بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
لماذا أصبح بعض السودانيين يحب الغريب حبا غير مبرر، ويدوس على القريب دوسا مقززا؟ احتقار للأخ بصورة مقرفة، وتبجيل للأجنبي بصورة مقززة، خضوع وخنوع، وذل وانبطاح.
فهل هذه عبودية جديدة؟ أم أزمة هوية؟ أم عقدة نقص؟
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ”، فمن انسلخ من عبودية الله، وقع في عبودية المخلوق، عبدا للمال تارة، وعبدا للمظاهر تارة، وعبدا للبشر يقدسهم، ولعمري إنها قمة الانحطاط.
وهنا أستحضر تشخيص المفكر الجزائري مالك بن نبي، حيث قال: إن المشكلة ليست في الاستعمار فقط، بل في “القابلية للاستعمار”، فالاستعمار لا يستعمر أرضا إلا إذا كانت نفوس أهلها قابلة لأن تستعمر، فإذا احتقرنا أنفسنا، فقد فتحنا الباب للغريب ليستعمرنا بلا جيش.
ويكمل علي شريعتي الصورة بقوله: إن أخطر أنواع الاستحمار هو أن يجعلوك تحتقر ذاتك ولونك وتاريخك، وتقدس ثقافة غيرك، فتصبح غريبا في وطنك، وعدوا لأخيك.
ويأتي المفكر الإسلامي الشهيد محمد باقر الصدر ليضع الأصل، فيقول: إن الله خلق الإنسان خليفة في الأرض لا عبدا للبشر، وكرمه بقوله “ولقد كرمنا بني آدم”، فإذا قبل الإنسان أن يكون ذليلا لغيره، فقد خان أمانة الخلافة، فالعبودية لله هي وحدها التي تحررك من كل عبودية سواها.
أما الدكتور حسن الترابي رحمه الله، فقد كان يردد أن أزمتنا أزمة حرية وتحرر، وأن المسلم لا ينبغي أن يكون إمعة، ولا ذنبا لغيره، وأن التحرر يبدأ من العقل، فإذا تحرر العقل من عقدة الخواجة ومن تقديس الأجنبي، تحررت الإرادة، وإذا تحررت الإرادة، بُني الوطن.
لماذا الذل يا أبناء بلدي الكرام؟ والخضوع لغير الله لا يجوز.
ترى أحدهم إذا جاء الأجنبي هش وبش، وإذا جاء ابن بلده عبس وبسر! يكرم الغريب ولو كان لئيما، ويهين القريب ولو كان كريما!
إنها العبودية الجديدة، عبودية بلا سلاسل، ورق بلا أسواق، عبودية تسكن العقول قبل الأجساد.
عبودية تجعل بعض النساء يكرهن لونهن الذي خلقه الله، منشغلات بتبييض البشرة والكريمات، مع أن سمارنا أحلى لون، لون العزة والأرض والشمس، ولا يعقل أن يكون همنا تبييض الجلود وتكسير مقاديف بعضنا!
إذا أردنا أن نبني السودان، لابد أن نتحرر من عبودية تقديس غير السوداني، وأن نحترم بعضنا، ونتعايش بلا عنصرية، ونعامل العالم بندية لا بدونية.
لابد أن نترك السياسة العقيمة التي لا تثمر إلا حقدا، ونتوجه إلى العمل والإنتاج، وإلى تعليم جاذب.
فيا أبناء بلدي، تحرروا من رق المخلوق إلى عبودية الخالق، فمن كان عبدا لله صار حرا في وجه كل العبيد.
والله المستعان وعليه التكلان.
