ملامح من تاريخ الخرطوم الاجتماعي فى مذكرات الفنان حسن عطية

خالد هاشم خلف الله
kld.hashim@gmail.com
الصدفة المحضة قادتنى للعثور على مذكرات للفنان الراحل حسن عطية ( ١٩٢١-١٩٩٣) فى صيغة ( pdf) ) على شبكة الإنترنت حين كنت أبحث عبر محرك البحث قوقل عن موضوع يرتبط بالعاصمة الخرطوم فقمت بتنزيلها دون تردد وقرأتها، المذكرات كتبها الفنان الراحل حسن عطية بنفسه بلغة بسيطة وسلسلة دون تعقيد أو تقعر وهى أقرب إلى شكل الخواطر ونسختها المنشورة تفتقد لبعض المعلومات البلوغرافية مثل تاريخ ومكان الطبع لكن على الأرجح انها طبعت فى احدى مطابع الخرطوم وعدد صفحات الكتاب ٩٦ صفحة ومرفق بصور فوتوغرافية، وقدم الفنان حسن عطية من خلال هذه المذكرات صورة موجزة لحياته الخاصة والفنية ، كما عكس خلالها صورا من التاريخ الاجتماعى للخرطوم فى عشرينيات وثلاثنيات واربعينيات القرن الماضى وتطرق بشكل عابر للتطورات السياسية فى البلاد وقتذاك ولعله قد أحسن فى ذلك ، وقد أفرد حيزا كبير فى الفصل الثانى من مذكراته للحديث عن مجتمع الخرطوم خاصة الحى الذى سكن به فى وسط الخرطوم عدا عن المعلومات التى نثرها عنه فى الفصل الأول عن الحى الذى ولد به ومعالمه العمرانية ، وبذلك قدم لنا صورة عن مجتمع الخرطوم خلال ثلاثين عاما تبدأ من مولده عام ١٩٢١ إلى مرحلة صباه و شبابه فى نهاية العقد الرابع من القرن الماضى ، ويبدو أن الأستاذ حسن عطية قد كتب هذه المذكرات فى نهاية الثمانينات لحديثه فى نهايتها عن تكريم ناله من عدة جهات فى ذلك الوقت مثل تكريمه من جمعية الفن والموسيقى بنادى النصر بأم درمان فى العام ١٩٨٦ وعضوية فخرية من جمعية الدبلوماسيين السودانيين ونقابة أطباء السودان وجامعة أم درمان الأهلية وختم الأستاذ حسن عطية مذكراته بالوعد بكتابة جزء ثان منها ولا أدرى هل كتب هذا الجزء أم لا.
يقول الأستاذ حسن عطية عن مولده أنه ولد فى حى المراسلات وسط الخرطوم فى عام ١٩٢١ وهو حى كان يقوم فى موقع نادى العمال الحالى فى شمال غرب فندق المريديان الحالى المطل على شارع السيد عبد الرحمن ، ويقول حسن عطية انه لا يعرف لماذا أطلق عليه حى المراسلات ويقدم وصفا له ويقول انه كان يتكون من صفين من المنازل وكل صف يتكون من خمسة منازل وكل منزل كان يحتوي على غرفتين وراكوبة وكانت تجاور الحى بيوت أسر معروفة فى مجتمع الخرطوم مثل منزل أولاد فرج بيه أبو زيد ومنزل عم الجزلى حسب تعبيره وهو جد الأستاذ عمر الجزلى الاعلامى المعروف ، ومنزل أسرة عندوم الإثيوبية وهى أسرة كان لها ثلاثة ابناء كان أحدهم أمان الذى أصبح لاحقا جنرالا شهيرا فى الجيش الاثيوبى وكان أحد قادة مجلس الدرق العسكرى الذى اطاح بالامبراطور هيلاسلاسى عام ١٩٧٤ بجانب الجنرالين الآخرين تفرى بنتى ومنقستو هيلاميريام ، دخل امان عندوم فى خلاف مع رفيقه فى مجلس الدرق وانتهى باغتياله فى منزله فى أديس أبابا فى نوفمبر ١٩٧٦ ،ويذكر حسن عطية أن امان عندوم كان زميل دراسته فى المدرسة الانجيلية فى الخرطوم.
وفى الفصل الثانى من الكتاب تحدث حسن عطية بشكل مفصل عن مجتمع الخرطوم والمقصود بها وسط الخرطوم الحالى التى يشكل مسجدها الكبير مركز دائرتها فهى الأحياء التى سكنها الاهالى من السودانيين خاصة من الناحية الجنوبية والغريبة أن حسن عطية مثلا لم يشر إلى أن منزل الفنان خليل فرح كان يقع إلى الجنوب مباشرة من حى المراسلات الذى كان يسكنه ويفصل بينه وبين منزل خليل فرح شارع السلطان وهو شارع السيد عبد الرحمن فى الخرطوم الحالية بينما كان يقع منزل على عبد اللطيف فى الاتجاه الجنوبى الغربى من الحى الذى يسكنه خليل فرح ولا يزال هذا المنزل قائما لليوم فى موقعه تشغله كافتيريا وقد أشارت إليه المؤرخة اليابانية يوشيكو كوريتا فى كتابها عن ثورة اللواء الأبيض وقائدها على عبد اللطيف الذى كان يعقد فيه اجتماعات جمعية اللواء الابيض.
يتطرق حسن عطية إلى تقسيم الخرطوم ويقول انها كانت مقسمة إلى أربعة أقسام وكل قسم عليه عمدة فالقسم الشرقى كان عمدته الشيخ حسن سلمان والاوسط عمدته الشيخ محمد كرم الله ويسكن احفاده فى الخرطوم اليوم فى حى الخرطوم ثلاثة والقسم الغربى كان عمدته العمدة الشيخ أحمد نصر والشمالى كان عمدته الشيخ عثمان منصور وهو والد القطب الاتحادى والصحفى والشاعر الغنائي حسين عثمان منصور ووالد رجل الأعمال السمؤل حسين عثمان منصور الذى خاض انتخابات رئاسية ضد الرئيس السابق عمر البشير عام ١٩٩٨، ولم ينسى حسن عطية أن يتحدث عن مدارس الخرطوم واشهرها واقدمها بالطبع مدرسة الخرطوم الابتدائية التى كانت تقوم فى موقع برج البركة الحالى والمدرسة الانجيلية التى درس بها وتحدث عن خلاوى الخرطوم مثل خلوة الشيخ الكنزى جنوب الخرطوم وخلوة الشيخ محمد بابكر وسط الخرطوم والتى تبرع بمقرها الشيخ محمد عبد القادر التلب وخلوة الشيخ عمر غرب المدينة قرب برج الفيحاء الحالى وخلوة الشيخ حامد وهو مصرى الجنسية وكانت خلوته لا تكتفى بتدريس وتحفيظ القرآن الكريم وانما تدرس كذلك اللغة العربية والحساب.
أشار حسن عطية إلى العائلات والأسر السودانية التى كانت تسكن على جانبى شارع السلطان وهو شارع السيد عبد الرحمن اليوم مثل منزل الحاج عبد الله شرونى التاجر المعروف ويحمل أسمه فى الخرطوم اليوم أسم موقف المواصلات العامة جنوب محطة السكة الحديد ، ومنزل أسرة محمد حسن السواحلى وهى أسرة كانت تمتلك فندقا وقد شيدت مسجد السواحلى فى حى الطائف شرق الخرطوم ، وأسرتى الحاج عباس على كمير والحاج خضر على كمير التى ينتمى اليهما الدكتور الواثق كمير الأكاديمي والسياسى المعروف.

عن خالد هاشم خلف الله

شاهد أيضاً

عمار محمد أدم رحيل بهجة الصحافة السودانية

خالد هاشم خلف اللهKld.hashim@gmail.comفى النصف الثانى من التسعينات ونحن طلابا فى كلية الاداب جامعة الخرطوم …