khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تسقط الأقنعة دفعة واحدة، بل تنزلق ببطء، حتى نجد أنفسنا فجأة أمام مشهدٍ مقلوب؛ ما كان يُوصَف خطرًا وجوديًا بالأمس، يُعاد تقديمه اليوم كضرورةٍ مرحلية، وما كان يُرفع شعارًا أخلاقيًا صار عبئًا يجب التخلص منه باسم “الواقعية”. هكذا إذاً تُدار السياسة في الإقليم، لا بمنطق المبادئ ولا بثبات القيم، بل بمنطق المصالح المتحرّكة التي لا تعترف بتناقض ولا تخجل من ازدواج. ففي عالم الصفقات، لا مكان للأسئلة المزعجة، ولا وقت للحديث عن العدالة أو الاتساق؛ المهم فقط أن تستمر السيطرة، ولو على أنقاض الدول.
ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلافٍ في التكتيكات، ولا تباينٍ عابر في المواقف، بل تحوّل بنيوي في طريقة إدارة الأزمات؛ محاربة الإسلام السياسي داخل الحدود بوصفه تهديدًا للدولة، ثم غضّ الطرف عنه أو توظيفه خارجها حين تفرض معادلات النفوذ ذلك. تُلاحَق الجماعة في الداخل، وتُشيطن في الإعلام، وتُقدَّم كخطرٍ لا يُساوَم عليه، ثم تُستدعى في ساحات أخرى كرافعة توازن، أو كأداة ضغط، أو كشبكة جاهزة لإدارة الفوضى. هذا ليس خطأ في التقدير، ولا تناقضًا غير مقصود، بل سياسة واعية تُعلّق التصنيفات حين تصبح كلفة الالتزام بها أعلى من كلفة خرقها.
الأخطر في هذا المسار أنه لا يُقدَّم للناس باعتباره ما هو عليه، بل يُغلّف بخطابٍ أخلاقي زائف؛ حديث عن الاستقرار، وعن السيادة، وعن منع الانهيار، بينما يجري في العمق إعادة تدوير القوى ذاتها التي أُدينت يومًا بوصفها أصل الخراب. تُعاد صياغة المشكلة، لا حلّها؛ تُؤجَّل المحاسبة، لا تُلغى؛ ويُطلب من الشعوب أن تقبل بالحدّ الأدنى من الحياة مقابل الصمت عن جذور المأساة.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما يجري في السودان بمعزل عن التحركات السعودية والمصرية الأخيرة، ولا عن ما حدث ويحدث في اليمن، حيث تحوّلت المعركة من مواجهة عدو واضح إلى صراع نفوذ بين حلفاء الأمس، واستُدعيت قوى الإسلام السياسي من جديد بوصفها أدوات وظيفية في معركة السيطرة. هنا، يصبح السؤال مشروعًا بل واجبًا؛ هل نحن أمام إعادة تعريفٍ غير معلنة لموقف الإقليم من جماعة الإخوان المسلمين؟ أم أننا أمام براغماتية قاسية مستعدّة لدهس كل ما قيل عن “مكافحة الإرهاب” حين تتعارض مع حسابات الجغرافيا والموانئ والحدود؟
ليس من السهل على المراقب الجاد أن يتجاهل التناقض المتنامي بين الخطاب الرسمي لبعض العواصم العربية تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وبين سلوكها العملي في ساحات إقليمية بعينها، وعلى رأسها السودان. هذا التناقض لا يمكن فهمه بوصفه ارتباكًا مؤقتًا أو زلة تكتيكية، بل هو نتاج تحوّل أعمق في طريقة إدارة الأزمات الإقليمية، حيث تراجعت الصدامات الأيديولوجية الصلبة لصالح براغماتية قاسية تُعلّق المبادئ كلما اصطدمت بحسابات النفوذ والجغرافيا.
منذ ما بعد ٢٠١٣، تبنّت السعودية ومصر موقفًا معلنًا وحادًا من جماعة الإخوان المسلمين، بوصفها تهديدًا مباشرًا للدولة الوطنية، ومشروعًا عابرًا للحدود يستثمر الدين لتقويض السلطة المركزية. تُرجم هذا الموقف إلى إجراءات أمنية وقانونية قاسية، وخطاب سياسي واضح يضع الجماعة في خانة الخطر الوجودي. في تلك المرحلة، بدا الصراع مع الإخوان صراعًا مبدئيًا يتعلق بطبيعة الدولة وحدود السياسة.
غير أن السنوات الأخيرة كشفت أن السياسة الإقليمية لا تُدار بالثوابت وحدها. فمع تصاعد الأزمات، وانهاك الدول، وتبدّل أولويات الأمن، بدأت المنطقة تشهد انتقالًا تدريجيًا من مرحلة “الحسم الأيديولوجي” إلى مرحلة “إدارة الخلافات تحت سقف المصالح”. المصالحات الإقليمية، والانفتاح على خصوم الأمس، وإعادة ترتيب التحالفات، كلها مؤشرات على أن العنوان الجديد هو تقليل الكلفة لا تصفية الخصوم.
في هذا السياق، لم تعد جماعة الإخوان تُرى دائمًا بوصفها خطرًا مطلقًا، بل في بعض الساحات بوصفها فاعلًا يمكن احتواؤه أو توظيفه مرحليًا، طالما لا يهدد مباشرة بنية الحكم في داخل هاتين الدولتين. وهنا يظهر السودان بوصفه ساحة اختبار نموذجية لهذا المنطق.
فمنذ اندلاع الحرب، لم يعد الصراع في السودان مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبح معركة على مستقبل الدولة؛ هل تُفكَّك منظومة التمكين التي حكمت لعقود، أم يُعاد تدويرها تحت عناوين جديدة؟ الحركة الإسلامية، التي لم تختفِ بسقوط البشير، أعادت التموضع داخل الجيش، والاقتصاد، والإعلام، وشبكات المال، مستفيدة من الفوضى والحرب وغياب المساءلة. اللافت أن كثيرًا من التحركات الإقليمية خصوصًا من القاهرة والرياض باتت تصب موضوعيًا في صالح بقاء هذه المنظومة، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة. خطاب “السيادة”، والتحفظ على الرقابة الدولية، والدفع نحو حلول تُبقي الأمر الواقع، كلها خطوات تُضعف أي مسار تفكيك حقيقي، وتمنح الشبكات القديمة فرصة لإعادة تثبيت نفسها “بوصفها “الضامن الوحيد للاستقرار.
هذا المسار لا يعني تبنّيًا أيديولوجيًا للإسلاميين، بل ادّعاءً بأنه قبولًا عمليًا بهم كجزء من معادلة إدارة الأزمة، في مواجهة سيناريوهات تُعدّ أكثر فوضوية أو أقل قابلية للضبط. وهنا يصبح السؤال مشروعًا؛ هل ما يجري هو دفاع عن الدولة، أم إدارة للأزمة بأدوات النظام القديم؟
لفهم هذا المنطق، يكفي النظر إلى اليمن. فهناك، تحوّل الخلاف السعودي–الإماراتي في الأشهر الأخيرة من تباين داخل تحالف واحد إلى صدام سياسي–أمني مكشوف حول من يملك القرار في المناطق غير الخاضعة للحوثيين. حين دفعت أبوظبي باتجاه تعزيز نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أداة سيطرة وانفصال، تحركت الرياض في الاتجاه المعاكس؛ كبح الانتقالي، إضعافه سياسيًا وميدانيًا، وإعادة ترجيح كفة القوى المرتبطة بحزب الإصلاح، الذراع اليمنية للإخوان المسلمين. هذا التحول لم يكن نظريًا، بل تُرجم إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل مؤسسات “الشرعية”، وتغطية تحركات أضعفت أدوات الإمارات جنوبًا. والنتيجة العملية لذلك كانت واضحة؛ فتح المجال أمام الإخوان اليمنيين كشريك وظيفي في معركة النفوذ. هنا يتجسد التناقض في أوضح صوره؛ دولة تُصنّف الإخوان تنظيمًا إرهابيًا داخل حدودها، لكنها في اليمن تستثمر في حضورهم السياسي والعسكري حين تقتضي مصلحتها كبح حليف سابق أو استعادة السيطرة على الجغرافيا. هذا ليس سوء فهم ولا قراءة متعسفة، بل نتيجة مباشرة لمنطق براغماتي يُعلّق التصنيفات متى ما تعارضت مع حسابات القرار. في هذا المنطق، لا يعود “الإرهاب” توصيفًا ثابتًا، بل أداة خطابية تُشدّ أو تُرخى بحسب المسرح، حتى لو كان الثمن إعادة تدوير القوى نفسها التي يُقال إن المنطقة تحاربها.
ما جرى في اليمن يضيء ما قد يجري في السودان. فكما جرى التساهل مع الإخوان هناك عندما تعارض تصنيفهم مع صراع النفوذ مع الإمارات، يبرز في السودان نمط مشابه؛ تسامح إقليمي مع تموضع الإسلاميين داخل الدولة والجيش ما دام ذلك يخدم هدفًا أعلى هو ضبط المشهد ومنع خروجه عن السيطرة. الإسلاميون هنا لا يُقدَّمون كمشروع حكم معلن، بل كشبكة جاهزة تمتلك الخبرة والاختراق والقدرة على الإمساك بالمفاصل، ويمكن استخدامها مرحليًا باسم “الواقعية”. لا يحتاج هذا المسار إلى إعلان رسمي أو رفع تصنيف؛ يكفي غضّ الطرف، وتأجيل المحاسبة، وشرعنة الأمر الواقع بخطاب السيادة. وهكذا يصبح السودان مهددًا بإعادة إنتاج الحركة الإسلامية لا عبر حزب، بل عبر الدولة والحرب.
ما يجري اليوم لا يثبت أن هناك قرارًا رسميًا برفع الحظر عن الإخوان أو إعادة الاعتبار لهم كتنظيم. لكنه يكشف، بوضوح، أن السلوك الإقليمي لم يعد منسجمًا مع الخطاب المعلن. وحين تتكرر الأفعال التي تؤدي إلى النتيجة نفسها تقوية الشبكات القديمة وتأجيل تفكيكها يصبح من حق أي محلل جاد أن يدق ناقوس الخطر. المشكلة ليست في البراغماتية بحد ذاتها، فكل سياسة واقعية براغماتية. المشكلة في براغماتية تُدار على حساب الشعوب، وتعيد تدوير الأخطار باسم الاستقرار. السودان لا يحتاج إدارة أزمة تُرضي العواصم، بل مسارًا يقطع مع منظومة التمكين من جذورها. وأي مقاربة إقليمية تتجاهل هذه الحقيقة، مهما بدت ذكية على المدى القصير، لن تُنتج دولة، بل هدنة هشة تُمهّد لانفجار جديد. فلقد باتت الرباعية تُستنزَف من الداخل بمحاولاتٍ سعودية ومصرية حثيثة لتفريغها من بندها الأخطر والأكثر حساسية، إبعاد الإخوان المسلمين ومنظومة التمكين عن أي دورٍ في مستقبل السودان، وتحويلها من إطارٍ ضاغط إلى مظلةٍ شكلية تُدار تحتها تسويات الأمر الواقع.
هذا التلاعب لا يستهدف نصوص البيانات بقدر ما يستهدف روحها، ولا يراهن على إسقاط الرباعية دفعةً واحدة، بل على إنهاكها بالتأجيل والالتفاف حتى تصبح بلا أسنان. غير أن المعادلة لم تعد أحادية الاتجاه؛ فالقوى المدنية السودانية، وقد راكمت وعيًا وخبرةً وشبكات توثيق، تؤدي اليوم دورًا متعاظمًا في فضح هذا المسار، وتسميته باسمه، وكشف كلفته الأخلاقية والسياسية على حاضر البلاد ومستقبلها. هنا، يصبح الرهان الواقعي هو تعزيز موقف واشنطن وأبوظبي داخل الرباعية، لا مجاملة الشركاء المترددين؛ فبدون ضغطٍ صريح يُعيد تثبيت خط “لا عودة للإخوان” كشرطٍ غير قابل للتفاوض، ستتحول الرباعية إلى إدارة أزمة لا إلى كسرٍ لدائرتها. إن اكتمال المشروع يمرّ عبر محاذاةٍ واضحة بين الضغط الدولي والشرعية المدنية السودانية، وعبر دعمٍ أقوى لموقف الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة في مواجهة محاولات التفريغ، لأن البديل، إن تُرك الحبل على غاربه، هو إعادة تدوير الأخطار نفسها تحت لافتاتٍ جديدة، ودفع السودان مرةً أخرى ثمن صفقاتٍ لا مكان فيها لإرادة شعبه ولا لمشروع دولته المدنية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم