مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (6)

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (6 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
تتبّعنا في المقالات الخمسة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951. انتقلنا بعد ذلك لانتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكّده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام.، وأشرنا إلى تجاهل ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية.
أوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، والتي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
2
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار البرلمان في 19 ديسمبر 1955، والخاص باستقلال السودان والذي تضمّن الوعد بأن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية القادمة.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان. بذلك القرار المتغطرس الخاطئ تم نسفُ أمل وطموح الجنوبيين لنيل النظام الفيدرالي، ورفعُ سقف مطالبهم.
ناقشنا بعد ذلك انقلاب 17 نوفمبر الذي نتج عن توجيه السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء للفريق عبود لاستلام السلطة. وقد تناولنا ببعض التفصيل السياسات الرعناء التي اتبعها الفريق عبود وصحبه لحل قضية الجنوب – التصعيد العسكري القاسي الحاد، وسياسات أسلمة وتعريب الجنوب بالقوة، بغرض دمج الجنوب ثقافياً في الشمال. أوضحنا أن مصير تلك السياسات الهوجاء كان الفشل التام والذي قاد بدوره إلى اندلاع ثورة أكتوبر وسقوط نظام الفريق عبود.
3
اتفّق قادةُ الأحزاب والنقابات والاتحادات التي قادت ثورة أكتوبر، والتي سمّت نفسها “جبهة الهيئات”، على وثيقةٍ سموها “الميثاق الوطني” يوم 27 أكتوبر عام 1964. تضمّن الميثاق خارطة طريق لعودة الديمقراطية، شملت الغاء الأحكام العرفية وعودة جميع الحريات التي صادرها نظام الفريق عبود.
تمّ الاتفاق أيضاً على العودة لدستور السودان المؤقت لعام 1956، والذي كان قد انبنى على إعادة صياغة بعض مواد قانون الحكم الذاتي لعام 1953 على عجلٍ في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر عام 1955، وتمّت تسمية الدستور الجديد “دستور السودان المؤقت لعام 1964.”
تشكّلت يوم 30 أكتوبر عام 1964، أي بعد عشرة أيامٍ من اندلاع الثورة، حكومةٌ عريضةٌ من ممثلي منظمات جبهة الهيئات برئاسة السيد سر الختم الخليفة. لم يكن للسيد سر الختم الخليفة دورٌ في قيادة ثورة أكتوبر. وقد تمّ اختياره بصفته المهنيّة فقط، والتي ظلّ يتولاها حتى لحظة اختياره رئيساً للوزراء. وكما ذكرنا في المقال السابق، فقد قام الفريق عبود بتعيين السيد سر الختم الخليفة عضواً في اللجنة التي شكّلتها الحكومة في أغسطس عام 1964 لدراسة قضية الجنوب، ربما لأنه عمل لفترةٍ من الزمن في جنوب السودان.
4
لم تشمل قائمةُ الموقّعين على الميثاق الوطني (والتي تضمّنت 28 من القيادات الحزبية والنقابية) قيادياً واحداً من جنوب السودان. ولكن لا يبدو أن أحداً من القيادات الشمالية قد فطن إلى ذلك الخلل، لأنه تناسق مع التجاهلات الكثيرة السابقة لأبناء الجنوب منذ مفاوضات القاهرة في عام 1952 والتي قادت إلى توقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953
كما أن الميثاق الوطني نفسه لم يتضمّن أيّة فقرةٍ عن مشكلة الجنوب، رغم الاعتقاد الكبير والعام (الخاطئ) بشمولية القضايا التي تناولها الميثاق. فلأن مشكلة الجنوب كانت السبب الرئيسي لثورة أكتوبر، فمن الضروري أن يكون الميثاق الوطني، كما تصوّر الكثيرون، قد تناول تلك المشكلة، حتى لو لم يتعرّض لها في حقيقة الأمر.
5
غير أن الحكومة الجديدة، برئاسة السيد سر الختم الخليفة، شملت ثلاثة وزراء جنوبيين، منهم السيد كلمنت أمبورو الذي تسلّم مهام وزارة الداخلية. كانت تلك أول مرّة في تاريخ السودان يتولى فيها سياسيٌ جنوبيٌ مهام وزارة سيادية منذ تشكيل أول وزارة وطنية في السودان عام 1954.
فقد ابتدع السيد إسماعيل الأزهري عام 1954 في أول مجلس وزراء مناصب وزراء دولة بلا أعباء للجنوبيين، كما أوضحنا من قبل. وبعد عامٍ قام بمنِح الجنوبيين وزاراتٍ من الدرجة الثانية مثل المخازن والمهمات، والنقل الميكانيكي، ثم تمّت ترقيتهم إلى وزارة الثروة الحيوانية.
وكما ذكرنا من قبل، فقد شارك السيد كلمنت أمبورو في مؤتمر جوبا عام 1947، ولعب دوراً إيجابياً كبيراً في نجاح المؤتمر.
بالاضافة إلى السيد كلمنت أمبورو، شملت الوزارة السيد أزبوني منديري وزيراً للمواصلات، والسيد هيلري لوقالي وزيراً للأشغال. وكان السيد أزبوني منديري قد قضى عدّة سنواتٍ في السجن بعد إدانته بتهمة المطالبة بالنظام الفيدرالي بواسطة حكومة الفريق عبود، وتم الإفراج عنه بعد نجاح ثورة أكتوبر.
6
تمّت إعادة مجلس السيادة بموجب دستور السودان الجديد المؤقت لعام 1964 كرأسٍ للدولة، ومثّل السيد لويجي أدوك الجنوب فيه. وكان الفريق إبراهيم عبود قد شغل منصب رأس الدولة لفترةٍ قصيرة بعد سقوط نظامه في أكتوبر عام 1964، بناءً على طلب جبهة الهيئات، حتى يتم الاتفاق على دستور عام 1964، والتوافق على أعضاء مجلس السيادة الجديد.
عليه فقد تمّ إبعاد الفريق عبود من منصب رأس الدولة في 14 نوفمبر عام 1964 حال الاتفاق على الشخصيات التي سيشملها مجلس السيادة، رغم عرض المسألة كاستقالةٍ من الفريق عبود نفسه.
تشكّل مجلس السيادة في 14 نوفمبر عام 1964، بعد دقائق من إعلان “استقالة” الفريق عبود كرأسٍ للدولة. شمل المجلس السادة الدكتور التيجاني الماحي، الدكتور مبارك الفاضل شداد، عبدالحليم محمد، إبراهيم يوسف سليمان، ولويجي أدوك. وقد ظلّت تلك المجموعة في عضوية المجلس حتى قيام الانتخابات وإعادة تشكيل المجلس في يونيو عام 1965، كما سنناقش في مقالٍ لاحق.
7
كما ذكرنا أعلاه لم تشمل جبهة الهيئات أي عضوٍ من جنوب السودان، رغم أن السبب الرئيسي لاندلاع ثورة أكتوبر كان قضية الجنوب، وأن الحل السلمي لها كان المطلب الرئيسي للثوار.
كان يمكن، بل في حقيقة الأمر كان يجب على جبهة الهيئات، تمثيل الجنوبيين في عضويتها. وكان من الضروري أن يكون واحداً على الأقل من هؤلاء القادة الأربعة (السادة كلمنت أمبورو، أزبوني منديري، هيلري لوقالي، أو لويجي أدوك) أحد الموقعين على الميثاق الوطني. كان ذلك الوضع سيعكس أهمية تمثيل جنوب السودان، ويؤكّد حقيقة أن السبب الرئيسي لاندلاع ثورة أكتوبر كان حرب الجنوب، ويضع حلَّ المشكلة على رأس قائمة الأسبقيات.
8
رغم ذلك الإغفال الكبير في الميثاق الوطني، فقد أعلنت الحكومة الجديدة أن من أوائل مهامها الوصول إلى حلٍّ لمشكلة الجنوب، كما طالبت جماهير الشعب السوداني التي أشعلت الثورة. وقد أرسل ذلك الإعلان، وتعيين السادة كلمنت أمبورو، وأزبوني منديري، وهيلري لوقالي كوزراء، رسالةً إيجابيةً إلى القادة السياسيين الجنوبيين، وقرّر عددٌ منهم التجاوب معها.
9
أرسل رئيس حزب سانو، السيد ويليام دينق الذي كان يقيم في المنفى في مدينة ليوبولدفيل (كينشاسا لاحقاً) في جمهورية الكونغو الديمقراطية، رسالةً إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس الوزراء في الثامن من شهر نوفمبر عام 1964 يهنئه والشعب السوداني فيها بنجاح ثورة أكتوبر وتبنّي الحل السلمي لمشكلة الجنوب.
اقترحت الرسالة عقد مؤتمر مائدة مستديرة يضم كافة الأحزاب السياسية السودانية وممثلين للنقابات والاتحادات لمناقشة الخطوط العامة للعلاقات الدستورية بين الشمال والجنوب.
طالبت الرسالة كشرطٍ لعقد المؤتمر العفو غير المشروط عن جميع اللاجئين، والاعتراف بحزب سانو كحزبٍ سياسي يحقُّ له أن يشترك في الانتخابات التي تقرّر أن تُقام في شهر مارس عام 1965 على أساس برنامجه المتمثّل في الحكم الفيدرالي.
طالبت الرسالة أيضاً برفع حالة الطوارئ في الجنوب، ودعوة ممثلين لمنظمة الوحدة الأفريقية والدول المجاورة ومنظمة الأمم المتحدة لحضور المؤتمر بصفة مراقبين ومستشارين.
10
تطرّقت الرسالة للعلاقة التاريخية بين الشمال والجنوب والوعود التي لم يفِ بها الشمال ومرارات الحرب الأهلية، ونادت الرسالة بالتسليم بأن السودان دولةٌ أفريقيةٌ عربيةٌ لها شخصيتان وثقافتان متمايزتان، لكن يمكن أن يتعايشا في سلامٍ تحت مظلة النظام الفيدرالي. دعونا نتوقّف لحظةً عند هذه الفقرة الوطنية الرائعة من رسالة حزب سانو التي دعتْ إلى:
“التسليم بأن السودان دولةٌ أفريقيةٌ عربيةٌ، لها شخصيتان متمايزتان وثقافتان ومزاجان، احداهما زنجية والأخرى عربية، وذلك أمرٌ لا يرتبط بأي شكلٍ بموضوع الدين واللغة. فلن يستطيع الإسلام أو المسيحية أن يوحّد السودان، ولن تستطيع ذلك اللغة العربية، وهي أمورٌ حدثت مبالغة في أهميتها في السنوات الأخيرة.
فالوحدة في نطاق التعددية هي الحلُّ لمشكلة الجنوب. وهو الحلُّ الذي يمكن أن يتجسّد في دستورٍ فيدرالي. وإن كفاح الجنوب الذي يغلب عليه الطابع السياسي يشمل الجنوبيين على اختلاف معتقداتهم: مسيحيين ووثنيين وغيرهم.
ولا يجب أن نخشى الوحدة الفيدرالية التي ساعدت على إبقاء الوحدة بين الشعوب المختلفة في مناطق كثيرة في العالم. وأكبر دولتين في العالم اليوم هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تقومان على أساسٍ فيدرالي. ولدينا في أفريقيا مثال نيجيريا.
أما اللجوء إلى السيطرة على الجنوب بالقوة واستخدام الأساليب الاستعمارية البالية في التسويف والاحتواء فهي أضمن سبيل لتحطيم وحدة الوطن.”
11
وكما قد يلاحظ القارئ، فهذه الفقرات من رسالة السيد ويليام دينق في 8 نوفمبر عام 1964 هي في مضمونها نفس الفقرات من الرسالة التي وجّهها الأب سترنينو لوهوري رئيس كتلة النواب الجنوبيين للبرلمان السوداني في 19 يونيو عام 1958 (قبل ستِّ سنوات)، والتي ضمّناها في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات. وكلا الرسالتين تفيض وطنيةً وحلماً بحلٍ سلميٍ فيدراليٍ لقضية الجنوب، تحت مظلة وحدة البلاد.
12
وقد أرسل حزب سانو صورةً من تلك الرسالة إلى جميع الأحزاب السودانية، وإلى نائب مدير جامعة الخرطوم وإلى اتحاد طلابها أيضا (كاعترافٍ بدور الجامعة في ثورة أكتوبر ومناداتها بالحل السلمي لقضية الجنوب).
كما تم إرسال صورة من الرسالة إلى كافة الدول الأفريقية والسكرتير العام لمنطمة الوحدة الأفريقية، وإلى سكرتير عام الأمم المتحدة في نيويورك، ومندوب الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في جنيف، ولجنة الحقوقيين الدولية في جنيف، ورئيس القسم الخاص بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في نيويورك.
13
أرغمت تلك النغمةُ التصالحية والإيجابية من حزب سانو الحكومةَ السودانية الجديدة على التجاوب مع مضمون الرسالة. فقد قام السيد رئيس الوزراء بالردِّ عليها بعد مشاوراتٍ موسعةٍ ومطولةٍ مع قيادات الأحزاب. تضمّن ردّ السيد رئيس الوزراء الترحيب وقبول مقترح مؤتمر المائدة المستديرة، والموافقة على إصدار العفو غير المشروط لكل من حمل السلاح في جنوب السودان.
ولكن رسالة رئيس الوزراء تعثّرت وارتبكت في مقترح النظام الفيدرالي، واقترحت ترك مناقشة النظام الفيدرالي خلال المؤتمر نفسه. لا بد من ملاحظة أن نفس هذا التعثّر واجه رسالة الدكتور جون قرنق إلى الدكتور الجزولي دفع الله بعد نجاح انتفاضة أبريل عام 1985، والتي طالب فيها الدكتور قرنق بإلغاء قوانين سبتمبر. فقد كان رد الدكتور الجزولي دفع الله أن تلك المسألة يجب تركها للمؤتمر الدستوري نفسه، كما ناقشنا في السلسلة الأولى من هذه المقالات.
14
برزت بعد مكاتباتٍ أخرى بين الطرفين خلافاتٌ في مسألتين، الأولى تتعلّق بمكان عقد المؤتمر والذي رأت الأحزاب الجنوبية عقده خارج السودان بينما رأت حكومة السودان عقده داخل السودان.
وقد نظرت الحكومة في مقترح عقد المؤتمر في مدينة جوبا كحلٍ وسط وكرسالةٍ إيجابيةٍ لأبناء الجنوب. غير أن الحكومة صرفت النظر عن هذا المقترح بسرعة، بسبب تخوفاتها السياسية عما قد ترسله تلك الرسالة، وبسبب الوضع الأمني في الجنوب وقتها.
كان الخلاف الثاني يتعلّق بالمراقبين الأجانب الذين أصرّت عليهم الأحزاب الجنوبية، ولم تتحمّس الحكومة السودانية للمقترح خوف أن يفتح وجود مراقبين أجانب باب التدخّل الأجنبي في مشاكل السودان الداخلية.
وكحلٍ وسط اتفق الطرفان على عقد المؤتمر في الخرطوم ودعوة سبع حكوماتٍ أفريقيا، شملت كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجريا وغانا والجزائر لإرسال مراقبين للمؤتمر.
15
بينما كانت الاستعدادات تجري على قدمٍ وساق لعقد مؤتمر المائدة المستديرة أبى تاريخ السودان التعيس المضطرب إلّا أن يحدث ما يُعكّر الجو السياسي بين الشمال والجنوب.
فقد ذهب آلاف الجنوبيين إلى مطار الخرطوم لاستقبال وزير الداخلية السيد كلمنت أمبورو الذي كان عائداً من زيارةٍ لجنوب السودان في صباح يوم الأحد 6 ديسمبر عام 1964.
تأخّرت الطائرة لعدة ساعات، ويبدو أن المستقبلين الجنوبيين لم يتلقّوا إيضاحاً لأسباب تأخّر الطائرة، وظنوا أن هناك مشكلةً، أو أن مكروهاً ما قد حلّ بقائدهم. حدث هرجٌ ومرجٌ داخل المطار وانتقل بسرعة البرق خارج المطار، وامتد بعد ساعاتٍ لعدّة مناطق في العاصمة الخرطوم. هاجم المتظاهرون الممتلكات العامة التي أصاب بعضها خسائر كبيرة.
أمرت الحكومة بالتعامل مع الاضطرابات بحزمٍ وحسم، واعتقلت أعداداً كبيرة من الجنوبيين وحجزتهم لأيام في أحد ملاعب كرة القدم في الخرطوم تحت ظروفٍ سيئةِ.
عاد السيد كلمنت أمبورو للخرطوم سالماً وتمّ إطلاق سراح المعتقلين. لكن هذه الحادثة والتي سُمّيت “الأحد الأسود” تركت آثارها السالبة على العلاقات الشمالية الجنوبية، وأصبحت مصدر تخوفٍ، وحتى نذير شؤمٍ، لما هو آتٍ لدى بعض المراقبين لمؤتمر المائدة المستديرة.
16
كما أن حكومة السيد سر الختم الخليفة التي تشكلّت في نهاية شهر أكتوبر عام 1964 تعرّضت لضغوطٍ سياسيةٍ كبيرة من تكتّلٍ جديد أنشأه الحزبان الرئيسيان (الأمة والوطني الاتحادي) مع جبهة الميثاق الإسلامي، واضطرت للاستقالة في 18 فبراير عام 1965، بعد أقل من أربعة أشهرٍ من استلامها السلطة.
ومضى قرابة الأسبوع قبل أن تتشكّل حكومةٌ جديدة، كان صوت ووجود التكتّل الجديد فيها عالياً وواضحاً، وانكمش كثيراً وجود ودور جبهة الهيئات. لم يكن ذلك التطور مؤشّراً إيجابياً للوضع السياسي، وللتطورات التي تلته، ولمؤتمر المائدة المستديرة المرتقب.
17
بعد خمسة أشهرٍ من ثورة أكتوبر، وأربعة أشهر من مبادرة حزب سانو، وثلاثة أشهر من حادثة الأحد الأسود، وأقل من شهرٍ من تشكيل حكومة السيد سر الختم الخليفة الثانية، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة. بدأ المؤتمر يوم 16مارس عام 1965 واستمر لمدة أربعة عشر يوماً حتى يوم 29 من الشهر نفسه.
تمّ الاتفاق على أن يُمثّل كل حزبٍ من الشمال (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والشيوعي، وجبهة الميثاق الإسلامي)، وجبهة الهيئات، بثلاثة أعضاء، بينما يُمثّل حزب سانو بتسعة أعضاء، وجبهة الجنوب بتسعة أعضاء (ثمانية عشر عضو لكلٍ من الشمال والجنوب).
غير أن الأحزاب الشمالية أصرّت على تمثيل مجموعةٍ ثالثةٍ من الجنوبيين الذين بقوا في السودان ليمثلوا الآراء الأخرى للجنوبيين، وهم من تمّ تسميتهم “جنوبيي الداخل”، ممن كانت لهم علاقة وطيدة بالحزبين الكبيرين، بتسعة أعضاء أيضاً تختارهم الحكومة. كانت خطة وتوقّعات الأحزاب الشمالية أن يرجّح جنوبيو الداخل كفّة المشاركين في مؤتمر المائدة المستديرة لصالحهم.
18
قاد وفد كلِ حزبٍ من أحزاب الشمال الرئيس أو الأمين العام للحزب (حزب الأمة السيد الصادق المهدي، والوطني الاتحادي السيد إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي السيد علي عبدالرحمن، والحزب الشيوعي السيد عبد الخالق محجوب، وجبهة الميثاق الإسلامي الدكتور حسن الترابي، وجبهة الهيئات سيد عبد الله السيد). وشارك في المؤتمر أيضاً مراقبون من كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجريا وغانا والجزائر، تفاوتت رتبهم من وزراء إلى سفراء.
تمّ اختيار البروفيسور النذير دفع الله (الذي كان وقتها مديراً لجامعة الخرطوم) رئيساً للمؤتمر، وعاونته سكرتارية شملت السادة محمد عمر بشير، وعبد الرحمن عبد الله، ويوسف محمد علي.
يُلاحظ أن رئاسة وسكرتارية المؤتمر كانت كلها من الشماليين، ولم يكن بينهم جنوبيٌ واحد. لا بد أن يكون هذا التجاهل قد خلّف آثاره السلبية في نفوس الجنوبيين، وأوضح عدم التكافوء والثقة بهم. ماذا كان سيضير الأحزاب الشمالية لو أضافت أحد أبناء الجنوب لسكرتارية المؤتمر؟ من المؤكّد أن ذلك كان سيرسل رسالةً إيجابية ليس فقط لأبناء الجنوب، بل حتى للمراقبين، ويشير إلى جدية الحكومة الجديدة في حلِّ قضية الجنوب.
لا بد من إضافة أن الوفود الجنوبية كانت قد اقترحت أن يرأس المؤتمر شخصان، أحدهما شمالي والآخر جنوبي. غير أن الأحزاب الشمالية رفضت ذلك المقترح، بل وسخرت منه بأنه لم يحدث إطلاقاً أن رأس مؤتمراً شخصان. وهذا بالطبع ليس صحيحاً، فهناك سوابق كثيرة لمؤتمراتٍ رأسها ويرأسها، شخصان (فكرة الرئيس المناوب، أو حتى نائب الرئيس).
19
كما يُلاحظ أن وفود الأحزاب الشمالية الخمس لم تشتمل على جنوبيٍ واحد رغم ادعاء هذه الأحزاب أنها قومية التكوين. وقد ذكر قادة هذه الأحزاب أثناء محادثات القاهرة، والتي أدّت إلى توقيع اتفاقية الحكم الذاتي عام 1953، أنهم يمثّلون كل السودان، رغم عدم وجود جنوبيٍ واحد في وفد التفاوض في القاهرة.
وكما ذكرنا أعلاه، حاولت هذه الأحزاب تمثيل الجنوبيين الذين اعتقدت في تعاطفهم مع الأحزاب الشمالية من خلال تكوين وفدٍ جنوبي آخر ليمثل وجهات النظر الأخرى (كما اعتقدت الأحزاب الشمالية في سذاجةٍ كبيرة)، أو ما عُرِف “بجنوبيي الداخل”، كما ذكرنا أعلاه، لكن تلك المحاولة ارتدت على الأحزاب الشمالية كما سنناقش لاحقاً.
20
ساد التوتّر منذ البداية على المؤتمرين، وامتدّ هذا التوتر إلى ممثلي الحزبين الجنوبيين والمجموعة الثالثة. وبرز الخلاف بين مجموعتي سانو – تلك التي قرّرت العودة للسودان وتسجيل الحزب والعمل من الداخل بقيادة السيد ويليام دينق، والمجموعة التي قرّرت البقاء في المنفى والعمل من الخارج بقيادة السيد أقري جادين. وقد ادّعى كل من الجناحين أنه الممثّل الشرعي لحزب سانو في البداية، ولكن تمّ الاتفاق قبل البدء الرسمي للمؤتمر بدمج الوفدين.
وقد حدث جدلٌ في وجود ممثلي جنوبيي الداخل في المؤتمر الذين أصرّت عليهم الأحزاب الشمالية بحكم علاقتها بهم وتوقعاتها منهم، بينما رفض حزب سانو وجبهة الجنوب تمثيلهم في المؤتمر. ولكنّ هذه المسألة حسمت نفسها عندما أعلن هؤلاء الممثلون انضمامهم لوفد حزب سانو، مما سبّب حرجاً كبيراً لممثلي الأحزاب الشمالية (وانهيار سياسة فرّق تسدْ بتلك السرعة). وقد ألقى ذلك القرار المفاجئ والمدهش بظلاله على المؤتمر والمؤتمرين والمراقبين.
21
سوف ننتقل في المقال القادم، وهو السابع في هذه السلسلة من المقالات، إلى جلسات مؤتمر المائدة المستديرة. وسنوضّح كيف انتهى المؤتمر بعد أسبوعين بالفشل بعد رفض الأحزاب الشمالية مجتمعةً، وبدون استثناء، لمطلب الفيدرالية الذي تقدم به حزب سانو ورئيسه السيد ويليام دينق في رسالته للسيد سر الختم الخليفة، وفي كلمته في المؤتمر، والتي كانت إعادةً لرسالته تلك.


  • محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
    Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …