دكتور محمد عبدالله
في إحدى غرف كلوب هاوس، اجتمع عدد من المتحدثين؛ بعضهم قدّم نفسه بوضوح كإسلامي، وآخرون لم يكونوا بحاجة إلى تعريف. دار النقاش حول فكرة بدت، في ظاهرها، عابرة، لكنها أثقل مما تبدو. خلاصتها أن السودانيين، مقارنة بجيرانهم، لم يعرفوا البطش “الحقيقي”، وأن ما يُؤخذ على أجهزة الأمن في السودان ليس استثناءً، بل هو – ببساطة – جزء من طبيعة عمل هذه الأجهزة في كل مكان.
في هذا الطرح شيء من الطمأنينة المريبة؛ كأن القسوة تُقدَّم بوصفها ضرورة، وكأن القمع ليس انحرافاً بل وظيفة. غير أن هذه الفكرة، إذا ما أُخضعت لقدر من التفكيك الهادئ، لا تصمد طويلاً.
أول ما يلفت فيها أنها تفترض، ضمناً، أن الذاكرة السودانية قصيرة. وهذا افتراض لا يسنده واقع. فالتعذيب في السودان ليس رواية شفهية قابلة للمبالغة، بل هو موثّق في شهادات وكتب وتقارير حقوقية تتحدث عن ممارسات قاسية طالت معارضين ونشطاء في مراحل مختلفة من تاريخ الدولة الحديثة. ولم يكن ذلك محصوراً في حقبة بعينها. ففي عهد جعفر نميري، حين كان الجهاز يُعرف بـ“أمن الدولة”، كانت الاعتقالات السياسية والتعذيب جزءاً من أدوات الحكم، لا استثناءً طارئاً. ثم جاء عهد الإسلاميين بعد 1989، فجرى توسيع هذا الإرث لا تفكيكه. تغيّر الاسم إلى “جهاز الأمن والمخابرات”، لكن السلوك، في جوهره، ظل على حاله، مع سجل طويل من القمع.
ما قيل في تلك الغرفة لم يكن مجرد رأي عابر، بل أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها. فبدلاً من أن يكون جهاز الأمن أداة لحماية القانون، جرى تقديمه كأداة لضبط المجتمع بالقوة. وهنا مكمن الخطر. صحيح أن كل الدول تمتلك أجهزة أمن، لكن الفارق الجوهري – كما تُظهر تجارب عديدة – أن هذه الأجهزة في الدول الحديثة تعمل ضمن أطر قانونية صارمة، وتخضع للمساءلة، ولا يُنظر إلى القمع بوصفه وظيفة أصيلة، بل بوصفه انحرافاً ينبغي الحد منه. أما تحويله إلى مهمة طبيعية، فهو نقل للنقاش من مستوى السياسة إلى ما يشبه المسلّمة. وهذا، على نحو ما، ما فعلته الأنظمة الأيديولوجية، ومنها الإسلاميون في السودان.
منذ وصولهم إلى السلطة، لم يتعامل الإسلاميون مع جهاز الأمن كجهاز إداري محايد، بل كذراع مرتبط بمشروعهم. توسّعت صلاحياته، ومُنح حصانات واسعة، وأُدرج ضمن تصور سياسي يرى في المعارضة تهديداً لا مكوّناً من مكونات المجال العام. في مثل هذا السياق، يصبح التعذيب – أو غيره من أشكال القمع – قابلاً للتبرير، بل مبرَّراً أحياناً. والمفارقة أن هذا الخطاب لم يختفِ بسقوط النظام، بل يُعاد إنتاجه بصيغة أخف: “هكذا تعمل كل الدول”. وهي عبارة تبدو واقعية للوهلة الأولى، لكنها تختزل الواقع إلى حدّ مُخل، إن لم تُضلّله.
إذا كان القمع وظيفة طبيعية، فكيف يمكن تفسير محاكمة عشرات من عناصر الأمن في قضية مقتل المعلم أحمد الخير تحت التعذيب؟ لقد حكم القضاء السوداني بالإعدام على واحد وثلاثين من أفراد الجهاز في واحدة من أكثر القضايا صدمة للرأي العام. وهذه ليست واقعة معزولة. فالتقارير الصحفية والحقوقية تتحدث عن حالات وفاة داخل المعتقلات، وعن استخدام مفرط للقوة ضد المتظاهرين، بما في ذلك إطلاق النار. ما تقوله هذه الوقائع ليس إن القمع طبيعي، بل إن ثمة خللاً بنيوياً ظل يتكرر عبر الأنظمة.
الخلل، في أحد وجوهه، لا يكمن في الجهاز وحده، بل في الفكرة التي تبرّره. حين يُنظر إلى المواطن بوصفه موضوعاً للضبط، لا صاحب حق، يصبح العنف احتمالاً دائماً. وهذه الفكرة لم تنشأ من فراغ؛ بل تغذت من غياب دولة القانون، ومن هيمنة الأيديولوجيا، ومن الخلط بين الأمن والسيطرة. وفي ظل هذه الشروط، يتحول جهاز الأمن من مؤسسة خدمية إلى أداة للهيمنة.
في نهاية تلك الجلسة، بدا واضحاً أن النقاش لا يتعلق بالماضي وحده، بل بما يُراد للمستقبل أن يكون عليه. هل نريد دولة تحمي مواطنيها، أم دولة تُبقيهم في حالة خوف؟ القول بأن القمع جزء من طبيعة أجهزة الأمن ليس مجرد توصيف، بل هو، في جوهره، تنازل مبكر عن فكرة الدولة نفسها. فالدولة التي تحتاج إلى التعذيب كي تستمر، تعاني خللاً في بنيتها، لا نقصاً في أدواتها.
ربما لم يعرف السودانيون، في بعض المراحل، مستويات البطش التي شهدتها دول أخرى. لكن ذلك ليس فضلاً يُحتفى به، ولا ذريعة لتطبيع القمع. السؤال الأجدر بالطرح ليس: هل كان القمع أقل أم أكثر؟ بل: لماذا كان موجوداً أصلاً، ولماذا يُراد له أن يبدو طبيعياً؟ في تلك المسافة الدقيقة بين “الضرورة” و“التبرير”، تتكشف أزمة دولة لم تُحسم ملامحها بعد: أهي دولة قانون… أم دولة خوف؟
muhammedbabiker@aol.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم