مصانع الجهل والجدل والانصرافية

نزار عثمان السمندل

ربما يجد عنوان كتاب آمارتيا سِنْ (الهندي المولع بالجدل)، صداه في أرض النيلين، لكن على نحو مأساوي.
كان الجدل محركاً للتفكير النقدي وصناعة الفلسفة في الهند وغيرها، بينما جدل السودانيين لعنة وطنية؛ هرجٌ بلا أفكار، خصام بلا أفق، حوار مسدود ينتهي دائماً بانشقاق أو بانقلاب دبابة. السودانيون، قادة وأحزاباً وزعماء طوائف وحركات مسلحة، غرقوا في نزعة جدلية انصرافية، جعلت من السياسة مسرحاً مغلقاً؛ إما أن تكون معي، أو فأنت عدوٌّ ينبغي سحقه أو نفيه.
تاريخ الأحزاب في أوروبا، مثلاً، وقد أخذت الهند منها التجربة، يُعلّمنا أن هذه الأجسام أشبه بمختبرات علمية، كوادرها تقرأ مستقبل الطاقة، تكتب خرائط التغير المناخي، وتبني سياسات مواجهة المصائر الصعبة قبل وقوعها. أما عندنا، فالزعيم يجلس على كرسي موروث، يوزّع الابتسامات على المريدين، ينتظر أن يتسلم أبناؤه الراية، ويعيد تكرار شعارات مُجمّدة منذ أربعينيات القرن الماضي. الحزب هنا ليس عقلاً يفكّر وإنما ذاكرة طائفية، وامتداد لعشيرة.
الطائفية عقيدة حديدية، أقفلت الأبواب على أي تجديد. والعقائدية قيد يغلّ اليدين ويعمي العيون. حتى الأحزاب التي خرجت من رحم النقابات والطلائع الشبابية سرعان ما استنسخت علل الماضي؛ لا ديمقراطية داخلية، لا برامج علمية، لا شفافية مالية. قرارات تُصنع في دوائر مغلقة، أموال تأتي من قنوات مظلمة، وشعارات تتبخر مع أول نسمة.
التمويل حساباته مفتوحة في الديمقراطيات الحقّة، القوانين صارمة، المال الأجنبي ممنوع، كل شيء يخضع للرقابة. في السودان، المال السياسي نهرٌ غامض يجري في العتمة وفي وضح النهار، يغذّي الولاءات، ويصنع التبعية.
ثم تأتي الانقلابات كحجر الرحى. كلما حاولت التجربة الديمقراطية أن تتنفس، أطبق عليها الجنرالات. لكن الحقيقة أن الأحزاب نفسها كانت تصنع الفراغ الذي يلجُ منه العساكر. لو بنت مؤسسات قوية وبرامج مقنعة، لما وجدت الدبابة منفذاً.
المعادلة شديدة الوضوح: جيش يحمي ولا يحكم. وأحزاب تبني ولا تقتتل. حين يقوم كل طرف بدوره، تسقط الانقلابات من القاموس السياسي. أما في السودان، فيظل المشهد حلقة مفرغة: أحزاب بلا رؤية، وجيش يحشر أنفه كلما شمّ رائحة الضعف.
هنا، في قلب هذه المأساة، تكمن أعجوبة القدر: ربّ ضارة نافعة. الحرب الآثمة التي تحرق اليوم مدناً وتفرّق أسراً، قد تصبح، غداً، مشعل مراجعة لا مفرّ منه. لا أقول هذا لتعطيل العزاء أو لتجميل الدم، بل لأشير إلى حقيقة عملية: الكوارث تُعرّي البنى، وتكشف عيوبها. ما ظنّه البعض عمقاً من ثبات يتبدّد؛ وما اعتُبر أمراً مستتراً أمام الجماهير يصبح مرئياً في ضوء الكارثة. هنا تفتح نافذة النقد… صغيرة لكنها تقتل الزيف.
وتكون اللحظة مواتية لثورةٍ داخل الأحزاب: محاسبات (أليست المحاسبة مدرسة التحرر؟)، مراجعات تُفرّق بين الولاء للفكرة والولاء للشخص، رقابات مالية تُطهّر الجيوب من أدران المجهول، وديمقراطية داخلية تعلّم العضو كيف يصبح صاحب رأي لا مجرد تابِع وهتّيف.
التدابير هنا ليست عبارة عن شعارات بقدر ما هي إجراءات ملموسة: لجان تحقيق داخلية تفتح الملفات، آليات انتخاب داخلية شفافة، مراكز أبحاث حزبية تُنتج برامج وليس خطباً، ونظام مالي يخضع للمساءلة العامة. هذه المراجعات ليست انتقاصاً من الكبرياء الحزبي، بل صمام نجاة للدولة وللأجيال القادمة. حين تجرُؤ الأحزاب على أن تُحاسب نفسها، تكسب الشرعية، وتكسب الشعب، وتحرر الساحة من ذرائع التدخّل العسكري.
هذه الحرب البائسة لا بد أن تنتهي يوماً، لكننا رأينا جميعاً كيف أنها أخرجت أسوأ ما في السودانيين من طباع. وإذا ما “عادت حليمة إلى عاداتها اللئيمة” بعد أن يتوقف نهر الموت عن الجريان، فستكون الكارثة أفدح: لن يبقى وطن، بل غابة.
على السودانيين أن يقفوا طويلاً أمام هذا المصير الملتبس الذي يعيشونه، أن يتأملوا القبح عارياً: زعماء بلا فكر، خطباء بلا مشروع، وأحزاب بلا وطن.
غير أن في هذا القبح ذاته تكمن بذرة الانعتاق: فإذا قبلت الأحزاب يأسها وسجّلته، وإذا فتحت أبوابها للنقد وصارت قابلة للتماس مع الحقيقة، فقد تولد من رماد الحرب مشاريع جديدة تقود الأجيال القادمة بثبات وقوة وإنجاز.
وحدها الشجاعة في كسر هذه الدائرة الملعونة قادرة على فتح الباب من جديد، ليغادر الجدل العقيم مسرحه المظلم، وتدخل الفكرة أخيراً إلى قلب السياسة ورئة التنمية.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

على أعتاب الدولة المدنية (4 ـ 4)

على أعتاب الدولة المدنية (4 ـ 4)معركة الوعي: منابر يحتاجها المشروع المدنينزار عثمان السمندل السياسة …