مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (7)

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (7 – 12)
د. سلمان محمد أحمد سلمان*
1
تتبّعنا في المقالات الستة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951.انتقلنا بعد ذلك إلى انتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكّده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام. وأشرنا إلى تجاهل ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية. وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
2
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار البرلمان في 19 ديسمبر 1955، والخاص باستقلال السودان والذي تضّمن الوعد بأن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية القادمة.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أفاد بأن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
ناقشنا بعد ذلك انقلاب 17 نوفمبر الذي نتج عن توجيه السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء وقتها للفريق إبراهيم عبود باستلام السلطة. وقد تناولنا ببعض التفصيل السياسات الرعناء التي اتبعها الفريق عبود وصحبه لحل قضية الجنوب – التصعيد العسكري القاسي الحاد، وأسلمة وتعريب الجنوب بالقوة بغرض دمج الجنوب في الشمال ثقافياً. أوضحنا أن مصير تلك السياسات الهوجاء كان الفشل التام والذي قاد بدوره إلى اندلاع ثورة أكتوبر وسقوط نظام الفريق عبود.
تابعنا بعد ذلك رسالة السيد ويليام دينق رئيس حزب سانو للسيد سر الختم الخليفة والتي اقترح فيها حزب سانو عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة قضية الجنوب، وتعرضنا للتطورات التي قادت إلى الاتفاق على عقد المؤتمر
سنواصل في هذا المقال نقاش ما دار في المؤتمر وما تمخّض عنه من تواصلٍ لرفض السياسيين الشماليين القاطع لمطلب الفيدرالية، وارتفاع سقف مطالب السياسيين والحركات المسلحة الجنوبية بسبب ذلك الرفض المتغطرس.
3
كما ذكرنا في المقال السابق، فبعد خمسة أشهرٍ من ثورة أكتوبر، وأربعة أشهرٍ من مبادرة حزب سانو، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة. بدأ المؤتمر يوم 16مارس عام 1965 واستمر لمدة أربعة عشر يوماً حتى يوم 29 من الشهر نفسه.
تمّ تمثل كل حزبٍ من الشمال (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والشيوعي، وجبهة الميثاق الإسلامي)، وجبهة الهيئات بثلاثة أعضاء، بينما تم تمثيل حزب سانو بتسعة أعضاء، وجبهة الجنوب بتسعة أعضاء. وقد انضم جنوبيو الداخل الذين اقترحتهم الأحزاب الشمالية، واعتقدت أنهم سيقفون معها، إلى ممثلي حزب سانو، مما تسبب في حرجٍ كبيرٍ للأحزاب الشمالية. فقد انهارت سياسة “فرّقْ تسدْ” حتى قبل أن يبدأ المؤتمر.
قاد وفد كل حزبٍ من أحزاب الشمال الرئيس أو الأمين العام للحزب (حزب الأمة السيد الصادق المهدي، والوطني الاتحادي السيد إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي السيد علي عبدالرحمن، والحزب الشيوعي السيد عبد الخالق محجوب، وجبهة الميثاق الإسلامي الدكتور حسن الترابي، وجبهة الهيئات سيد عبد الله السيد). وشارك في المؤتمر أيضاً مراقبون من كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجيريا وغانا والجزائر، تفاوتت رتبهم من وزراء إلى سفراء.
4
ألقى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء الحكومة كلمة افتتاح المؤتمر وتحدث عن الخلافات بين شطري البلاد والتخلّف الاقتصادي في الجنوب، ولكنه عزا كل تلك المشاكل للاستعمار الإنجليزي وسياسة المناطق المقفولة،
وتحدّث أيضاً عما أسماه الحملة الجائرة حول تجارة الرقيق، وأشار إلى أن ذلك النشاط المخجل قد عتّم تاريخ العنصر البشري في كل العالم، وليس في السودان فقط.
نادى السيد سر الختم الخليفة بروحٍ جديدة لحل مشكلة الجنوب وإنهاء الحرب والبدء في بناء السودان. غير أنه أشار إلى أن الخارجين على القانون لم يبادلوا الحكومة حسن النية التي وفّرتها بالعفو العام، الذي أعلن المناداة بوقف العنف، مما جعل الجكومة تقوم بواجبها نحو حفظ الأمن لحماية المصالح القومية.
كانت فاتحةُ المؤتمر تلك كلمةً غير موفقةٍ على الإطلاق. بل إنها كانت الشرارة الأولى للنار التي التهمت المؤتمر بعد أسابيع قليلة، كما سنرى بعد قليل.
5
أعاد السيد ويليام دينق في كلمته الحجج التي ساقها في رسالته للسيد سر الختم الخليفة للمطالبة بالنظام الفيدرالي الذي يمكن بالإرادة السياسية تعايش طرفي البلاد تحت مظلته. وأشار إلى أن النظام الفيدرالي كفيلٌ باستيعاب التباينات العرقية والدينية واللغوية والثقافية بين الشعبين.
وكرر أطروحته أن الوحدة في نطاق التعددية هي الحلُّ لمشكلة الجنوب. وهو الحلُّ الذي يمكن أن يتجسّد في دستورٍ فيدرالي. وأوضح أن كفاح الجنوب الذي يغلب عليه الطابع السياسي، يشمل الجنوبيين على اختلاف معتقداتهم: مسيحيين ووثنيين وغيرهم.
وأعاد السيد ويليام دينق ما ذكره في رسالته من أنه يجب أن لا نخشى الفيدرالية التي ساعدت على إبقاء الوحدة بين الشعوب المختلفة في مناطق كثيرة في العالم، وأن أكبر دولتين في العالم اليوم هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تقومان على أساس فيدرالي. وأشار إلى دولة نيجيريا كمثالٍ للنظام الفيدرالي الناجح في أفريقيا.
وختم رسالته بالتحذير أن اللجوء إلى السيطرة على الجنوب بالقوة واستخدام الأساليب الاستعمارية البالية في التسويف والاحتواء هي أضمن سبيل لتحطيم وحدة الوطن.
كانت تلك الكلمة هي تكراراً لكلمة الأب سترنينو لوهوري في البرلمان السوداني في يونيو 1958، والتي أشرنا إليها في فاتحة مقالات هذه السلسلة، وحمل نفس النبوأة التي تحققت بعد أربعين عام.
6
غير أن ممثلي الأحزاب الخمسة الشمالية، جميعها (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والجبهة الإسلامية، والشيوعي)، وبلا استثناء، وكذلك جبهة الهيئات، اتبعوا طريقاً مختلفاً.
فقد أكدوا جميعهم في كلماتهم رفضهم التام لكل ما يمكن أن يقسّم السودان، بما في ذلك حق تقرير المصير، أو النظام الفيدرالي، وأعلنوا إصرارهم التام على وحدة السودان.
وقد أوضحوا أسباب رفضهم للنظام الفيدرالي الذي تبنّاه السيد ويليام دينق بأنه يمثل في نظرهم الخطوة الأولى نحو الانفصال. ونقتبس أدناه جزءاً من الورقة المشتركة التي قدّمتها الأحزاب الخمسة لمؤتمر المائدة المستديرة بعنوان ” مشروع الأحزاب الشمالية لحلِّ مسألة الجنوب”، والتي تم توزيعها على المؤتمرين قبل الافتتاح الرسمي للمؤتمر:
“يشعر السودانيون خاصةً في الشمال أن الوضع الفيدرالي ما هو إلّا خطوةٌ نحو الانفصال لأنه درجةٌ بعيدة المدى نحو تلاشي الحكومة المركزية، ولأنه نظامٌ ثبت تشجيعه للنعراتِ الإقليمية والعصبيّات المحليّة لا سيما وأنه في هذه الحالة يشكّل نزعةً إلى الابتعاد عن الوحدة، بعكس المعتاد في النظم الفيدرالية التي تقرّب بين مقاطعاتٍ أو دولٍ كانت مستقلّةً أو شبه مستقلّة، أو لم يكن بينها إلّا الرباط الاستعماري.”
7
بل لقد ذهب بعض ممثلي الأحزاب خطوةً أبعد من ذلك عندما هاجم السيد إسماعيل الأزهري مطلب الفيدرالية، مصراً على أن الجنوب كان وسيظل جزءاً من السودان، وموضحاً أن الغرض من نظام الفيدرالية هو جمع دولٍ مستقلة تحت غطاءٍ واحد، وليس تقسيم دولةٍ واحدةٍ إلى دولتين.
إضافةً إلى ذلك أعلن السيد الأزهري اعتزازه بتراثه الإسلامي والعربي وأدّعى أن اللغة العربية هي أكثر اللغات المستعملة في أفريقيا.
من الواضح أن السيد اسماعيل الأزهري وممثلي الأحزاب الأخرى قد خلطوا بين الفيدرالية والكونفيدرالية، أو حاولوا التشاطر على أعضاء الأحزاب الجنوبية.
8
دفع مشروعُ الأحزاب الشمالية لحل مشكلة الجنوب الرافض للفيدرالية، وتلك الكلمات المتغطرسة عن العروبة والإسلام، بعضَ أعضاء الأحزاب الجنوبية إلى الخروج علناً بردّة فعلهم على هذا الرفض الذي كانوا يتوقّعونه، بل وحتى على مطلب الفيدرالية الذي أدلى به السيد ويليام دينق.
فقد كانت كلمة السيد أقري جادين ممثل حزب سانو في الخارج حادةً في نقدها للشمال، ركّز فيها على الخلافات بين شطري القطر، وأعلن فيها أنه لا يوجد شيءٌ مشتركٌ بين الاثنين – لا عادات ولا تقاليد ولا هوية ولا لغة ولا دين ولا مصالح – وأن شطري القطر قد فشلا في التعايش معاً. وأشار السيد أقري جادين إلى أنه:
“بالنظر لواقع التجزئة فهناك حقيقةً “سودانان”، ومطالبة شمال السودان بالوحدة تستند على مصادفةٍ تاريخيةٍ اتخذها ذريعةً لفرض هيمنته السياسية على جنوب السودان.”
وذكّر السيد أقري جادين الشماليين بنقض وعدهم فيما يختص بالنظام الفيدرالي الذي تمّ الاتفاق عليه في شهر ديسمبر عام 1955، ولكنه أضاف أن الأوضاع قد تغيّرت منذ عام 1955، وأنه قد آن الأوان لانفصال جنوب السودان عن شماله، لأن “ادعاء الشمال للوحدة مبنيٌّ على الصدفة التاريخية، ومفروضٌ على الجنوب بالهيمنة.”
9
واصل السيد غوردون مورتات السير في طريق السيد أقري جادين معدّداً مجالات التباين والخلاف بين الشمال والجنوب، ولكنه طالب بحق تقرير المصير لجنوب السودان، وليس الانفصال. وقد بنى السيد غوردون مورتات مطالبته بحق تقرير المصير لجنوب السودان على قرار الشمال تقرير مصيره عام 1955. فتلك سابقةٌ تاريخيةٌ سودانية، وحقوق الشعبين في شقي القطر يجب أن تكون متكافئةً ومتساوية.
10
مثّل السيد ويليام دينق صوت الاتزان في المؤتمر، ولكن مقترحاته اصطدمت بتصلّب الشماليين ورفضهم النظام الفيدرالي، واصطدمت أيضاً بالخلافات مع بقية القادة الجنوبيين التي زادت صلابةً بعد إعادة تأكيد الأحزاب الشمالية لموقفها الرافض للفيدرالية.
وقد أوضح السيد ويليام دينق فيما بعد أن مقترحه بالنظام الفيدرالي الذي مثّل الحل الوسط بين الانفصال الذي طالب به أقري جادين، والوحدة الكاملة التي أصرّ عليها الشماليون كان سيلقى القبول بين أعدادٍ كبيرةٍ من الجنوبيين لو وافق عليه الشماليون في المؤتمر.
وقد أكد التاريخ سلامة تحليل السيد ويليام دينق عندما وقّعت حركة تحرير جنوب السودان على اتفاقية أديس أبابا مع نظام نميري في 3 مارس عام 1972 (بعد سبع سنواتٍ من مؤتمر المائدة المستديرة) والتي انبنت على الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان (والذي هو الحد الأدنى من الفيدرالية)، كما سنناقش في مقالٍ قادم.
ولابد أن ادعاءات الشماليين وتكرارهم خلال المؤتمر أن الجنوب قد قرّر مصيره عامي 1947 و 1955 قد أثارت حفيظة الجنوبيين وأغضبتهم، إن لم نقل أنها كانت مستفزةً لهم.
وقد فهم بعض الممثلين الجنوبيين كلمة السيد إسماعيل الأزهري عن أهمية اللغة العربية وانتشارها في أفريقيا على أنها تأكيدٌ لمشروع دمج الجنوب ثقافياً في الشمال، والذي تبنّته الأحزاب والحكومات الشمالية، وحاولت حكومة الفريق عبود تطبيقه بقوة السلاح.
وهكذا أفقد رفضُ الشماليين القاطع لمقترح النظام الفيدرالي مؤتمرَ المائدة المستديرة قوةَ الدفع للحل السلمي لمشكلة الجنوب التي خلقتها ثورة أكتوبر ورسالة حزب سانو المتفائلة للسيد سر الختم الخليفة.
11
تواصل عقد المؤتمر لمدة أسبوعين، من 16 مارس وحتى 29 مارس عام 1965. صدرت قرارات المؤتمر في 30 مارس عام 1965 وتضمّنت وعوداً بفتح المدارس وإنشاء جامعة في الجنوب، والعمل على إعادة الحياة الطبيعية هناك، وتدريب الجنوبيين لملء مجموعة وظائف في الجنوب، مع التأكيد على مبدأ المساواة في الأجور.
غير أن المؤتمر فشل فشلاً تاماً في معالجة لبّ قضية الجنوب. فقد تضمّنت القرارات نصّاً يفيد إن المؤتمر قد نظر في بعض أشكال الحكم التي يمكن أن تطبّق في السودان ولكنه لم يتمكّن من الوصول إلى قرارٍ إجماعي كما تتطلّب قواعد إجراءات المؤتمر. لذا فقد قرّر تكوين لجنةٍ من اثني عشر عضواً (وهي ما عُرِفت بلجنة الاثني عشر) لتتولّى بحث الوضع الدستوري والإداري الذي يضمن مصالح الجنوب الخاصة، كما يضمن مصالح البلاد عامةً.
وقد أُُعطيت اللجنة بجانب ذلك الصلاحيات التالية:
(أ) أن تكون لجنةَ رقابةٍ تشرف على تنفيذ الخطوات والسياسة المتفق عليهما.
(ب) أن تخططَ وسائلَ إعادةِ الأحوال في الجنوب إلى الأوضاع العادية.
وأن تدرس اللجنةُ الخطوات اللازمة لرفع حالة الطوارئ في الجنوب واستتباب الأمن وحكم القانون، على أن تُعرض النتائج التي تتوصّل إليها لجنة الاثني عشر على المؤتمر الذي ستدعو له الحكومة للانعقاد خلال ثلاثة أشهر.
12
تكوّنت لجنة الاثني عشر من ستة جنوبيين وستة شماليين، وشملت السادة بونا ملوال، واثوان داك، وغوردون أبيي من جبهة الجنوب، والسادة أندرو ويو، ونيكانورا أقوي، وهيلري أوشالا من سانو.
وشملت اللجنة عضواً واحداً من كلٍ من الأحزاب الشمالية وجبهة الهيئات هم السادة محمد أحمد المرضي من الحزب الوطني الاتحادي، محمد داوود الخليفة من حزب الأمة، الفاتح عبود من حزب الشعب الديمقراطي، حسن الترابي من جبهة الميثاق الإسلامي، محمد إبراهيم نقد من الحزب الشيوعي السوداني، وسيد عبد الله السيد من جبهة الهيئات.
13
لكن بات واضحاً أن القوة الدافعة للمؤتمر قد بدأت في التلاشي. فقد غادر السيدان أقري جادين وغوردون مورتات السودان وعادا إلى منفاهما في يوغندا والكونغو.
وكانت الأحزاب الشمالية قد بدأت في توجيه وتركيز كل جهودها لانتخابات الجمعية التأسيسية التي ستخلف حكومة السيد سر الختم الخليفة الانتقالية، وتضع الدستور الدائم للسودان.
كان التسجيل للانتخابات قد بدأ في 11 فبراير عام 1965 واستمر حتى 12 مارس، بينما بدأ التصويت في 21 أبريل. عليه فقد كانت قيادات الأحزاب على عجلةٍ من أمرها خلال مؤتمر المائدة المستديرة للتفرّغ للانتخابات.
عليه فقد بات واضحاً أن عقد المؤتمر وإجراء الانتخابات في نفس الوقت كان خطأً كبيراً وفادحاً. فقد اختارت الأحزاب أن تضع جلّ جهدها وطاقتها وزمنها في الانتخابات، وأخذ المؤتمر بعد ذلك اهتماماً ثانوياً منها.
14
كما لا بدّ من التساؤل إن كان بوسع أيٍ من الأحزاب السياسية الشمالية الخروج من قرار الإجماع على وحدة السودان تحت الغطاء الإسلامي العربي المركزي، علماً بأن الانتخابات كانت على الأبواب. فقد كان كل حزبٍ يخشى من الحزب الآخر إن غيّر مواقفه في هذه القضية الأساسية.
وكان واضحاً أن جبهة الميثاق الإسلامي كانت تراقب تصريحات وكلمات كل حزبٍ، وكانت مستعدةً لاستغلال تلك التصريحات إن خرجت عن مشروع الخط الإسلامي العربي للسودان، فالابتزاز السياسي قد وصل قمته في ذلك الوقت في السودان.
15
عليه فقد انتهى المؤتمر في 29 مارس عام 1965، وهرع قادة الأحزاب إلى البحث عن الأصوات الانتخابية والمواقع الوزارية، وبدأت قضية الجنوب تختفي من قائمة أسبقيات الأحزاب الشمالية. وتواصلت في تلك الأثناء الحرب الأهلية في جنوب البلاد، وتواصل القتل والدمار والتشريد.
16
واجهت لجنة الاثني عشر مجموعةً من المشاكل. فقد أخطر جنوبيو المنفى اللجنةَ أن جنوبيي الداخل، ومن بينهم السيد ويليام دينق، لا يمثلونهم ولا يمثلون الجنوب.
وبعد أسابيع قلائل من بداية عمل لجنة الاثني عشر قاطع ممثلا حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي أعمال اللجنة.
علّل حزب الشعب الديمقراطي انسحابه من لجنة الاثني عشر بعدم اطمئنانه على المعلومات التي كانت تدلي بها الحكومة عن الوضع في الجنوب، بينما أخبر الحزب الشيوعي اللجنة أنه انسحب احتجاجاً على فشل الأحزاب الجنوبية إدانة الهجمات المتكررة من الأنيانيا على المدن في الجنوب. وقد أيّده حزب الشعب الديمقراطي في هذا السبب أيضا.
17
وقد ذكر الحزب الشيوعي السوداني في خطابه إلى السيد رئيس الوزراء الآتي: “لقد أقرَّ الحزب الشيوعي السوداني مقاطعة اجتماعات لجنة الاثني عشر وتجميد قرارات مؤتمر المائدة المستديرة ما لم يستتب الأمن بالجنوب.”
وكان الحزب قد ذكر في كتابه “الحزب الشيوعي السوداني وقضية الجنوب” أنه لعب دوراً بارزاً في مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر، وأنه انسحب من لجنة الاثني عشر عندما فشلت الحكومة في تطبيق توصياتها.”
18
وقد أشار تقرير القاضي قطران عن حوادث توريت في أغسطس عام 1955 (والذي ناقشناه ببعض التفاصيل في المقال الثالث من هذه السلسلة من المقالات) إلى نشاط الحزب الشيوعي السوداني في جنوب السودان في تلك الفترة، وعن موقفه وبرنامجه السياسي لحكم الجنوب.
فقد ذكر تقرير القاضي قطران
“يبدو أن الدعاية الشيوعية شقت طريقها إلى الجنوب بواسطة الموظفين الشماليين والأجانب الذين يعملون في المراكز المختلفة. وازداد النشاط الشيوعي منذ ديسمبر 1954. وقد تأثر بهذه الدعاية على الأخص مركزا الزاندي والمورو وذلك لوجود مجموعات كبيرة من العمال تشتغل في صناعة القطن. وتوجد بالجنوب قليل من النقابات بما في ذلك نقابة في أنزارا.”
كما ذكر التقرير أيضاً:
“وكانت بعض نشرات الجبهة المعادية للاستعمار تهاجم الشماليين في بعض الأحيان. مثال ذلك:
“يجب أن تكون ملكال وواو وجوبا مقاطعات لكل منها برلمانها الخاص. كما يجب أن يكون البرلمان المركزي (للجنوب) في جوبا. ويجب أن نبعث بمندوبين من برلمان جوبا المركزي ليمثلونا في برلمان الخرطوم المركزي. فبهذه الطريقة سيكون لنا مديرونا ومفتشونا. أما إذا كان سيحكمنا الشماليون كما بدأ ذلك بالفعل فإننا لا نرى اختلافاً عن الزمن الذي كان يحكمنا الإنجليز. بل إن هذا أسوأ لأنه سيعني بالتأكيد اننا سنصبح عبيداً فقط.”
(انظر تقرير القاضي قطران “تقرير لجنة التحقيق الإداري في حوادث الجنوب 1955″، الطبعة الثانية 2005، صفحتي 82 و 83).
يعتذر الكاتب مرةً ثانية عن إيراد الكلمة العنصرية البغيضة القبيحة في هذا المقال. لكن كما ذكرنا من قبل، فإن المسئولية والأمانة العلمية للاقتباس تقتضي إيراد النصِّ المُقتبس كما هي).
عليه فيبدو وقوف الحزب الشيوعي مع بقية الأحزاب الشمالية في رفضها القاطع للفيدرالية خلال وبعد مؤتمر المائدة المستديرة غير متناسقٍ مع ذكره تقرير القاضي قطران من مطالبة الحزب بأن تكون لكلٍ من مديريات الجنوب برلمانها الخاص، وأن يكون هناك برلمان مركزي في جوبا.
19
أما حزب الشعب الديمقراطي فقد اتصفت مواقفه بعد ثورة أكتوبر بالارتباك بسبب مساندته لنظام الفريق عبود من خلال “مذكرة كرام المواطنين” التي كان الحزب قد قاد حملة جمع التوقيعات لها. وقد برز الارتباك في مقاطعته لانتخابات مارس عام 1965 وما تبعها من عنفٍ، ثم مقاطعته أعمال لجنة الاثني عشر. وقد عزا الحزب انسحابه إلى عدم اطمئنانه إلى أيّةِ معلوماتٍ عن الوضع في جنوب السودان تدلي بها الحكومة في هذا الصدد.
في عام 1968، بعد حوالي ثلاثةٍ أعوام من انسحابه من لجنة الاثني عشر، اندمج حزب الشعب الديمقراطي مع الحزب الوطني الاتحادي (الذي كان قد انشقّ عنه في يونيو عام 1956) ليكوّنا معاً الحزب الاتحادي الديمقراطي، كما سنناقش في مقالاتٍ قادمة.
20
كان غريباً أن يقدّم هذان الحزبان ذلك السبب (فشل الأحزاب الجنوبية إدانة الهجمات المتكررة من الأنيانيا على المدن في الجنوب)، ويصران عليه كذريعةٍ للانسحاب من لجنة الاثني عشر، علماً بأن فكرة مؤتمر المائدة المستديرة كلها قد قامت على إنهاء الحرب الأهلية في جنوب السودان.
وحتى قبل انسحاب الحزبين من لجنة الاثني عشر، لم يكن هناك حرصٌ من أعضاء اللجنة الشماليين في حضور اجتماعات اللجنة، وتغيّبوا عن الكثير من تلك الاجتماعات، مما أوضح عدم الجدّية بين أعضاء اللجنة من جميع الأحزاب الشمالية، بما فيها هذين الحزبين.
فقد أوضح السيد يوسف محمد علي الذي عمل رئيساً للجنة الاثني عشر في كتابه: “السودان والوحدة الوطنية الغائبة” (مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان 2012) أن حزب الشعب الديمقراطي حضر أربع اجتماعاتٍ من ثمان اجتماعات قبل أن يقرّر الانسحاب من اللجنة، بينما حضر الحزب الشيوعي سبع اجتماعاتٍ من مجمل 12 اجتماع قبل أن يقرّر هو الآخر الانسحاب أيضاً من اللجنة. بلغت اجتماعات لجنة الاثني عشر في مجملها 48 اجتماع، تغيّب حزب الأمة عن عشرٍ منها، بينما تغيّبت جبهة الميثاق الإسلامي عن 14، وجبهة الهيئات عن ثماني والحزب الوطني الاتحادي عن ثلاث اجتماعات. من الجانب الآخر فقد حضر مندوبو جبهة الجنوب وحزب سانو كل الاجتماعات ولم يتغيبوا حتى عن جلسة واحدة. (راجع الكتاب صفحة 214).
لا بُدّ أن الرسالة التي أرسلها سجل حضور اجتماعات لجنة الاثني عشر هي غياب الجدّية من جانب الأحزاب الشمالية في التعامل مع قضية الجنوب ومع قادة الأحزاب الجنوبية، وعدم الاحترام للقادة الجنوبيين، ولقرارات مؤتمر المائدة المستديرة التي شاركت كل الأحزاب الشمالية في إصدارها.
21
عليه فقد تواصلت اجتماعات لجنة الاثني عشر بحضور كامل للأعضاء الجنوبيين، وحضورٍ ضعيف وغير منتظّم من ممثلي الأحزاب الشمالية.
أعدّت اللجنة تقريرها الذي أوضح خلافاتٍ حادة في كل الأمور الجوهرية في قضية الجنوب. ولم يتم حسم أيٍ من الخلافات في مؤتمر الأحزاب الذي تم رفع تقرير لجنة الاثني عشر إليه. وانتهى أمر تقرير لجنة الاثني عشر، ومؤتمر المائدة المستديرة ككل، إلى الفشل التام.
وهكذا أضاعت الأحزابُ الشمالية مجتمعةً فرصةً تاريخيةً ثمينةً للسلام، ولبقاء السودان مُوحّداً، كما سنواصل النقاش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.


  • محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.
    Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …