من اتفاقية الميرغني – قرنق إلى رفض الهدنة الانسانية: التاريخ يعيد نفسه في السودان!

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

منذ استقلال السودان عام 1956، ظل الجيش السوداني أحد أبرز اللاعبين في الساحة السياسية، ليس فقط باعتباره مؤسسة نظامية معنية بحماية الحدود والدستور، بل كقوة حاكمة تتدخل في بنية الدولة متى ما رأت أن المصالح العليا، كما تراها، مهددة. عبر العقود، تكررت مشاهد تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة، وتكررت معها الحروب الداخلية التي أنهكت الوطن وقسمته. فبدل أن يكون الجيش صمام أمان للوحدة الوطنية، تحول إلى أداة تستخدمها التيارات السياسية ذات الطموح السلطوي في مواجهة خصومها، الأمر الذي جعل السودان يعيش أغلب سنواته المستقلة في ظل انقلابات وصراعات مسلحة وانقسامات داخلية عميقة. منذ أول تمرد في الجنوب عام 1955، وحتى الحرب الحالية التي اندلعت في أبريل 2023، ظلّ تعامل الجيش مع الأزمات الداخلية قائمًا على الذهنية ذاتها: رفض التسويات السياسية، والرهان على الحسم العسكري، والنظر إلى النزاعات باعتبارها تحديًا للأمن القومي لا أزمة هوية وعدالة ومواطنة. هذه الذهنية كانت وراء فشل كل محاولات السلام، إذ لم يُقدَّر للسودان أن يعرف استقرارًا طويل الأمد، لأنّ السلاح ظلّ وسيلة لإدارة الخلافات، بينما غابت الرؤية السياسية الجامعة. في الجنوب، بدأت الحرب الأهلية الأولى قبل أن يغادر البريطانيون البلاد، حين شعر الجنوبيون أن الدولة الوليدة تُبنى على أساس إقصائي لا يعترف بتنوع السودان الثقافي والإثني. وبعد جولات طويلة من الدماء، جاءت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 لتمنح الجنوب حكمًا ذاتيًا محدودًا، غير أن نظام جعفر نميري نقضها عام 1983 بإعلانه قوانين الشريعة الإسلامية وتقسيم الجنوب إلى ثلاث مديريات، فاندلعت الحرب من جديد بقيادة الدكتور جون قرنق وحركته الشعبية لتحرير السودان، التي رفعت شعار “السودان الجديد” القائم على المساواة والعدالة والتعددية. في تلك المرحلة، بدأت بوادر تحول فكري داخل الشمال السياسي نفسه، إذ أدرك بعض قادة الأحزاب أن الحرب لا يمكن حسمها عسكريًا. وفي عام 1988، توصل الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة السيد محمد عثمان الميرغني إلى اتفاق تاريخي مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة د. جون قرنق دي مبيور، عُرف بـ اتفاقية الميرغني – قرنق. كانت تلك الاتفاقية لحظة نادرة في تاريخ السودان الحديث، لأنها طرحت رؤية شاملة لحل الأزمة الوطنية عبر تسوية سياسية، واحتوت على بنود واضحة تمثل أساسًا متينًا لأي مشروع وطني جامع. من أبرز بنودها: 1. وقف إطلاق النار الفوري بين الحكومة والحركة الشعبية وفتح الممرات الإنسانية. 2. إلغاء القوانين المقيدة للحريات وعلى رأسها قوانين سبتمبر 1983 التي فُرضت باسم الشريعة. 3. عقد مؤتمر قومي دستوري تشارك فيه جميع القوى السياسية والنقابية وممثلو الأقاليم السودانية لمناقشة مستقبل الحكم. 4. ضمان الحريات العامة وحقوق الإنسان وفق المواثيق الدولية. 5. تأكيد وحدة السودان على أسس جديدة تراعي التعددية الثقافية والدينية. 6. إعادة هيكلة الدولة بما يضمن التوازن بين المركز والأقاليم، وتوزيعًا عادلاً للثروة والسلطة. غير أن هذا الاتفاق، الذي كان يمكن أن ينهي الحرب ويفتح الباب أمام سلامٍ شاملٍ وتحولٍ ديمقراطي، واجه رفضًا شرسًا من الجبهة الإسلامية القومية التي رأت فيه تهديدًا مباشرًا لمشروعها الأيديولوجي، واتهمت الميرغني والحركة الشعبية بالتآمر على هوية السودان الإسلامية. وفي الثلاثين من يونيو 1989، نفذ الإسلاميون انقلابهم العسكري الذي أطاح بالحكومة المنتخبة، ورفعوا شعار “هي لله لا للسلطة ولا للجاه”، معلنين بداية عهدٍ جديد من القهر السياسي والحرب المقدسة. لكن الحرب التي ظنّوا أنهم قادرون على كسبها باسم العقيدة لم تكن إلا استنزافًا للبلاد والعباد. ومع مرور السنوات، تبيّن أن الحسم العسكري مستحيل، وأن الجيش السوداني الذي خاض المعارك في الأدغال والجبال لم يحقق سوى الخراب، حتى اضطر النظام نفسه في نهاية المطاف إلى الجلوس مع الحركة الشعبية والتوقيع على اتفاقية نيفاشا 2005 التي منحت الجنوب حق تقرير المصير. وهكذا، انتهى مشروع “التمكين” الذي بدأ بانقلاب باسم الوحدة إلى تقسيم الوطن نفسه. كان من المفترض أن تكون مأساة الجنوب درسًا كافيًا، لكنّ النخبة الحاكمة، مدنية كانت أم عسكرية، لم تتعلم. فبعد الانفصال، اندلعت نزاعات جديدة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، تعامل معها الجيش والمنظومة الأمنية بذات الذهنية القديمة: استخدام القوة بدلًا من السياسة، والاتهام بالعمالة بدلًا من الاستماع للمطالب. في دارفور، كان الرد على المطالب بالتنمية والعدالة هو القصف والتهجير، فدخل السودان في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث. ومع سقوط نظام البشير في 2019، كان الأمل أن ينتهي عهد عسكرة الدولة، لكنّ الجيش عاد مجددًا ليحتكر السلطة بحجة حماية الوطن من الفوضى. وحين اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، استعاد السودانيون مشهد الحرب الأهلية بكل مآسيها. فرفض الجيش الهدنة الإنسانية رغم تفاقم الكارثة التي حلت بالملايين، واعتبر أي دعوة للتفاوض ضعفًا أمام “العدو الداخلي”. والمفارقة أن التيار الإسلامي، الذي قاد انقلاب 1989 رفضًا للتسوية السياسية، يقف اليوم خلف المؤسسة العسكرية، مكرّرًا الموقف ذاته من رفض الهدنة ورفض الحلول الوسطى. وهكذا تتكرر المأساة في حلقة مفرغة من العناد السياسي والعسكرة الفكرية. فكما أدى رفض اتفاقية الميرغني – قرنق إلى تمزيق السودان وانفصال الجنوب، فإنّ رفض الهدنة الإنسانية اليوم قد يقود إلى مزيد من التمزق والدمار، وربما إلى تفكك ما تبقى من الدولة. فالحروب لا تصنع وطنًا، والدم لا يبني دولة. إنّ التجربة التاريخية للجيش السوداني في الحروب الداخلية تُظهر أنه كلما تدخل في السياسة، ازدادت البلاد ضعفًا وانقسامًا. إنّ القراءة المتأنية لتاريخ السودان تكشف أن المؤسسة العسكرية لم تفشل في تحقيق السلام فحسب، بل كانت في كثير من الأحيان سببًا مباشرًا في تعطيله. فعندما يُختزل الوطن في ثكنة، والسياسة في أوامر، تُفقد القدرة على الإصلاح الذاتي. ومع كل حرب يخوضها الجيش ضد جزء من شعبه، تتسع الهوة بين المركز والهامش، وتتآكل فكرة السودان الواحد. اليوم، يقف السودان أمام مفترق طرق جديد. فإما أن يتكرر سيناريو الجنوب وتنهار الدولة تحت وطأة حرب عبثية أخرى، وإما أن يتعلم قادته – عسكريين ومدنيين – أن الوطن لا يُبنى بالقهر ولا بالعنف، بل بالاعتراف المتبادل والتفاهم السياسي. لقد أثبت التاريخ أن الحروب الداخلية في السودان لا رابح فيها، وأن من يظن نفسه منتصرًا في ساحة المعركة سرعان ما يكتشف أنه خسر الوطن كله. الخلاصة أن ما لم يتحرر الجيش من أوهام الوصاية على الدولة، وما لم يُسحب من يد التيارات الأيديولوجية التي تستخدمه لتحقيق مكاسب سياسية، فلن يعرف السودان سلامًا دائمًا. إنّ بناء جيش وطني مهني خاضع للسلطة المدنية هو شرط النجاة الأول، يليه اعتراف صريح بأنّ اتفاقية الميرغني – قرنق كانت مشروعًا وطنيًا سابقًا لزمانه، رفضه الإسلاميون فخسروا الجنوب، ويرفضون اليوم مثيله فيهددون بما تبقى من البلاد. فالتاريخ، كما قال الفيلسوف هيغل، لا يعلّم الشعوب إلا عبر المآسي، ولكن الشعوب التي لا تتعلم من مآسيها محكوم عليها بتكرارها.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …