بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة
وأعود أذكر كيف كنا نلتقي..
والدرب يرقص كالصباح المشرق..
والعمر يمضي في هدوء الزنبق..
(نزار قباني)
“إذا اختلفت مع أخ أو قريب أو صديق أو زميل عمل وتخاصمت معه فلا تفكر أن تضره أو حتى تمسه بسوء، فكر فقط أنك في يوم من الأيام كنت عزيزاً عليه. نحن بين رحلة غياب وبين رحلة حضور.. وبين مبروك عليك وبين أحسن الله عزاءك. من هنا تعرف أن الدنيا محطة عبور وأنها لا تساوي جناح بعوضة!.. فلا تسرق فرحة أحد ولا تقهر قلب أحد ….. أعمارنا قصيرة، وفي قبورنا نحتاج من يدعو لنا لا علينا …… ستُدفن مهما كانت قيمتك، وستُنسى مهما بلغت مكانتك، لذلك اصنع أثراً جميلاً بحسن خلقك…. عود نفسك أن تكون أيامك احترام، إنسانية، إحسان، تفاهم، تسامح، حياة صافية ، فالبصمة الجميلة تبقى وإن غاب صاحبها”
شكراً للأخ العزيز الصديق دكتور عادل الأشقر الذي هكذا ذكرني اليوم من على البعد من إمارة الشارقة المشرقة بهذه النفحات الصباحية. أطلت عليّ سلاماً ووروداً وعطراً جميلاً فواحاً امتلأت منه دنياي ودنيا آخرين هو يحبهم وأنا أحبهم. ما أجمل تواصل الأهل والأصدقاء ورفاق الدروب القديمة المنسية والحاضرة وما أجمل التواصل والتراحم الصافي الحقيقي من غير منفعة دنيوية، ليس مع الأحياء فقط بل حتى مع الذين رحلوا عن دنيا الفناء. آه على بعد تلك الأيام الجميلة وزوالها ….. كيف كنا فيها مرحاً وصفواً وسعادة نلتقي وصفواً ورحابة صدر نفترق على أمل اللقاء ! اليوم للأسف بعدت الأيام وبعدت الشقة فصارت ومعها الديار والأوطان الحبيبة بحماقاتنا واختلافنا وتهورنا وجهلنا وكراً مهجوراً
لا أخفى للقاريء سعادتي عندما تأتينني عرضاً ذكرى صورة قريب أو صديق أو زميل مهنة أو دراسة أو لحظات ذات لقاء عابر كنا نجتمع صدفة مستقلين قطار الحياة، برهة زمن يولد فيجمع الأحباب والصحاب لكنه يموت ساعة الفراق والكل يودع الآخر بالدعاء “في أمان الله”. ربما يكون وداعاً أبدياً، لكن تبقى الذكريات الجميلة محفورة فى المخيلة وفي الخلوات وساعات الصفاء تزور قلوب المحبين. رحمة الله تغشى صديقنا أخانا وزميلنا الطبيب الشاب الخلوق القدوة الكريم المضياف الذي كان جميلا في كل شئ “أبو علي ولينا” الأسعد علي إبراهيم أخصائي القلب، كم تذكرني هذه اللحظة من الخواطر وأنا أكتب، لقائى الرائع الأخير به بصحبة شقيقنا شيخ مجذوب في لندن، وفجأة بعدها بأسبوعين نروع بنبأ وفاته في حادث مروري وهو يقوم بتوصيل أحد ضيوفه إلى مطار هيثرو. رحمة الله عليك أخي في عليين وفي الفردوس الأعلى يا رب تكرمه وتحفظ وتوفق إبنه على وشقيقته لينا. تتجلى مثل تلك الصور بخيرها وصعوبتها أكثر وضاءة عندما تصفوا النفس من رهق الحياة. لكن بحمد الله وبثبات الإيمان بالله فمع بزوغ كل فجر يفج تقرر حياة من العدم ، وجديدة تولد وأخرى تغادر الدنيا إلى التخوم البعيدة سفرا عبر السموات مجهولة البعد والكيان وعدد مجراتها، وعند كل صبح أيضاً تتجدد وتولد آمال ثم تنمو لتكتمل الصورة الزاهية “لوحة دنيا الشعوب” التي نشاهدها عبر الشاشات والأسفار وإن اختلفت أشكالها وألوانها وثقافاتها وألسنتها فكلهم أبناء أدم وبنات حواء .
هكذا الحياة لابد أن تسير . فلا تيأس يا صديقي القارئ الكريم إذا عانيت من عثرة يوم فات، تفاءل، فالأيام القادمات لعلها تخفي ما هو أجمل وأفضل خاصة أذا حسنت نيات وأفعال كل إنسان يفكر ويتدبر ويعرف أنه مسؤولا يوم الحساب أمام الله . ابتسم لنفسك أولاً ثم لغيرك فستبتسم لك الدنيا . لا تيأس طالما الله معك ورزقك مكتوب لك من السماء، ولا تخاف لأن الخوف يسجنك فى نفسك كئيباً طيلة عمرك القصير مهما طال. كن صديقي فى مجالك “مهما كان نوعه ” عاملاً صادقاً مع نفسك أولاً قبل الآخرين وجوِّده مجتهداً مفكراً مبدعاً فناناً خلاقاً، متسامحاً وأميناً متعاوناً مع الآخرين، لتظل بصماتك بعد رحيلك رمزاً حياً لوجودك بين الناس، وذكراً طيباً ونشيداً شجياً تبتهج به الأجيال المنتظرة لتواصل إستمرارية الحياة واستدامة نمو الأوطان والحفظ على ترابها وخيراتها. لك من الله ما يسعدك عند كل الصباحات المشرقات ، كن متفائلاً وأختم مذكراً نفسي وغيري “الحياة جداً قصيرة” . رحم الله نزار قباني “فالعمر يمضي فى هدوء الزنبق”. لقد صدق فسرعان ما تذبل الورود بعد ازدهارها البديع بداية فصل كل ربيع
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم