عصام أبو القاسم
حقق الكاتب والناقد الثقافي السوداني الراحل معاوية محمد نور (1909- ديسمبر1941) حضوراً لامعاً بأفكاره النقدية ورؤاه الجريئة وكتاباته الحاذقة، في صحف ومجلات الثقافة التي كانت تصدر في القاهرة خلال الثلث الأول من القرن العشرين. ولكن بروزه المتوهج لم يستمر إلا فترة وجيزة (1926 إلى 1934)؛ إذ أصيب الكاتب الشاب في عقله قبل أن يتجاوز عقده الثاني، فعزل في بيته لسنوات عدة، ثم مات.
ومع أنه لم يعش طويلاً وامتهن الكتابة صغيراً، بيد أن معاوية -الذي درس الأدب في الجامعة الأمريكية ببيروت- خلف تراثاً ثقافياً كثيفاً ومتنوعاً، عكس حيويته العالية ووفرة اطلاعه وغزارة معارفه، وكفل لكتاباته سطوعاً متجدداً عبر الزمن.
وإلى جانب ما أنجزه من مقالات ودراسات في نقد الشعر والسرد والمسرح والسير الذاتية، اهتم معاوية في قدر ملحوظ من كتاباته بإبراز وتأكيد انحيازه إلى النزعة الإنسانية، ومناصرته فكرة نشوء “أخوة إنسانية” تعمر روح البشر وتمد بينهم جسور التعاون والتكامل من أجل إعمار الأرض، وتجنبهم التنافس والتباغض والحروب.
أراد معاوية، الذي مرت الذكرى الـ (84) لرحيله في ديسمبر الماضي (2025)، للنزعة الإنسانية أن تعني تقديم دول العالم الغنية والمتطورة عونها الاقتصادي والعلمي والثقافي إلى الدول محدودة الإمكانيات، ولكن كجزء من التزامها تجاه “وحدة الإنسانية”، وليس بهدف نهب ثروات تلك الدول النامية وتعطيل قدراتها عن طريق “الاستعمار”.
وجد معاوية في “النزعة الإنسانية” امتداداً لتوجهه الأخلاقي، وقد تأثر في تبنيه لها بقراءاته المتنوعة في التراث الثقافي الغربي؛ وكانت أولى قراءاته إبان دراسته الجامعية، حيث درس كتابات الشاعر والناقد الإنساني المعروف ماثيو آرنولد وأعجب بها وأنجز بحثاً حولها [ترجمه الباحث أحمد البدوي].
ولعل معاوية كان يحاول أن يصقل ثقافته الإنسانية حين قرأ قصيدة ألكسندر بوب (مقالة عن الإنسان)، وكذلك حين اقتنى كتاب (الإنجليز: هل هم إنسانيون؟)( The English: Are They Human) لجي جاي رينير.
وقد طرح معاوية مفهومه لـ “الإنسانوية” في صيغتها الجديدة عبر مقالة له نشرها في مجلة “المقتطف” (أبريل 1934)، في سياق حديثه عن عدد من الكتاب الغربيين الذين وصفهم بـ “الأنتلجنسيا ذات التفكير الحر”، ومنهم: ليونارد وولف، وهربرت جورج ويلز، وبيرتراند راسل، وسدني ويب؛ إذ وصف كتابات هؤلاء بأنها تمثل “النزعة الإنسانية الجديدة” (New Humanism)، التي اعتبرها “من أرقى ما تمخضت عنه الحضارة الغربية في طورها الأخير”.
وذكر أن هذه النزعة التي ترى العلم والفلسفة والسياسة والأدب والصحافة وحدة إنسانية، من أسمى أغراضها «خدمة النوع الإنساني (Homo sapiens) … هؤلاء الكتّاب يعنيهم شأن الإنسان أكثر مما تعنيهم شؤون أوطانهم الضيقة، ويعنيهم مستقبل الحضارات الإنسانية أكثر مما تعنيهم سيادة أوروبا أو أمريكا، ويهمهم أن تكون علاقات الشعوب بعضها مع بعض طيبة الأواصر، خيرة الإنتاج في احترام متبادل. فهم يخافون ويتوجسون شراً من بواعث المنافسة الرخيصة، والعداء العنصري، والبغض، وعوامل الظلم والجشع، والاستغلال المادي قصير النظر، وطغيان السياسات العمياء التي دفعت بالعالم إلى الحرب الكبرى، وهي على وشك أن ترديه في حرب مثلها أو أهول وأخطر».
ويظهر التوجه الإنساني لدى معاوية في مقالات عدة كتبها على مر السنين، ومنها مقالته التي نشرها في جريدة “كوكب الشرق” (16 فبراير 1932)، معلقاً على بعض الكتابات التي نُشرت بالصحف القاهرية وقللت من شأن الكاتب أندريه موروا بمناسبة زيارته لمصر في تلك الفترة. وصف معاوية الكاتب الفرنسي بـ “ابن العالم” – أي مواطن عالمي- المنافح عن الثقافات الأخرى، مشيراً إلى أن «الرجل مغموط الحق في فرنسا بين الدوائر المحافظة بعض الشيء؛ لأنه إسرائيلي الجنس، ولأنه واسع النظر لا يعرف للعصبية الفكرية موضعاً في تفكيره، فهو ابن العالم والمدافع عن حسنات الآداب الأجنبية».
وقرأ معاوية كتاب “واجبات الإنسان” للفيلسوف الإيطالي جوزيبي ماتزيني (1805-1872) الذي دعا الناس إلى القيام بواجباتهم قبل المطالبة بحقوقهم؛ فالحقوق ثمرة الواجبات لا العكس في رأيه. ومن بين الواجبات التي نادى بها: نبذ الأنانية والنفعية، والتحلي بالعطف تجاه الآخرين. وفي مقالة نشرها في جريدة “مصر” (2 أكتوبر 1931)، رأى معاوية في حياة المخترع الأمريكي توماس أديسون تجسيداً لمفهوم الواجب كما تغنى به ماتزيني، وقال: «ما الذي يدعو إنساناً كأديسون ليكرس حياته لخدمة الإنسانية وليحرم نفسه لذاذات الحس البريئة ومتع الحياة والأهواء؟ هذا هو الإيمان بالواجب في أعلى مظاهره.. هذا هو الإيمان بالواجب الذي حين يؤديه الإنسان يموت وهو يشعر بأنه قد ترك العالم وهو أحسن مما دخله، وأنه قد اشترك في تشييد الحضارة..».
وامتدح معاوية المفكر والمناضل مهاتما غاندي (جريدة مصر: 30 أغسطس 1931)، وقال إن مصدر إعجاب الناس بالزعيم الهندي يعود إلى كونه «رجل مبادئ إنسانية قبل أن يكون سياسياً.. ولأنه تمكن من السيطرة على ميوله الذاتية، وأن يعامل نفسه في حيدة تامة، وضبط للنفس، وتنقيب وراء الحق؛ لأنه حق لخير البشر ودفع للإنسانية كلها لأن تحيا الحياة الكاملة المجردة من أهواء الجسد، وعوامل الأثرة، وغوايات الطمع، ونزوات الميول بين فرد وفرد وبين شعب وآخر».
وفي مقالة نشرها في الصحيفة ذاتها (29 نوفمبر 1931)، ذكر معاوية أن رئيس تشيكوسلوفاكيا توماس مازاريك يستحق كل التقدير لجهوده الصالحة التي يوجهها نحو السلام العالمي، لكونه «من ذلك الرهط الذي لا تنسيه ضجة الوظائف وسمو المراتب وصولة المجد والحكم أنه إنسان قبل كل شيء وبعد كل شيء، وأن من الواجب عليه أن يعطي ذلك الجانب العامر من نفسه كل حقوقه وواجباته.. فهو فيلسوف ولكنه إنساني في فلسفته».
ومع توجهه الإنساني هذا، كان معاوية يؤمن بأهمية صون الثقافة الوطنية والاحتفاء بها وإظهارها، ولهذا السبب أسس -مع مجموعة من الأدباء المصريين- “رابطة الأدب القومي” التي نشرت بيانها الأول في جريدة “السياسة الأسبوعية” (يونيو 1930). وكان معجباً بتجربة “إحياء الأدب القومي” في أيرلندا، التي عُرفت في تسعينيات القرن التاسع عشر، وارتبطت بالشاعر وليم بتلر ييتس الذي اتخذ المسرح منصة لتوحيد الأيرلنديين، وشحذ شعورهم بهويتهم القومية التي هددها المستعمر البريطاني.
لكن منظور معاوية إلى الأدب القومي لم يكن يعني الانكفاء والانعزال عن تيار الثقافة العالمية، وذلك ما حمله إلى كتابة تعليق تصحيحي (السياسة الأسبوعية: 20 سبتمبر 1930) داعياً إلى عدم حصر مفهوم “الأدب القومي «بالحدود الجغرافية أو في موضوعات معينة»؛ ففي رأيه يكون الفنان قومياً حين تتمثل في أدبه «خصائص أمته الشعورية والفكرية” حتى عندما يكتب عن بلد ليس بلده».
وكرس معاوية طاقته كناقد وصحافي ثقافي لتجسير المسافة بين الأدبين العربي والغربي، وقد جعل كتابته بلغة الضاد سبيلاً لتعريف القارئ العربي بما تطرحه المنابر الثقافية الأوروبية والأمريكية عبر الترجمة والاقتباس والمناقشة، بينما خصص كتابته باللغة الإنجليزية لربط القارئ الغربي بجماليات وأفكار الأدب العربي الحديث. كان معاوية ينطلق في ذلك من قناعة بأن «ليس هناك حضارة غربية محضة أولاً، ثم حضارة شرقية خالصة ثانياً [..] إنما الثقافة تراث إنساني ليس لإنجلترا أو النمسا أو الصين أن تستأثر به وتقول للآخذ منه هذا لي وليس لك فيه أي حق [..] ما نسميه ثقافة غربية هو في الأصل ثقافة إنسانية ساهم فيها الشرق والغرب». وبرغم قناعته تلك، كان معاوية يرى أن «الآداب في أي أمة من الأمم لا تنتعش ولا تثمر إلا تحت تأثير ثقافة أجنبية تحفزها، هذا ما حصل في العصر العباسي، وما حصل في عصر النهضة الأوروبية، وما يحصل اليوم بين كل الشعوب».
essamgaseem3@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم