د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
ليس من عادتي أن أتجاهل من يقصد بريدي برسالة ذات موضوع له معنى ومصداقية أو سؤال طبي. في هذه الحالات التجاهل هو للأسف نمط من عدم الذوق وقصور في ثقافة الإيتيكيت وإحترام الآخرين. الذي يكتب لك لأول مرة وانت لا تعرفه من قبل بدون شك إنه قدرك بل ظن فيك الخير. ولا خير في من يتجاهل الآخرين ترفعاً أو كرهاً أو لإختلاف الرأي أو المعتقد واللون. وتبادل الرأي وإن صار الإختلاف قد يجمع المختلفين على شاطئ واحد فيتفقون وهم سويا جلساء على بساط المحبة
خلال هذا الأسبوع و أنا أراجع الجنك ميل وجدت هذه الرسالة من طالبة جامعية “سودانية” تعاني كالكثيرين من أهل وطني منٌ لواعج غربة قسرية. مشكورة تفضلت هكذا
” إلى الأستاذ الدكتور الأديب عبد المنعم
في الشهر القادم -بلغنا الله إياه على خير وعافية- أكمل ثلاثة أعوام في الغربة، سنتان منها في المدينة التي أسكنها حاليًا لمتابعة دراستي الجامعية وهي مدينة مُحبّبة ولطيفة مقارنة بسابقتها وقد ظننت أن مافي قلبي من ارتياح لسُكناها قد يُسكّن شيئًا مما بقلبي من شجى الاغتراب، إلا أنني أثناء تمشيتي تحت المطر اليوم أدرك أن لا مدينة تشبه مدن الوطن وكل جمالٍ يمس قلبي يزيد معه من لهيب لوعة الاشتياق والحنين دائمة التواجد داخلي على تفاوت شدة اشتعالها، وكما قيل فالطائر إن كان يحن إلى أوطاره فالإنسان أحقّ بالحنين إلى أوطانه
منذ عامين تقريبًا وقعت على مقالة في موقع جريدة سودانيل الإلكترونية بعنوان “رجعت بعد الغربة لقيت الدنيا مادنياك”، كنت حينها أمر بنوبة أخرى من نوبات الحنين الشديد إلى الوطن والأهل والصحاب، ولما قرأتها طرِبَت لها نفسي وأنِسَت بها وحشتي، أعدتها مرارًا مع نفسي ثم قرأتها على أمي مرة أخرى لأشاركها ما فاض عن احتمالي للجمال، ومنذ تلك الليلة وكلما باغتني الاشتياق أفتح الصفحة بحثًا عن شيء من المواساة في الكلمات والأنس في فكرة اشتراكنا نحن المغربون في المرارة ذاتها، أبحث عن وطن لم أكن قد وجدت فرصة معرفته حقًا بعد قبل أن أُبعد في شبابي عنه طلبًا لفرص النجاة الذاتية والتسلح للنجاة به لاحقًا، أقرأ وأرثي من خلال الكلمات ما أعلم أنه تغير من صور الديار التي عرفتها، ويبقى في داخلي رجاء صغير أنني حين أعود بعد التخرج بإذن الله فإن أعين أحبابي وأهلي ستذكر ابنتهم وسأجد حينها بينهم بقايا الوطن الذي عرفته بهم فما الديار في النهاية إلا بمن عمروها وأحيوها.
أكتب إليك وأعتذر عن الإزعاج، إلا أن ما وجدته من المتعة والمواساة بقراءة مقالك كانت أكبر من أن لا أشاركها وأشكرك عليها، فجزاك الله عني خيرًا وآنسك بأهلك وأحبابك أينما حللت وردّنا إلى ديارنا هانئين آمنين مطمئنين وهي مرفوع عنها البلاء ومردود عنها أذى الظالمين
والسلام عليكم ورحمة الله
القارئة الممتنة لكم : هبة الله”
إنتهت الرسالة
هنا أرد عليها هكذا
اليوم ١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
الإبنة العزيزة الموقرة ، هبة الله
أولاً بعد الحمد والشكر لله لك أيضا عاطر التحية والشكر على رسالتك الرائعة مقرونة بالتهاني لك والشكر لوالديك على هذا الإسم الجميل “هبة الله “
أسأل الله أن يوهب لك خيري الدنيا والآخرة و يحقق لك كل ما ترجيه وتتمنين مع كمال الصحة والعافية
ثانيا لقد سعدت بكلماتك ولم لا فهي قطعة أدبية من قلم ناضج وأنت في هذه السن اليانعة مما يدل على ذكائك ونضجك التربوي والأدبي. هذه الأسطر التي تنداح شوقا وحنينا للوطن تدل على أصالة الحب و الإنتماء ليس فقط للولدين والبيوت بل أيضا للوطن الذي نهيم بحبه نحن السودانيون سواء كنا من سكان الصحراء أو البوادي والشواطئ وإن باعدتنا عنه المسافات فلا فرق، فهو دائما همنا وفي السويداء حي ، و كله لنا وطن واليدم لنا جميعا يا رب ذلك الوطن كالثوب الأبيض نظيفا من الشقاق والكراهية والنفاق والإحتلال الأجنبي
كتابك يصلح مقالا للنشر إذا توسعتي فيه قليلاً
هل أنت الكاتبة هبة الله محمد عبدالله ؟ أم أديبة جديدة ننتظر إنتاجك؟
أوافقك، “كم منزل في العمر (أو الدهر) يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل”
عشنا مثلك تجربة الغربة لأول مرة بعيدين عن الأوطان ندرس لتكتمل هويتنا بنور العلم والمعرفة وثقافة الغير من الأمم، وهنيئا لكم أنتم اليوم جيل التواصل الحديث المتاح مع أهلكم وأحبابكم مباشرة عبر الصورة والصوت. هذه نعمة من نعم الله علينا وعليكم تخفف من ذلك العذاب ولكن كما تفضلتي “لا شيء يعدل الوطن ولعلك تعرفين قصة الرواية التي صارت فيها منٌ القصيدة مثلا “وكسيرة في عقر داري أحب إليٌ من أكل الرغيف”
إبنة شقيقي “الشابة في عمرك” تراسلني وفي غربتها من أجل العلم بعثت لها بداية أحرف قصيدة ألفتها في لحظة شوق للوطن وكأنني كنت أتنبأ ساعتها بما سيحدث، أرفق لك ذلك الحوار الذي دار وقتها بيننا عله يسليك. أمسكي بالقلم وأكتبي ما يخطر ببالك ستجدين علاجاً روحياً للضيق خاصة في أيام الشتاء المظلمة و اذكري الله تجدينه تجاهك في كل الأوقات والظروف الصعبة .
اسف للرد المتأخر والسبب وجدت اليوم رسالتك داخل الجنك ميل. سأحتفظ بها ضمن رسائل آلأصدقاء
يا ابنتنا، يا هبة الله، بإذن الله أنت كريمة مكرمة من عند الله ويا الأنموذج المحترم لبنت السودان ، ربنا يحفظك ويسعدك ويسعد بك والديك وكل أسرتك الممتدة والصحاب ووطنك الذي حتما ينتظرك، وكذلك هو ينتظر كل الشباب الشرفاء مثلك ، وكما يقول أهل الشام في الوصية “ديري بالك على نفسك
عاطر التحايا لوالديك
لك الشكر وكل الود
عمك عبدالمنعم عبدالمحمود
عمي العزيز، (من إبنة شقيقي، لك أرفقها)
“استمعت لهذه المعزوفة اول مرة عند ارسالك اليها، وكان والدي وقتها يمر بتلك الازمة الصحية المباغتة في الخرطوم. كان وقع هذه النغمات والكلمات الرقيقة كالنسيم على روحي المجهدة.
و هانذا اعود لهذا العمل مجدداً، استمد منه السلوان والدفء خلال اللحظات العصيبة وادعوا الله ان يخضر يداك بالالهام واستشعار الجمال دائماً وابداً.
ابنتك المحبة
رند
On Sat, 13 Aug 2022 at 2:16 pm, Abdelmoneim Alarabi aa76@me.com wrote:
السماء أزرق والصبح يتنفس
السماء أزرق
والصباح صبوح
والحمام يعزف ألحانه
ينقلني هناك
على شطك يا نيل
مياهك تعرفني
أعشابك تعرفني
أحن إليها
تحن إليٌ
فمتى يكون اللقاء
فى وطن ليته يقبلني
رغم وهن خيوط الأمل
وقساوة الجفاف والجفاء
على الله يبقى حسن الرجاء
عبدالمنعم
13/8/2022 🇬🇧
drabdelmoneim@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم