختباراً قاسياً لإنسانية لمن يتولون حكمه وإنسانية العالم. كل رقم يخرج من هناك يحمل في طياته سؤالاً مؤجلاً: كم يلزم من الألم كي يستيقظ الضمير؟ وكم من الأرواح ينبغي أن تُفقد قبل أن يجد هذا النزاع نهاية تليق بما تبقى من حياة؟

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

على أعتاب الدولة المدنية (2 ـ 4)

على أعتاب الدولة المدنية (2 ـ 4)*الديمقراطية تحتاج أحزاباً حيّةنزار عثمان السمندل لحظات التحول الكبرى …