منصة الجلد … ومحكمة الشاعر: الفساد يُعرَّى

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

في تاريخ الشعوب، تتكرّر الحكايات ذاتها بأسماء جديدة وبوجوه مختلفة، لكن جوهرها واحد: منظومات فساد تستقوي بالمناصب وتتمدد في جسد الدولة مثل مرض خبيث، بينما يقف المواطن العادي على بوابة المؤسسات، يحاول العبور لتحقيق حق بسيط أو خدمة مشروعة، دون أن ينجو من الأطماع التي تنمو على طول الطريق. وحكاية الشاعر الذي ذهب إلى بلاط الملك ليُلقي قصيدته ليست مجرد قصة تراثية، بل هي مرآة لما تعيشه بلاد كثيرة اليوم، حيث يتحوّل المسؤولون إلى حُجّاب على الحق، وحُرّاس على الجائزة، وسماسرة للقرارات، وحلقات متراكمة من الاستغلال تجعل الوصول إلى العدالة أشبه بعبور بوابات متتالية، لكل بوابة ثمنها. الشاعر جاء بقصيدة، بشيء نبيل وشفاف، لكنه واجه سلسلة من العوائق: حارس بوابة يطلب جزءًا من الجائزة، وسكرتير وزير يطمع بنصيبه هو الآخر، ووزير يتقاسم المكاسب قبل أن يستمع حتى للقصيدة. لم يكن الرجل أمام مسؤولين، بل كان أمام شبكة مصالح تعرف جيدًا كيف تستفيد من ضعف النظام، وتحوّل مواقع الخدمة إلى بوابات جباية شخصية. وهنا تكمن الفكرة العميقة التي تجعل هذه القصة متجاوزة لبيئتها الأصلية: حين يصبح المنصب العام وسيلة للكسب لا أداة لخدمة الناس، تتحوّل الدولة إلى سلعة تُباع لمن يدفع، ويتحوّل المواطن إلى مشروع استغلال، ويتحوّل القانون إلى ورق لا يعوَّل عليه. لكن الشاعر، رغم ضعف حيلته أمام تلك الشبكة، لم يفقد ذكاءه. اختار أن يقلب المعادلة على رؤوس أصحابها، فطلب من الملك مائة جلدة بدل المال، ليجعل كل واحد منهم يتلقى حصته من العقوبة بنفس الطريقة التي طلب بها نصيبه من الجائزة. كان ذلك فعلًا رمزيًا يعيد تعريف معنى العدالة: من يشارك في الجريمة يشارك في العقوبة أيضاً. ولهذا تعجب الملك من فطنة الرجل ومن قدرته على فضح طبقات الفساد دون أن يرفع صوته أو يشتكي أو يتوسل. مجرد طلب واحد كان كافيًا ليكشف للعاهل ما يجري في بلاطه، وليدرك أن المشكلة ليست في المواطن الذي يسعى للإنصاف، بل في حاشية تستغل اسمه وسلطته وتبيع قراراته لمن يدفع. هذه القصة لها انعكاسات واضحة في واقعنا السياسي اليوم، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية بسبب غياب سلطة رادعة تشبه الملك في القصة؛ سلطة تمتلك الشجاعة والقدرة على مواجهة الفساد من رأسه إلى أدنى مستوياته. فعندما تصبح وظائف الدولة مطيّة للنفوذ، وتتحوّل المؤسسات إلى أسوار تحاصر المواطن بدل أن تخدمه، وحين يُجبر المتعامل مع الأجهزة الحكومية على دفع ثمنٍ لحقٍ هو أصلاً من حقوقه، فإن الدولة تدخل مرحلة الخطر الحقيقي، مرحلة تتآكل فيها الشرعية ويضعف فيها الانتماء، ويبدأ الناس في فقدان الأمل بأن النظام قادر على إصلاح نفسه أو حماية مواطنيه. المشهد في بلادنا يشبه المشهد الذي واجهه الشاعر. كثير من المواطنين يجدون أنفسهم وجهاً لوجه مع شبكات معقدة من المحسوبية والرشوة والابتزاز الإداري. المسؤول الذي يجب أن يسهل معاملتهم يبتزهم، والموظف الذي يفترض أن يخدمهم يساومهم، والقيادي الذي أعطي سلطة لتحقيق الصالح العام يستخدم منصبه لرفع مغانمه الشخصية. إنها ذات الدوائر التي مرّ بها الشاعر خطوة بخطوة، لكنها اليوم أكثر انتشارًا وتعقيدًا، لأنها محمية بصمت وخوف وغياب للمحاسبة. المشكلة ليست في الفساد وحده، بل في تحالف الفساد مع السلطة؛ في أن البعض يملك القدرة على سرقة الدولة وهو مطمئن من أنه لن يُسأل ولن يُحاسب ما دام ينتمي إلى منظومة النفوذ. وهذا ما يجعل الفساد ليس مجرد سلوك فردي، بل منظومة كاملة تملك حصانة وامتدادًا وقدرة على تجديد نفسها. وفي ظل هذه الظروف، يصبح إصلاح الدولة مشروعًا شاقًا يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وإلى قيادة تمتلك الجرأة في مواجهة مراكز النفوذ ذاتها التي تعوق الإصلاح وتستفيد من بقاء الوضع كما هو. الدولة التي تنهض ليست تلك التي تبني المباني، ولا تلك التي تطلق الشعارات، بل تلك التي تمتلك الجرأة في مواجهة من ينهب مال الشعب، ومن يستخدم المنصب لتحويل الخدمة إلى صفقة. الدولة القوية هي التي تملك قائدًا يشبه الملك في القصة: لا يخاف من مواجهة الفساد مهما كانت درجته، ولا يتردد في معاقبة وزير أو حارس أو سكرتير إذا ثبت أنهم خانوا أمانة الموقع. فالقانون حين يميز بين الناس يفقد قدسيته، وحين يعاقب الضعفاء ويعفي الأقوياء يصبح أداة للظلم لا للعدل. وفي واقعنا، نحتاج إلى تلك اللحظة التي يقف فيها “ملك” بمعنى القيادة الرشيدة، ويطلب من الجميع أن يخضعوا لامتحان النزاهة، ويضع أمامهم مبدأ بسيطًا: من يطلب نصيبًا من الجائزة دون حق، سيحصل على نصيبه من العقوبة أيضًا. نحتاج إلى قيادة تدرك أن الشعوب لا تنهار بسبب الفقر وحده، بل بسبب الظلم؛ وبسبب شعور المواطن بأن النظام ضده وليس معه. وحين يغيب هذا الشعور، تنهار الثقة بين المجتمع والدولة، وتنهار معها فرص الاستقرار والتنمية. إن القصة تقدم درسًا ثمينًا لمن يريد أن يفهم جوهر الأزمة: المواطن ليس المشكلة، والبلاد ليست فقيرة، والموارد ليست قليلة؛ المشكلة في أن السلطة حين تترك بلا رقابة تتحول إلى غابة، وفي الغابة لا ينمو القانون بل ينمو الوحش الأقوى. لذلك فإن بناء دولة عادلة يبدأ من أعلى الهرم لا من أسفله، يبدأ من مواجهة الفاسدين الكبار قبل ملاحقة الصغار، ويبدأ من تطهير المؤسسات قبل مطالبة المجتمع بالإصلاح. وقد أثبت التاريخ أن الشعوب يمكن أن تصبر على الجوع، لكنها لا تصبر على الظلم؛ ويمكن أن تتحمل سوء الخدمات، لكنها لا تتحمل أن ترى ثرواتها تُنهب أمام أعينها دون محاسبة. إن العدالة ليست ترفًا سياسيًا بل أساس الاستقرار؛ والقيادة التي تظن أن الحكم يستمر بالقوة فقط، تنسى أن القوة تتآكل حين تُستخدم لحماية الفساد. ولذلك، حين نتأمل واقعنا الحالي، ندرك أننا بحاجة إلى “ملك” بمعنى رجل دولة لا يساوم على النزاهة، ولا يخضع لضغوط الحاشية، ولا يسمح بتحويل مؤسسات الدولة إلى متاريس ضد المواطن. نحتاج إلى قوة سياسية تُعيد تعريف معنى المنصب العام، وتعيد الثقة إلى الشارع، وتثبت أن الدولة ليست غنيمة، بل مسؤولية. وعندها فقط، يمكن أن تعود البلاد إلى مسارها الطبيعي، ويمكن أن ينهض الناس من جديد وهم يشعرون أن القانون يحميهم، وأن السلطة تخدمهم، وأن الوطن ليس حكرًا على مجموعات النفوذ بل ملك للجميع.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

مأساة أبيمنم… حين يصبح المدنيون وقوداً لصراع لا ينتهي

بقلم: لوال كوال لوال ليست المأساة التي شهدتها مقاطعة أبيمنم حادثة عابرة يمكن طيّ صفحتها …