من أطفأ النور؟
في فلسفة إطفاء الوعي واستعادته بعد الحروب
د. صلاح أحمد الحبو
هناك لحظات نادرة في تاريخ الشعوب لا يُقاس ضوؤها بما يسطع في الشوارع، بل بما يتقد في العقول. وكانت ثورة ديسمبر واحدة من تلك اللحظات. لم تكن مجرد احتجاج على سلطة، بل انبثاقًا لوعيٍ جمعي أدرك، دفعةً واحدة، أن الدولة ليست ملكًا لأحد، وأن الكرامة ليست امتيازًا تمنحه السلطة، وأن الحرية ليست شعارًا بل شرطًا لوجود الوطن نفسه.
كان ذلك هو النور الحقيقي.
والنور، في حياة الأمم، أخطر من السلاح؛ لأنه يكشف ما أراد الاستبداد أن يبقى في الظلام، ويمنح المجتمع القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، ويفكك الخوف الذي طالما عاش عليه الطغيان. ولذلك لم يكن غريبًا أن يصبح هذا النور هدفًا لكل من يخشى يقظة المجتمع.
واليوم، وبعد حربٍ أكلت الإنسان والعمران والدولة، يعود السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
من أطفأ النور؟
ليس المقصود اسمًا أو جماعة بعينها، بل كل قوة جعلت السلاح ينتصر على الفكرة، والدعاية على الحقيقة، والولاء على المواطنة، والخندق على الوطن. فالحروب لا تبدأ عندما تُطلق الرصاصة الأولى، وإنما عندما يُقنع الناس بأن التفكير رفاهية، وأن السؤال خيانة، وأن الاصطفاف يغني عن الحقيقة.
وهنا تكمن المأساة السودانية.
لقد خسر السودان مدنًا، ومؤسسات، وأرواحًا، لكنه خسر قبل ذلك مساحة التفكير المشترك. وما إن انقسم الوعي حتى أصبح كل فريق يرى نصف الحقيقة، ويقاتل من أجل نصف وطن، بينما الوطن الكامل ينزف بينهما.
ولعل أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تقتل البشر وحدهم، بل تقتل المجال الذي يُنتج العقل العام. تُغلق الجامعات، وتُهجَّر الكفاءات، ويتراجع البحث، ويُختزل النقاش العام في لغة التعبئة والكراهية. وحينها لا يصبح السلاح أداةً للحرب فقط، بل أداةً لإدارة الوعي.
لكن هل يكفي أن نعرف من أطفأ النور؟
ذلك سؤال العدالة.
أما سؤال المستقبل فهو: كيف نعيد إشعاله؟
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن الدول لا تخرج من الحروب بالإنكار، وإنما بالشجاعة الأخلاقية. ففي جنوب أفريقيا لم يكن الهدف من الحقيقة الانتقام، بل منع الكذب من أن يصبح أساسًا للدولة الجديدة. وفي المغرب كان الإنصاف اعترافًا بأن الاستقرار لا يُبنى على ذاكرة مقموعة. وفي رواندا لم يكن تجاوز الإبادة نسيانًا لها، بل تحويل الذاكرة إلى التزام جماعي بألا تتكرر. واختلفت النماذج، لكن الرسالة بقيت واحدة: لا مصالحة بلا حقيقة، ولا حقيقة بلا اعتراف، ولا اعتراف بلا مسؤولية.
وليس المقصود استنساخ أي تجربة، فلكل مجتمع تاريخه وشروطه، لكن المقصود أن السودان لن يجد طريقه إلى المستقبل إذا ظل الماضي منطقةً محرمة، أو إذا بقيت الحقيقة ضحيةً جديدة للحرب.
ومع ذلك، فإن الحقيقة نفسها تحتاج إلى شرط سابق عليها: إيقاف الحرب.
فلا يمكن أن تُكتب رواية وطنية مشتركة بينما المدافع تكتب روايتها الخاصة. ولا يمكن للعقل أن يعمل تحت هدير البنادق. ولا يمكن لمجتمع أن يصوغ عقدًا اجتماعيًا جديدًا بينما أبناؤه موزعون بين ساحات القتال ومخيمات النزوح ومنافي اللجوء.
إن أول واجب وطني اليوم هو أن يستعيد السودانيون حقهم في التفكير.
وهذا الحق لا يُمنح، بل يُنتزع بضغطٍ أخلاقي وسياسي واجتماعي متواصل على جميع الممسكين بالزناد، أيًّا كانت مواقعهم أو ذرائعهم. فليس مطلوبًا من المجتمع أن يختار بين بندقيتين، وإنما أن يختار الوطن الذي يتسع للجميع.
وعندما تتوقف الحرب، تبدأ المعركة الحقيقية.
لن تكون معركة السلطة، بل معركة تأسيس دولةٍ جديدة، تقوم على عقدٍ اجتماعي معلن، تُعرَّف فيه حدود القوة، وتُصان فيه الحقوق التي لا يجوز لأحد أن يصادرها، وتُبنى فيه المؤسسات على الشفافية والإفصاح والمساءلة، لا على الغلبة والولاءات.
إن السودان لا يحتاج إلى هدنة بين الجيوش، بل إلى مصالحة بين الحقيقة والذاكرة، وبين الدولة والمجتمع، وبين السياسة والأخلاق. يحتاج إلى أن يعترف الجميع بأن أحدًا لم ينتصر في هذه الحرب، وأن الخاسر الأكبر كان الوطن نفسه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق ضمير كل سوداني:
إذا كنا نعرف كيف أُطفئ النور… فهل نملك الشجاعة لنحرسه إذا عاد؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
فالأوطان لا تموت عندما تُهزم جيوشها، بل عندما تفقد قدرتها على إنتاج وعيٍ جديد. وإذا كانت ديسمبر قد منحت السودانيين لحظةً رأوا فيها أنفسهم على حقيقتهم، فإن المهمة التاريخية بعد الحرب ليست استعادة تلك اللحظة كما كانت، وإنما تحويلها إلى مؤسسات، وقيم، ودستور، وعقد اجتماعي لا يستطيع أحد بعد اليوم أن يطفئ نوره.
فقد يكون من الممكن أن يطفئ فردٌ مصباحًا، أو أن تُغلق جماعة نافذة، لكن لا أحد يستطيع أن يُغرق وطنًا في الظلام إذا قرر شعبه أن يجعل الوعي نفسه دستورًا للحياة
habobsalah@gmail.com
