ملكية أراضي مشروع الجزيرة بين القانون والتاريخ: لماذا لا يجوز نزعها؟

بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
aminoo.1961@gmail.com
في بدايات القرن العشرين، وتحديدًا في عام 1911م، أصدرت الإدارة الاستعمارية البريطانية (حكومة الحكم الثنائي) أول تشريع منظم لملكية الأراضي في السودان، في إطار سعيها لإحكام سيطرة الحكومة المركزية على الأراضي، لا سيما ما عُرف آنذاك بـ«الأراضي البور» والغابات غير المأهولة. وقد جاء هذا التشريع متزامنًا مع توجه الدولة الاستعمارية لتسهيل قيام المشروعات الزراعية الكبرى، حيث بدأ في العام نفسه (1911م) مشروع الجزيرة كمزرعة تجريبية لزراعة القطن.

هدف قانون 1911م إلى استبدال الأنظمة العرفية القائمة على الحيازة والانتفاع بنظام تسجيل رسمي وسجلات ملكية تتبع للدولة، وأرسى مبدأً مفاده أن كل أرض لا يثبت أحد ملكيتها الفردية تُعد ملكًا للحكومة. كما منح «ضابط التسوية» سلطات واسعة لتحديد الحقوق والفصل في الاعتراضات المتعلقة بالأراضي.

وفي عام 1925م، جرى تعديل وتطوير هذا التشريع ليصدر قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م، وهو القانون الذي لا يزال يشكّل الأساس القانوني لسجلات الأراضي في السودان حتى اليوم. ورغم أن قانون 1925م ألغى التشريعات السابقة، بما فيها تشريع 1911م، إلا أنه اعتمد عمليًا على أعمال المسح والتسجيل التي بدأت بموجبهما.

ورغم قِدم هذه القوانين، فإن مبادئها الأساسية، وعلى رأسها تسجيل الملكية في السجل العام، لا تزال مطبقة حتى عام 2025م. غير أن قضية ملكية الأراضي ظلت واحدة من أعقد الإشكالات القانونية والاجتماعية في السودان، بسبب التداخل بين القوانين الوضعية ذات الجذور الاستعمارية والحقوق العرفية التاريخية للقبائل والمجتمعات المحلية.

وفي هذا السياق، شهدت الأيام الماضية جدلًا واسعًا عقب الرأي الذي طرحه رئيس الجهاز القضائي بولاية الجزيرة، مولانا عبد المنعم بلة، خلال مخاطبته ورشة القوانين واللوائح المنظمة للعمل بمشروع الجزيرة، والذي دعا فيه إلى نزع ملكية الأراضي داخل المشروع لتؤول ملكيتها إلى الدولة، بحجة تعزيز الإصلاح وضبط النزاعات القانونية، ومعالجة معوقات الإنتاج، ووضع أسس واضحة لحوكمة المشروع وحماية حقوق المزارعين وضمان استدامة الإنتاج الزراعي.

غير أن هذا الطرح، رغم ما قد يبدو فيه من حرص على الإصلاح، يتجاهل الخصوصية التاريخية والقانونية لملكية أراضي مشروع الجزيرة، وهي خصوصية محمية بنصوص قانونية صريحة ومتراكمة منذ أكثر من قرن.

فأراضي مشروع الجزيرة ملكية خاصة لأصحابها الأصليين منذ عام 1911م، وقد نصّ قانون تقييد بيع أراضي الجزيرة لسنة 1911م صراحة على أن أراضي الجزيرة ملك خاص لأهلها، ولا يجوز بيعها أو التصرف فيها إلا لأشخاص ينتمون إلى ذات المنطقة. وكان الهدف من هذا القانون منع انتقال ملكية الأراضي إلى جهات أو أفراد من خارج الإقليم، وتأكيد أن هذه الأراضي «ملكية عين» محفوظة لأهلها.

وفي عام 1925م، أُجريت أول عملية تسجيل قانوني شاملة لأراضي الجزيرة، وأثبتت أن غالبية الأراضي مملوكة ملكية خاصة للسكان الأصليين، ومنح أصحابها صكوك ملكية رسمية لا تزال سارية حتى اليوم، وهو ما يعني أن هذه الأراضي لا يجوز نزعها أو الاستيلاء عليها إلا وفقًا لإجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة وبمقابل عادل، وهو أمر لم يحدث في حالة مشروع الجزيرة.

وعقب قيام المشروع في عام 1926م، صدر قانون أرض الجزيرة، وهو قانون لم ينزع الملكية من أصحابها، وإنما نظّم تأجير هذه الأراضي للحكومة لمدة أربعين عامًا لاستخدامها في الزراعة ضمن المشروع. وبموجب هذا القانون، لم تصبح الدولة مالكة للأراضي، بل مستأجرة لها فقط. وقد انتهت مدة الإيجار في عام 1967م، ما كان يقتضي عودة الأراضي إلى ملاكها أو تجديد الإيجارات بموافقتهم.

كما نصّ قانون مشروع الجزيرة لسنة 1950م، المعدل في عام 1960م، على استمرار حقوق الملكية للملاك الأصليين، ومنع أي حق للدولة في إعادة توزيع الأراضي، وتعامل مع المشروع باعتباره كيانًا اقتصاديًا يتطلب إدارة زراعية فعّالة مع الحفاظ الكامل على حقوق الملاك.

وفي عام 1994م، صدر قانون التخطيط العمراني والتصرف في الأراضي، والذي حظر التصرف في الأراضي الخاصة دون موافقة ملاكها، وقصر سلطة الدولة على الأراضي الحكومية فقط، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن أراضي الجزيرة، بوصفها ملكية خاصة مسجلة، محمية من أي تصرف إداري.

ثم جاء قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م محافظًا على مفهوم «ملكية العين» للأراضي الخاصة، مع منح المزارعين حقوق الانتفاع بالحواشات، دون أن يمنح الدولة أي سلطة لتحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية أو نزع ملكيتها.

لقد نجحت إدارة المشروع، منذ نشأته، في الحفاظ على هذه التوليفة الاقتصادية الدقيقة، حيث تمتلك الدولة نحو 58% من مساحة المشروع، بينما يمتلك الأهالي 42%، وظلت العلاقة قائمة على الإيجار دون نزاعات تُذكر لعقود طويلة. ولم يكن توقف الإدارة لاحقًا عن الوفاء بالتزاماتها القانونية تجاه الملاك – وعلى رأسها سداد الأجرة – سببًا حقيقيًا في تدهور العملية الزراعية، بقدر ما كان نتيجة سوء الإدارة والسياسات.

وعليه، فإن المدخل الصحيح للإصلاح لا يكمن في نزع ملكية الأراضي، وإنما في سنّ تشريعات تحمي أراضي مشروع الجزيرة من التعديات، وتحافظ على وحدة المشروع، وتصون حقوق الملاك المسجلة بالملك الحر، وتكفل لهم عائدًا عادلًا ومجزيًا مقابل الانتفاع بأراضيهم. كما ينبغي وضع أطر قانونية تمنع إثقال كاهل المشروع بنزاعات تعرقل الإدارة، دون المساس بحقوق الملكية الخاصة المحمية بالدستور والقانون.

فالمدخل الصحيح للإصلاح ليس نزع الملكية، بل:

  • حماية أراضي المشروع من التعديات.
  • احترام صكوك الملكية المسجلة.
  • سداد الأجرة المتراكمة للملاك.
  • سن تشريعات تُحصّن وحدة المشروع دون المساس بالملكية الخاصة.
  • تمكين الإدارة من أداء دورها وفرض سيطرتها على الأراضي داخل مشروع الجزيرة وحمايتها.

فمشروع الجزيرة لا يحتاج إلى مصادرة الأرض، بل إلى إنصاف الملاك، وتمويل مستقر، ونظام إدارة حديث يعيد للمشروع عافيته التاريخية

عن امين الجاك عامر

امين الجاك عامر

شاهد أيضاً

الإِبري وليلة النصف من شعبان في الذاكرة السودانية: طقوس البركة واللَّمّة التي افتقدناها

بقلم: امين الجاك عامر المحاميaminoo.1961@gamil.com قبل نهاية شهر رجب من كل عام،تكون كل الأعمال التحضيرية …