مقدمة كتاب (سلاطين باشا)

تقديم: عبد المنعم خليفة خوجلي

كتاب (سلاطين باشا)، لمؤلفه (ريتشارد هِل)، الصادر باللغة الإنجليزية في عام (1965)، هو سيرة للمواطن النمساوي (رودولف كارل فون سلاطين)؛ وهي سيرة تبدو، لما يحيط بها من أحداث غريبة، ومثيرة، وغامضة، وكأنها قصة من نسج الخيال.

يأخذك الكتاب أيها القارئ العزيز، إلى فصل مهم من فصول تاريخ السودان، عبر قصة شخصية (سلاطين) الاستثنائية، والتي سردها، مؤلِفٌ وافِرُ العطاء، ونقلها إلى العربية عالم يرقى إلى قِممِ الاقتدار العالية في فن الترجمة.

يُفَصِل الكتاب جوانب من حياة (سلاطين) الباكرة، وأحواله الأسرية، وسنوات تقاعده اللاحقة. غير أن هذه المقدمة تتجاوز مثل هذه المحطات الشخصية، لتركز على الجوانب الجوهرية ذات الصلة بالسودان وأهله وشئونه، حيث أن ذلك هو ما يهمنا كسودانيين راغبين في تصحيح تاريخنا، وتنقيته من التشويهات التي ألحقتها به استخبارات الدول الأجنبية، ويعرض هذا الكتاب بجلاء جوانب منها.

من أبرز محطات مسيرة (سلاطين) في السودان، أن الجنرال غردون، حاكم عام السودان تحت الإدارة الخديوية العثمانية، قد أتى به من موطنه النمسا، وكان عمره حينها أربع وعشرين عاماً، وعينه حاكماً على مديرية (دارة) بدارفور خلال السنوات (1881-1885م). وهي سنوات عم المديرية أثناءها الاضطراب، وسادت وسط حاميتها نزعات التمرد. قاد جيش سلاطين معارك متعددة ضد سلطنة وقبائل دارفور ومقاتلي الثورة المهدية، تعرض فيها للعديد من الهزائم، وانهيار معنويات جنوده الذين سئموا القتال المستمر، مما دفع بعضهم للعصيان.

ضاعف من أزمة سلاطين، أن الأجواء العامة في مختلف مناطق السودان الأخرى، كان يغلب عليها توالي انتصارات جيش الثورة المهدية، وسقوط الحاميات الخديوية الرئيسية في معظم أنحاء البلاد، وحصار (الجنرال غردون) في الخرطوم.

في ظل تلك الظروف، أشهر سلاطين إسلامه (ظاهرياً)، وتمت تسميته (عبد القادر). من الواضح أنه أقدم على تلك الخطوة كخدعة حربية، كما أقر هو نفسه بذلك لاحقاً؛ أي أن (إسلامه) لم يكن نابعاً من قناعة فكرية وإيمان حقيقي بالدين الإسلامي.

دفع اليأس سلاطين إلى التفكير في الهروب إلى مصر عبر الصحراء؛ غير أنه خشي من مطاردات أنصار المهدي، ومن مخاطر ورهق الرحلة الطويلة عبر درب الأربعين، وكذلك من المساءلة التي ستنتظره لاحقاً كضابط فرَ من موقعه طلباً للسلامة. دفعته تلك الأوضاع الضاغطة، إلى الاستسلام، هو ومن تبقى من جيشه وموظفيه المدنيين، لممثل المهدي في (دارة).

بعد استسلامه، تم أسره، وبقي في الأسر لمدة تزيد عن إحدى عشر عامًا، ظل يواصل أثناءها الخداع والمداهنة، ومحاولات التودد للخليفة لكسب ثقته. لبس جبة الأنصار المرقعة، وظل يقوم برفع الأذان، وإقامة الصلاة من على ساحة جامع الخليفة بأمدرمان، بينما هو يمارس في نفس الوقت، نشاطه الاستخباراتي، ويتواصل سراً مع السلطات الخديوية والبريطانية.

نجح (سلاطين) في الهرب من الأسر عام 1895م، بعملية دقيقة، دبرها ضابط المخابرات البريطاني (ونجيت). بعد هروبه من الأسر، انضم (سلاطين) إلى الجيش المصري بالقاهرة، وظل يشارك في الجهود العسكرية الهادفة إلى ما تشير إليه الأدبيات البريطانية بـ “استعادة السودان (. (Sudan Reconquest كان الهدف المشترك لكل من (سلاطين) و (ونجيت) هو التفاني في العمل لاستعادة السودان، مستخدمين في ذلك الحيل التي تركز على الدعاية المكثفة، المؤسسة على تشويه صورة المهدية وقادتها، وتصويرهم بأشد الألوان قتامة.

في كتابه (النار والسيف في السودان)، يروي سلاطين تفاصيل فترة حكمه لدارفور، ثم أسره وتجاربه في الحكم والإدارة؛ مستخدماً أسلوباً درامياً يميل إلى إلحاق الضرر بالانطباعات عن الثورة المهدية، واغتيال شخصيات المهدي والخليفة بإلحاق صفات (الفجور) و(القسوة) بهما. يذكر المؤلف أن العديد من المصادر أشارت إلى أن (ونجيت) هو من شجع سلاطين على كتابة تلك المذكرات، بل شارك شخصياً في تحريرها، بغرض استخدامها كأداة

دعائية لتحريض الرأي العام البريطاني والأوروبي ضد المهدية، وتمهيد الطريق للغزو البريطاني للسودان.

بعد غزو بريطانيا للسودان، وتأسيس الحكومة لأنظمة الحكم والإدارة، تمت مكافأة سلاطين على ولائه وإخلاصه وطاعته التامة للحكومة البريطانية، بتعيينه قي منصب المفتش العام لحكومة السودان، ومستشار الحاكم العام، بسلطات وأسعه. من العوامل التي ساعدته في أداء المهام الكبيرة الموكلة إليه، خبرته في قضايا المجتمع السوداني، ومعرفته العميقة والمباشرة بالهياكل القبلية والشخصيات، إلى جانب إلمامه باللغة العربية، ودرايته بالعادات المحلية.

كمستشار للحاكم العام في الشئون الأمنية، وظَف سلاطين رصيده الزاخر من المعارف الاستخباراتية وإلمامه بالأحوال المحلية، في تفسير ومتابعة شئون القبائل والإدارة الأهلية، والطوائف الدينية، وتوجهات المجتمع السوداني؛ خاصة وأن تلك الجوانب كانت مبهمة إلى حَدٍ كبير للمسؤولين البريطانيين الآخرين.

بكل ما أحاط بمسيرة سلاطين من تقلبات وإثارة، وبعد أربعة عشر عاما من تقلده مناصبه الرفيعة في إدارة حكومة السودان، فرضت أوضاع وتطورات الحرب العالمية أن يتعرض ولاؤه المنقطع النظير لبريطانيا لاختبار حقيقي لم يكن يتوقعه؛ وذلك عندما أعلنت بريطانيا الحرب ضد النمسا. أوجدت تلك الأوضاع تناقضاً حاداً بين ولاء سلاطين غير المحدود، وإخلاصه المشهود، وطاعته المطلقة لحكومة بريطانيا وملكتها، من ناحية، وبين ولائه لوطنه ولجيش بلاده من الناحية الأخرى.

إزاء تلك الظروف والمواجهة المستعرة في ساحات القتال بين بريطانيا والنمسا، لم يكن متاحاً لسلاطين اتخاذ أي موقف رمادي أو حيادي. كان عليه اتخاذ القرار الذي يحسم التناقض والصراع الداخلي والأزمة النفسية التي ظل يعاني منها، وهو قرار الانحياز لوطنه. فكان أن تقدم لحاكم عام السودان (صديقه الأثير ونجيت)، في 18 أغسطس 1914م،

باستقالته من منصبه كمفتش عام لحكومة السودان الإنجليزي – المصري؛ وطلب شطب اسمه من قائمة المسئولين بالحكومة.

هكذا طويت صفحة سلاطين في السودان، مخلفاً إرثاً غير مشرف، متمثلاً في محاربته الشرسة للثائرين ضد الحكم الخديوي للسودان، والاستعمار الإنجليزي المصري لاحقاً، وتوظيف مقدراته الاستخباراتية لمساعدة بريطانيا في غزوها للسودان. هذا بالإضافة إلى سجله المشهود من الجبن والاستسلام والهروب والخداع والمداهنة والتخابر والاستعلاء وازدراء السودانيين.

القارئ العزيز

هذه النسخة العربية لكتاب (رتشارد هِل) بعنوان (سلاطين باشا)، سطرتها أنامل الدكتور بدر الدين الهاشمي، صاحب السجل الحافل في ترجمة الأعمال التاريخية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية، والزاخر بالعديد من الكتابات التاريخية عن السودان، وبمجموعة من المقالات في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأنثروبولوجيا؛ وبروايات؛ وقِصصٍ قصيرة من الأدب العالمي؛ وكتابات عن شخصيات سودانية لعبت أدواراً مؤثرة في تاريخ البلاد الحديث. يجدر هنا أن نذكر أن الدكتور الهاشمي كان قد اضطلع بترجمة كتاب أخر لـلمؤلف (رتشارد هل)، بعنوان (المواصلات في السودان).

كما تجدر أيضاً الإشارة، والإشادة، بالعمل عظيم الفائدة، الذي قام به دكتور الهاشمي، والمتمثل في نقله إلى العربية (يوميات ثورة أكتوبر)، لكاتبها (كليف تومبسون)، والتي نُشِرت مسلسلة في جريدة (الأحداث). وهي، في تقديري، أشمل وأدق توثيق لتلك الثورة العظيمة، حيث وفرَت مادة لا تقدر بثمن للقارئ السوداني، وللمهتمين بالتطورات المهمة والمفصلية في تاريخ السودان الحديث. أرجو أن تحفز تلك الكتابات الدسمة والترجمات الرصينة، مؤرخين وموثقين معاصرين، للاضطلاع بعمل مماثل، لتوثيق أحداث ثورة ديسمبر السلمية المجيدة، وذلك قبل أن تكتمل حلقات التعتيم عليها، وعلى بسالة ثوارها، وعِظَم تضحياتهم.

القارئ العزيز

لعلك في أثناء تصفحك لهذا الكتاب، لمست الموضوعية في نهج مؤلفه، خاصة في انتقاده لشخصية (سلاطين)، وتسليطه الضوء على تحيُزِه البَيِن، ونظرته الاستعلائية، وحنقه المفرط على الثورة المهدية، وتوظيفه لمعرفته بالسودان وأهله، وكل قدراته الاستخباراتية، من أجل مساعدة السلطات الخديوية والبريطانية في ترتيباتها لإعادة غزو السودان.

في الختام أتمنى لك أيها القارئ العزيز، تصفحاً سعيداً، يطوي بك حِقَباً وعُهوداً من التاريخ، ويخرجك من دهاليز ( ونجيت وسلاطين) المظلمة، ليعيد لك الزهو والفخار، وأنت تستذكر شجاعة ثوار الشرق البواسل، بقيادة الأمير (عثمان دقنة)، “أصحاب الجباه الشامخة، والعزائم العالية”، كما وصفهم شاعر الإمبراطورية البريطانية (روديارد كيبلنج)، الذي أبهره نجاحهم في اختراق (المربع البريطاني) (الأسطورة) لأول مرة في تاريخ حروب بريطانيا؛ وجسارة مقاتلي معركة (أبو طليح)، بقيادة الأمير (علي ود حلو)، والأمير (علي ود سعد)، الذين اخترقوا (المربع) للمرة الثانية، وغرسوا (الراية الخضراء) في قلب ساحته؛ وإقدام ثوار معركة (شيكان)، التي قادهم فيها الإمام المهدي نفسه إلى (السهل المبارك)، ليُلحِقوا بجيش (هكس باشا) هزيمة وإبادة لم تحدث في التاريخ إلا لجيش فرعون في صحراء سيناء.


عبد المنعم خليفة خوجلي

مسقط – نوفمبر 2025م


abdelmoneim.khalifa@gmail.com

عن عبد المنعم خليفة خوجلي