مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (10 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
تابعنا في المقالات التسعة السابقة من هذه السلسلة من المقالات بروز مطلب النظام الفيدرالي لجنوب السودان من الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية. وأوضحنا كيف بدأ وتواصل الرفض القاطع لهذا المطلب من جميع الأحزاب الشمالية خلال فترتي الحكم المدني الأولى والثانية، وكذلك خلال فترة الحكم العسكري الأولى.
2
تابعنا بعد ذلك فكرة وانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في شهر مارس عام 1965، في بداية فترة الحكم المدني الثانية. أوضحنا كيف تم عرض مقترح النظام الفيدرالي وكيف تم رفضه رفضاً تاماً بواسطة كل الأحزاب السياسية الشمالية وجبهة الهيئات التي قادت ثورة أكتوبر. كما تابعنا كيف تحول المؤتمر إلى لجنة الاثني عشر وتعرّضنا بالتفصيل لتقرير اللجنة، وأوضحنا الخلافات الكبيرة حوله.
وناقشنا في المقال السابق انقلاب 25 مايو 1969، وعزم قادته على حل قضية الجنوب، وصدور بيان 9 يونيو عام 1969، والتوصل بعد ذلك إلى اتفاقية أديس أبابا. وناقشنا بتفصيلٍ موسّعٍ بنود وملاحق الاتفاقية، والتوقيع عليها بواسطة السيد ابيل ألير ممثلاً لحكومة السودان، والسيد أزبوني منديري ممثلا لحركة تحرير جنوب السودان (وبقية أعضاء الوفدين)، ودخول الاتفاقية حيز النفاذ في 3 مارس عام 1972.
3
تمّ تعيين السيد أبيل ألير رئيساً للمجلس التنفيذي في الإقليم الجنوبي، بالإضافة إلى مهامه كنائب لرئيس الجمهورية التي تمّ تعيينه لها، كما ذكرنا سابقاً، في نهاية عام 1971،عقب الاستفتاء على رئاسة الجمهورية.
كانت وظيفة نائب رئيس الجمهورية أعلى وظيفة سياسية في تاريخ السودان في الحكومة المركزية في الخرطوم يتولاها أحد السياسيين السودانيين الجنوبيين. كان المنصب الأقرب لها هو رئاسة مجلس السيادة الدورية الشهرية بين أعضائه والتي جرّد الحزبان الكبيران الجنوبيين منها عندما عدّلا الدستور في يونيو عام 1965 لتكون الرئاسة دائمة، وتؤول إلى السيد إسماعيل الأزهري.
4
تمّ تعيين السيد جوزيف لاقو لواءً بالجيش السوداني وعضواً بالمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني. وتكوّن المجلس التنفيذي من بعض الساسة الجنوبيين الذين عادوا من المنفى. وعيّنت الحكومة أعداداً كبيرة من الجنوبيين العائدين من المنفى، وكذلك الذين بقوا في السودان، في الخدمة المدنية في الجنوب.
كذلك شملت الحكومة المركزية جنوبيين في وزاراتٍ لها وزنها السياسي. فقد تمّ تعيين السيد بونا ملوال وزيراً للثقافة والإعلام، والدكتور لورنس وول وزيراً للتخطيط، والدكتور فرانسيس دينق وزير دولة بوزارة الخارجية.
5
عمّت الاحتفالات مدن وقرى جنوب السودان وقابلت الجماهير في جنوب السودان الرئيس جعفر نميري بحفاوةٍ لم يلقها في أيِّ مكانٍ في السودان منذ أن قام بانقلابه قبل ثلاثة أعوام.
امتد الابتهاج إلى الأكادييمين الجنوبيين الذين أشادوا بالرئيس جعفر نميري وشجاعته. فقد كتب الدكتور دانستن واي “لقد كسب الرئيس نميري بدون شكٍ ثقة الجنوبيين لأنه برهن أنه رجلٌ يحترم وعوده وكلمته. لقد وجد السودان لأول مرةٍ في تاريخه منذ الاستقلال رجلاً قوي العزيمة، يمتاز بثقابة الرؤية والأفكار التي اتضح أنها عملية بصورةٍ واضحة.”
وعلى نفس المنهاج كتب الدكتور فرانسيس دينق “إن الحكم الذاتي الإقليمي كان أكثر الحلول معقوليةً يمكن للرئيس أن يطبقه ويجب اعتباره خطوةً عملاقة نحو الحل النهائي لمشكلة الجنوب.” لا بد أن قادة الدعوة للنظام الفيدرالي من أبناء الجنوب – خصوصاً الراحلان الأب سترنينو لوهوري والسيد ويليام دينق – قد ابتسموا في زهو وإعجابٍ بتلك الإنجازات السياسية الرائعة لحركة تحرير جنوب السودان.
6
دخل السودان حقبةً جديدةً في تاريخه. فقد توقّفت الحرب في الجنوب لأول مرةٍ منذ عام 1955، وانتهت سبعة عشر عاماً من القتل والقصف والدمار والتشريد لأبناء الجنوب، وبدأ مئات الآلاف من اللاجئين الجنوبيين الذين شردّتهم الحرب إلى كينيا ويوغندا وتنزانيا وجمهورية الكنغو الديمقراطية في العودة إلى السودان.
وقرّرت الدول الصديقة وصناديق التنمية والمنظمات المالية الدولية المساهمة في بناء الاحتياجات الأساسية من مدارس ومستشفيات وطرق ومحطات مياه، والتي لم يكن معظم أرجاء الجنوب يعرفها بعد، وتدريب أبناء الجنوب على العمل في هذه المؤسسات.
7
بعد عامٍ من اتفاقية أديس أبابا صدر دستور السودان الدائم لعام 1973، وحلّ مكان الأمر الجمهوري رقم 5. تناولت المادة الثامنة من الدستور اتفاقية أديس أبابا ونصّت على أنه “يقوم نظام للحكم الذاتي الإقليمي في الإقليم الجنوبي على أساس السودان الموحّد وفقا لقانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972 والذي يعتبر قانوناً أساسياً لا يجوز تعديله إلا وفقاً للنصوص الواردة فيه.” وهكذا تمّ تضمين اتفاقية أديس أبابا في الدستور الدائم للسودان لعام 1973، معطياً اتفاقية أديس أبابا وضعاً دستورياً راسخاً ومميزاً.
8
كانت الاتفاقية متوازنةً لحدٍ كبير، فقد حافظت على وحدة السودان، وأعطت أبناء الجنوب حق حكم أنفسهم وتطوير لغاتهم وثقافتهم وعاداتهم واعترفت بدياناتهم. وكانت الاتفاقية شجاعةً فقد اعترفت لأول مرة بالتباينات العرقية والدينية واللغوية والثقافية بين شعبي السودان، بدلاً من التصريحات والخطب الاستعلائية والاستخفافية من قادة الأحزاب الشمالية الدينية الثلاثة.
فقد وصفت إحدى تلك الخطب الجنوب بأنه يعاني من فراغٍ ثقافيٍ سيملؤه الإسلام والعروبة. بينما وصفت خطبةٌ ثانية السودان بأنه دولة إسلامية عربية، وطالبت من لا يتفق مع هذا الرأي بحزم امتعته ومغادرة السودان.
9
وقد ادّعت بعض قيادات الأحزاب الشمالية أن اتفاقية أديس أبابا لم تُعطِ الجنوب الحكم الفيدرالي الذي كان يطالب به، وظلت تكرّر أيضاً باستمرار أن الاتفاقية انبنت تماماً على توصيات لجنة الاثني عشر المنبثقة عن مؤتمر المائدة المستديرة التي رفضها الجنوبيون.
وقد كان الغرض من ذلك النقد هو الإيحاء بأن الأحزاب الجنوبية كانت متعنّتةً عندما رفضت مقرّرات مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر، وقبلت نفس التوصيات في اتفاقية أديس أبابا.
كان الغرض أيضاً الأيحاء بأن الأحزاب الشمالية قد تعاملت مع مشكلة الجنوب بمسئولية وقدّمت نفس التنازلات التي قدمها نظام الرئيس جعفر نميري، لكن القيادات الجنوبية تعاملت معها بقدرٍ من التعنّت.
10
لكن ادعاء الأحزاب الشمالية هذا ليس صحيحاً، ولم يكن أميناً.
كان يجب أن لا تعني مسألة تسمية النظام السياسي الذي أرسته الاتفاقية – نظام فيدرالي أو حكم ذاتي إقليمي – شيئاً كبيراً بالنسبة للقيادات السياسية في الشمال أو الجنوب. كان المهم هو المضمون الذي أعطى الجنوبيين الحق في حكم إقليمهم بدون تدخّلٍ من المركز، أو بتدخّلٍ متوازنٍ في بعض الحالات، وتنمية ثقافاتهم ولغاتهم وأديانهم. كما أعطتهم الحق في المشاركة في حكم السودان ككل من خلال وزارات ووظائف أخرى في الخرطوم ذات مسئوليات.
وكما ذكرنا في المقال السابق، صحيحٌ أن الفيدرالية هي شكلٌ متقدمٌ من الحكم الذاتي. ولكن من نفس المنطلق فإن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى للفيدرالية. عليه فإن القول أن اتفاقية أديس أبابا لم تمنح الجنوب مطلبه بالفيدرالية غير دقيق وغير سليم.
11
وقد نجحت الاتفاقية في معالجة الأمور الخلافية الثلاثة في توصيات لجنة الاثني عشر بمعقوليةٍ لم يتوفر حتى الحد الأدنى منها خلال فترة عمل لجنة الاثني عشر، أو خلال الجدل الذي دار بعد ذلك في مؤتمر الأحزاب، وأيضا خلال فترة الحكم المدني الثانية.
تركت الاتفاقية الجنوب إقليماً واحداً كما طالب الجنوبيون، ولم يتم الإصرار على ثلاثة أقاليم كما فعل الشماليون في لجنة الاثني عشر، وبلا أسباب منطقية.
وحلّت الاتفاقية مسألة طريقة اختيار رئيس المجلس التنفيذي حلّاً وسطاً أعطى سلطة التعيين إلى رئيس الجمهورية بناءً على توصية مجلس الشعب الإقليمي، بدلاً من تعيينه بواسطة الحكومة المركزية كما أصرّ الشماليون في لجنة الاثني عشر. من الواضح أن دور رئيس الجمهورية هنا هو دور سياديٌ فقط، إذ لا يتوقّع أحد رفض رئيس الجمهورية لتوصية مجلس الشعب الإقليمي.
واتّبعت الاتفاقية نفس الحل الوسط في مسألة حفظ الأمن في الجنوب. فقد رفض الشماليون في لجنة الاثني عشر فكرة قيام وحدة عسكرية جنوبية للمساعدة في حفظ الأمن في الجنوب. كان البديل الذي قدمته اتفاقية أديس أبابا هو تكوين وحدة عسكرية مشتركة يتساوى في عددها الشماليون والجنوبيون، وتستوعب العناصر المسلحة من حركة تحرير جنوب السودان، وتسمّى القيادة الجنوبية. عليه فيصبح القول أن اتفاقية أديس أبابا هي توصيات لجنة الاثني عشر هو مغالطةٌ بلا معنى.
12
غير أن أهم ما قامت به اتفاقية أديس أبابا هو أنها تفاوضت مع حملة السلاح على عكس مفاوضات المائدة المستديرة التي تجاهلت تلك الحركات. بل ذهبت حكومة السيد محمد أحمد محجوب أبعد من هذا عندما أعطت إنذاراً للحركات الجنوبية المسلّحة بإلقاء سلاحها بلا مقابل، ووصفتها قادتها بالإرهابيين والعملاء. وقد حدث ما هو متوقّع، وتجاهلت الحركات ذلك الإنذار المتغطرس، وتصاعدت الحرب حتى خلال فترة انعقاد المؤتمر.
13
وبالنظرة المتكاملة إلى هذه الحلول الوسط للمسائل الخلافية لا بد للمرء أن يتساءل لماذا لم يقدّم مندوبو الأحزاب الشمالية في مؤتمر الأحزاب الذي ناقش توصيات لجنة الاثني عشر (المنبثقة عن مؤتمر المائدة المستديرة) أيّة مقترحاتٍ كان يمكن أن توصل الطرفين إلى حلٍّ وسط في الأمور الخلافية الثلاثة؟
يبدو أنه كان هناك تخوّفٌ لا مبرر له من أن إعطاء جنوب السودان قدراً كبيراً من الصلاحيات قد يمهد الطريق لانفصاله. كما كان هناك التعنّت الثابت والمتزايد تجاه قضية جنوب السودان، والتعامل باستخفافٍ وغطرسة مع مطالب الجانب الجنوبي.
وتشير بعض المصادر إلى أن الدكتور حسن الترابي مندوب الجبهة القومية الأسلامية في لجنة الاثني عشر أوضح أنه يفضل انفصال جنوب السودان على إبقاء المديريات الجنوبية الثلاثة إقليماً واحداً. وهذا دون شك رأيٌ مدهش!
الذي حدث هو العكس تماماً لموقف الأحزاب الشمالية. فقد مهد الرفض لفكرة الإقليم الواحد للجنوب بواسطة الأحزاب الشمالية إلى انهيار المفاوضات في لجنة الاثني عشر. كما أدى تقسيم الجنوب بواسطة الرئيس نميري إلى ثلاثة أقاليم (مع أسباب أخرى كما سنناقش لاحقا)، إلى اندلاع الحرب الأهلية الثانية، وإلى نتيجة الانفصال نفسها التي فضلها الدكتور الترابي على إبقاء المديريات الجنوبية الثلاثة إقليماً واحداً.
14
لكن رغم المزايا الإيجابية لاتفاقية أديس أبابا ووقفها لنزيف الدم في الجنوب، فقد قابلها الشعب السوداني بقدرٍ كبيرٍ من البرود وعدم المبالاة. فحكومة الرئيس جعفر نميري كانت قد استعدت قطاعاً كبيراً من الشعب السوداني بسبب التعامل الدموي العنيف مع أحداث الجزيرة أبا، ومع محاولة انقلاب الحزب الشيوعي، ومحاولات الانقلاب الأخرى التي تلته.
كانت قصص القصف العشوائي لمواطني الجزيرة أبا العُزّل، وتقارير إعدامات المدنيين والعسكريين المتهمين بالضلوع في محاولة انقلاب الحزب الشيوعي وانقلابي 1975 و 1976، بعد محاكماتٍ صوريةٍ عاجلة، أو حتى بدون محاكمات، وبعد تعذيبهم، أحداثاً تقشعرّ لها الأبدان ويرفضها الضمير الإنساني.
15
وتمحوّر الشعب السوداني في ثلاث فئات – جماهير حزب الأمة والحزب الشيوعي والمتعاطفين معهم الذين قرروا العداء التام للنظام – كلٌ بطريقته – وكانت تضمر النية لإسقاطه بكل الوسائل. مثّلت الفئةَ الثانية مجموعاتٌ كبيرة من الشعب السوداني أصابها الاشمئزاز مما كان يحدث في الساحة السياسة من محاولات انقلاب وما يصاحبها ويليها من قتلٍ ومحاكمات صورية واعدامات على يد حكومة الرئيس نميري والعسكريين وحزبه الوحيد في الساحة، ومن الفشل المتواصلٍ للأحزاب السياسية، فنأت بنفسها عن تلك الساحة ولم تعد تشغل نفسها بما يجري هناك.
بقيت المجموعة الصغيرة التي انخرطت في النظام واتحاده الاشتراكي وأصبحت أمن النظام وعينه الساهرة لحمايته، والتي وصف الشعب السوداني معظم أعضائها بالانتهازية وبإرهابه من خلال الاعتقالات التعسفية والاستجوابات الطويلة والفصل من الخدمة أو الدراسة للمتهمين بمعارضة النظام، وأصبح شقها الأمني المهاب عبئا ثقيلاً على الحكومة نفسها.
16
كان هناك الرأي الذي وجد قبولاً بين أعداد كبيرة من السودانيين الشماليين أن الرئيس جعفر نميري عقد اتفاقية أديس أبابا ليس حبّاً في السلام أو حلّ مشكلة الجنوب، وانما كان يبحث عن حليفٍ جديد بعد أن فقد سند جماهير اليسار التي تنتمي أو تتعاطف مع الحزب الشيوعي والتي ساعدته في انقلابه، وكسب عداء جماهير الأنصار الغاضبة لغزو جزيرتهم وقتل إمامهم وقصف نسائهم وأطفالهم.
ويجادل أصحاب هذا الرأي أن الرئيس نميري في حقيقة الأمر غسل يديه من الاتفاقية عندما تصالح عام 1977 مع المجموعات الحزبية اليمينية الدينية ممثلةً في الأحزاب الثلاثة – الأمة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي – التي كانت قد أنشأت تحالفاً من أجل إسقاط النظام تحت مسمى “الجبهة الوطنية”.
وقد تبنّى هذا الرأي أيضاً عددٌ من المتعلمين والسياسيين الجنوبين، خصوصاً بعد المصالحة الوطنية عام 1977، واشتراك أحزابها في حكومة نميري، وبداية تراجع النميري عن اتفاقية أديس أبابا. جادلت هذه المجموعة الجنوبية أيضاً أن غرض نميري من اتفاقية أديس أبابا كان بغرض الحصول على حليفٍ جديد في مواجهة تحالف أحزاب الشمال ضده، وأنه حال تصالحه مع عددٍ من أحزاب الشمال، بدأ النميري في غسل يديه من اتفاقية أديس أبابا.
17
لا بد من التوضيح والتأكيد أنه كان لهذه الأحزاب الدينية الثلاثة (الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية) رأيٌ سلبيٌ في اتفاقية أديس أبابا منذ البداية. فقد قررت هذه الأحزاب أن الاتفاقية عقبةٌ أمام برنامجها الإسلامي العربي المركزي للسودان.
وقد حاولت هذه الأحزاب منذ قيام انقلاب 25 مايو عام 1969 إبراز كل فترة حكم نميري بالفشل، قادحةً بهذا النقد في اتفاقية أديس أبابا وإمكانية ذلك النظام في إنجاز أي شيء إيجابي.
وواصلت تلك الأحزاب ادعاءها أن استعادة الديمقراطية هو هدفها الأساسي، ولا صوت يعلو (بما في ذلك اتفاقية أديس أبابا) فوق صوت تلك المعركة.
18
غير أن هذه الأحزاب عادت وتناست مسألة استعادة الديمقراطية والحريات وتصالحت مع نظام الرئيس نميري عام 1977 بعد فشل محاولاتها العسكرية إقصاء نظامه بالقوة في سبتمبر عام 1975، ثم في يوليو عام 1976.
كانت المحاولة الأولى حركة انقلابية قادها العميد حسن حسين وباءت بالفشل، وتبعتها محاكماتٌ صورية وإعدامات. وكانت الثانية عملاً مسلّحاً قامت به الأحزاب الثلاثة من خارج السودان وقاده العميد محمد نور سعد، وفشل أيضاً بعد حماماتٍ من الدم والقتل والإعدامات.
كان من الواضح أن الأحزاب الثلاث قد اقتنعت بعد هاتين المحاولتين بعدم قدرتها على إقصاء نظام النميري بالقوة، فرأت أن تتصالح معه على أمل الهيمنة على النظام واحتوائه من الداخل.
19
تطبيقاً لاتفاق المصالحة الوطنية في عام 1977 شاركت أحزاب الجبهة الوطنية الثلاثة في الحكومة والاتحاد الاشتراكي ومجلس الشعب. أصبح السيد الصادق المهدي والسيد أحمد الميرغني عضوين في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، وأدّيا قسم الولاء والطاعة لنظام تحالف قوى الشعب العاملة. وأصبح الدكتور حسن الترابي وزيراً للعدل والحارس القانوني لنظام نميري، والعين الساهرة على بقائه وتعقّب أعدائه، من بقايا قبائل اليسار، والبطش بهم.
وآلت إلى هذه الأحزاب مجموعةٌ من الوزارات والوظائف القيادية فبدأت في استعمال نفوذها الجديد لتقويض النظام من داخله، بما في ذلك اتفاقية أديس أبابا، بهدف استلامه. واختفت مسألة استعادة الديمقراطية والحريات الأساسية من برامج أحزاب الجبهة الوطنية الثلاثة.
وكنتيجةٍ لهذه المصالحة، والتحالف الجديد مع الفكر العربي الإسلامي المركزي فقد بدأت قناعات نميري عن اتفاقية أديس أبابا وعلاقاته مع الحركات والأحزاب الجنوبية في الاهتزاز.
20
فبعد أشهرٍ قليلةٍ من المصالحة الوطنية مع الأحزاب الدينية الثلاثة، وبضع سنواتٍ من اتفاقية أديس أبابا لعام 1972، قرّر الرئيس جعفر نميري ألا يكون استثناءً لمن سبقه من السياسيين الشماليين – مدنيين كانوا أم عسكريين –، وأن ينقض اتفاقه وعهوده مع جنوب السودان، ويهدر في غطرسةٍ وعنجهيةٍ وإصرار إنجازه الذي كان سيميّزه إلى الأبد عن بقية السياسيين الشماليين، عسكريين ومدنيين، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
- محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
Salmanmasalman@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم