لم يعد “محتار” منذ وقت طويل يحب السياسة ولا الأخبار السياسية ولا سيرة السياسيين خصوصاً إذا كان مصدرها من دول العالم الثالث التي تتمسح بالديمقراطية على سبيل ذر الرماد في العيون وتمارس الديكتاتورية حتى عبر صناديق الاقتراع!
أما أمر الأمرين بالنسبة “لمحتار” فهو أن يُجري أي مقارنة بين أي انتخابات شفافة ونزيهة تُجرى بهدوء شديد في دولة عريقة في الممارسة الديمقراطية تنتمي إلى دول العالم الأول وانتخابات عديمة الشفافية والنزاهة تُجرى بصخب بالغ في دولة عالم ثالثية عريقة في الانقلابات العسكرية والسطو على السلطة والثروة في الليالي المظلمة التي يستغرق فيها الغافلون في نوم عميق!
أخذ “محتار” يتأمل حال الانتخابات البريطانية فبالأمس جرت في بريطانيا انتخابات عامة وظهرت نتيجتها التي صدمت حزب العمال الحاكم فقد فاز حزب المحافظين المعارض بأكبر عدد من الأصوات ، يليه حزب العمال الحاكم يليهما حزب الديمقراطيين الأحرار ، وبدأ حزب المحافظين وحزب الديمقراطيين الأحرار في التفاوض من أجل تشكيل الحكومة الجديدة وإقصاء حزب العمال الحاكم من السلطة بعد أن ظل مسيطراً عليها لمدة ثلاثة عشر عاماً أما حزب العمال فقد تقبل النتيجة بصدر رحب ولم يسمع العالم بأي اتهامات بالتزوير ولم يُقتل أي مواطن بريطاني لا من المنتصرين ولا من المهزومين ولم يهدد أحد من رموز حزب العمال المهزوم بامتشاق بندقيته وقتل المحافظين في شوارع لندن!
ثم أخذت أبرز ملامح الانتخابات السودانية تجول في ذهن “محتار” وتصيبه بصداع سياسي حاد، فقد قاطعت أكبر الأحزاب السودانية الانتخابات بعد أن تسجلت فيها بحجة انعدام التمويل والتضييق الإعلامي والأمني وهي على حق فقد غُيبت من الساحة السياسية عمداً ولم تغب بمحض إرادتها كما زعم بعض المؤتمرجية، أما بعض الأحزاب التي شاركت في الانتخابات السودانية فقد انسحبت في مرحلة متأخرة بحجة وجود عمليات تزوير كبرى ، أما الحركة الشعبية فقد قاطعت انتخابات الشمال والغرب واكتفت بانتخابات الجنوب لشيء في نفس يعقوب!
وعلى الرغم من كل المقاطعات والانسحابات فقد احتفل المؤتمر الوطني باكتساح الانتخابات في الشمال واحتفلت الحركة الشعبية باكتساح الانتخابات في الجنوب دون أن يُصاب أي منهما بالنذر اليسير من الحياء السياسي (إن وُجد) من أخبار الاتهامات بالتزوير ومن أخبار القتلى الذين سقطوا بالقرب من صناديق الاقتراع في جنوب السودان، ولعل أغرب ما حدث في الانتخابات السودانية الأخيرة هو أن أنصار المؤتمر الوطني الذين هُزموا في ولاية النيل الأزرق قد زعموا أن الانتخابات قد زورت هناك من قبل الحركة الشعبية ولم يُحسم الأمر بين الوطني والحركة في ولاية النيل الأزرق إلا باتفاق سياسي لا شأن له بأي عملية ديمقراطية بعد أن برزت تهديدات الخطوط الحمراء واللجوء إلى السلاح من قبل الحركة الشعبية!
أما الذي زاد من حنق “محتار” فهو التصريحات الدولية والاقليمية المتناقضة التي صدرت بشأن نتيجة الانتخابات السودانية والتي تتحدث عن عدم استيفاء الانتخابات السودانية للمعايير الدولية للانتخابات ولكنها تنادي بقبول نتيجتها رغم ذلك ولعل كل ذلك التناقض المتعمد يأتي بتحريض من أمريكا التي رحبت بهذه الانتخابات رغم تحفظها عليها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مقررات نيفاشا وباعتبارها الطريق المفضي إلى فصل الجنوب عن السودان في مطلع العام المقبل، أما أغرب التصريحات على الإطلاق فهي تصريحات جامعة الدول العربية التي صرحت بأن الانتخابات السودانية لم تف بالمعايير الدولية ولكنها جديرة بالاتباع كمثال يُحتذى ! لم يفهم “محتار” مطلقاً كيف يتم الإقرار بسوء السلوك ثم يُنادى باتباعه كمثال يُحتذى في ذات الوقت!
وفي الختام لم يملك “محتار” إلا أن يقول : اللهم نجنا من شر ديمقراطيات السواطير وديمقراطيات المواسير وأنزل علينا بعضاً من رذاذ ديمقراطيات وست منستير آمين يا رب العالمين!
فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
fsuliman1@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم