نزار عثمان السمندل
لغة تُعاد صياغتها، وذاكرة يُعاد الاشتباك معها، وسؤال الدولة يعود من بوابة المدرسة. هناك، حيث يُفترض أن تتكوّن البدايات الأولى للانتماء، تُجرى عمليات صامتة لإعادة ترتيب المعنى، وحذف ما يُربك الحاضر أو يذكّر بماضٍ لم يُهزم تماماً.
تعديل مناهج كسلا لا يبدو إجراءً تعليمياً عادياً، بل خطوة في مسار أوسع يسعى إلى تنقية الكتب من أثر ثورة ديسمبر، وإزاحة الشعار الذي خرج من الحناجر قبل أن يُكتب في الدروس: حرية، سلام، وعدالة.
قرار حذف وحدات كاملة من مقررات اللغة العربية، وإبعاد دروس تتصل بالثورة، يكشف رغبة في إعادة تعريف الذاكرة المدرسية، وكأن الأجيال المقبلة مطالبة بتعلّم لغة بلا سياق، ووطن بلا لحظة فاصلة.
الثورة التي أسقطت نظاماً جثم ثلاثة عقود تُعامل اليوم كحادثة زائدة عن الحاجة، أو كفصل يمكن الاستغناء عنه دون أن يختل السرد الرسمي. التعليم هنا لا يُراجع فقط، بل يُعاد توجيهه، ليكون أقل إزعاجاً للسلطة وأكثر قابلية للتطويع.
في الضفة الأخرى من البلاد، حيث السلاح يسبق الكتاب، تتخذ المعركة شكلاً مختلفاً. حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور تفرض نشيدها وعلمها في مدارس مناطق سيطرتها، وتُقصي الرموز الوطنية المتعارف عليها.
المشهد يبدو صادماً: طابور صباح بلا نشيد السودان، وسارية تحمل راية الحركة. الرسالة تتجاوز التعليم، وتدخل مباشرة في قلب السؤال الوطني: لمن يكون الولاء حين تتشظى الدولة؟
الحركة تقول إن ما تقوم به امتداد لمشروعها الثوري، وإنها لا تنادي بالانفصال ولا بحق تقرير المصير. تؤكد أن العلم والنشيد الحاليين لا يمثلان كل السودانيين، بل فُرضا تاريخياً من نخبة ضيقة.
خطاب يبدو، في ظاهره، احتجاجاً على دولة لم تكتمل، لكنه في توقيته وسياقه يثير مخاوف عميقة. حرب أبريل 2023 فتحت الباب أمام كتل مسلحة لتعيد تعريف حدودها ورموزها، ومع كل خطوة من هذا النوع يتآكل المشترك الوطني أكثر.
ما يجمع بين كسلا وجبل مرة ليس الجغرافيا ولا الفاعلون، بل المنهج. هنا حذف للثورة من الكتب، وهناك إحلال لرموز بديلة في المدارس.
الطرفان، كلٌ بطريقته، يتعاملان مع الدولة بوصفها فكرة قابلة للتعليق أو إعادة الصياغة. الأول يسعى إلى ترويض الذاكرة حتى لا تُنتج وعياً متمرداً، والثاني يختبر حدود الكيان عبر فرض أمر واقع ثقافي ورمزي.
بلد يعيش سيولة أمنية وسياسية غير مسبوقة، تتحول فيه المدرسة إلى ساحة صراع ناعم، لكنه بالغ الخطورة. الأطفال الذين يُطلب منهم نسيان الثورة، أو ترديد نشيد جديد، يُدفعون باكراً إلى انقسام المعنى قبل انقسام الأرض.
الدولة التي لم تُحسم صورتها بعد تجد نفسها ممزقة بين من يريدها بلا ثورة، ومن يريدها بلا رموزها الحالية.
هذا البلد المُضاع، المترنح تحت ثقل الحرب، يواجه امتحاناً أخطر من البنادق: امتحان المعنى. حين يُعاد تعريف الوطن في الكتب، ويُستبدل في الطوابير، يصبح السؤال ملحاً: أي سردية ستنجو، وأي دولة ستولد إن وُلدت؟
الصراع لم يعد فقط على السلطة، بل على ما يُقال للأطفال عن تاريخهم، وعلى ما يُرفع من رايات فوق رؤوسهم كل صباح.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم